أمام مدخل خيمتها، وسط صفوف الخيام المتلاصقة على أرض موحلة، وضعت منار سمير (44 عاماً) علبة صفيح صغيرة كانت مخصصة لمعلبات المساعدات التموينية. أفرغتها من محتواها، وملأتها بالتراب، ثم غرست فيها عدة عيدان نعناع.
ومع دخول فصل الصيف، قطعت منار وعداً على نفسها أن تحول علب المساعدات إلى أصص لزراعة النعناع والنباتات العطرية الأخرى كالريحان والبقدونس وإكليل الجبل وغيرها.
ما فعلته منار، التي نزحت أكثر من 11 مرة منذ بداية الحرب على غزة وفقدت ابنها في قصف مريع، قد يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً صغيراً لا معنى له، لكن الحالة بدأت بالانتشار بين أبواب الخيام الملاصقة.

تفعل سيدات أخريات الشيء نفسه ليس بدافع الغيرة ولكن بدافع استرجاع شيء من رائحة الماضي، وسط حاضر معدم تفوح من بين أزقته روائح تزكم الأنوف.
تتساءل منار باندفاع: "هو في أحلى من ريحة زمان.. في أحلى من ريحة البيت وهوا البيت وزراعة البيت". تزم شفتيها بعد أن تنهي كلامها، ثم تكمل: "ها نحن نحاول أن نصنع جمالاً وسط هذه الحياة السوداء"، في إشارة إلى حياة الخيام.
ووفقاً لعلم نفس الكوارث، فإن هذا الأصيص الصغير من النعناع بلونه الأخضر الذي يصنع فارقاً بصرياً حاسماً في بيئة تتصاعد فيها رائحة الدخان والغبار الناجم عن انهيار المباني، وتكاد تنعدم فيها أي بقعة لونية تخفف من وطأة المشهد، فإنه يمثل أحد أبسط وأعمق أدوات التعافي النفسي المتاحة للإنسان تحت القصف.
في الأوساط العلمية التي تدرس سلوك الناجين من الحروب والزلازل والنزوح الجماعي، يُعرف هذا السلوك بـ"استعادة الشعور بالسيطرة".
يفسر المختص النفسي محمد مهنا هذا السلوك بالقول: "عندما يفقد الإنسان المنزل، الحي، مصدر الماء، الأمان، المستقبل، يشعر وكأنه ورقة صغيرة تقذفها رياح عاتية لا يتحكم بها، بالتالي فإن أي فعل صغير ينتجه الناجي بيديه، كغرس عيدان نعناع في علبة مساعدات، وريها بقطرات الماء المتبقية، ومشاهدتها تنمو أمام عينيه، فهو أمر يعيد له الإحساس بأنه لا يزال فاعلاً، لا يزال قادراً على خلق شيء، لا يزال حياً ومنتجاً".
تدرك منار ومعها جاراتها من نساء الخيام ذلك غريزياً، دون أن يعرفن مصطلحاته العلمية. "هن فقط يشعرن بأنهن حين يلمسن أوراق النعناع كل صباح، ويشممن رائحته التي تتحدى رائحة الغبار والدخان، فإنهن يلمسن جزءاً من بيوتهن التي دمرتها الحرب"، والقول لمهنا.

وجاءت الحرب على أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في غزة، فيما تسببت بنزوح حوالي 1.9 مليون شخص، مما جعل من زراعة النباتات المنزلية البسيطة رفاهية نادرة، علماً أن الكثير من السكان كانوا ينفقون قبل الحرب على الأشتال الزراعية بما فيها نباتات الزينة داخل مساكنهم.
تشير السيدة منار إلى أنها كانت تحب أن تشرب كأس الشاي المفعم بالنعناع كل صباح في مخيم جباليا شمال غزة حيث مسقط رأسها، "كنت أحب أن أصحو وأجد أولادي قد سبقوني لسقاية حوض النعناع، فأقوم بتحضير كأس الشاي المنعنع"، تروي وهي تنظر إلى العلبة البلاستيكية، ثم تتابع: "اليوم بالكاد نجد ماء الشرب، ومع كل ذلك سأحاول ألا أتخلى عن أصيص النعناع".

الحاج سعيد ماضي (72 عاماً) يعرف هذه الحاجة أيضاً، وإن كان لم يعد قادراً على تلبيتها. كان قبل الحرب يتناول إفطاره في "الفرندة" الواسعة أمام بيته، حيث صمم أحواضاً إسمنتية ملأها بالنعناع والريحان والزهور، يسقيها كل صباح بخرطوم المياه، في طقس يومي كان يعيد له ترتيب روحه قبل أن يبدأ يومه. لكنه اليوم نازح في شقة ضيقة، جدرانها متآكلة، ونوافذها مسدودة بألواح الخشب والنايلون لمنع القوارض.
لم يعد هناك فرندة، ولا أحواض، ولا ماء للزرع، يقول ماضي، ويضيف: "زمان كان أول شيء أعمله الصبح أسقي الزرع… لكن هالأيام الماء صارت عملة نادرة وتأمينها صار بده تعب وشقى".
مع كل هذه المشقة، يشير الرجل الذي قضى عمراً في سلك التعليم، إلى أنه انتصر على التحديات اليومية، بإعادة تدوير جالون الزيت النباتي وتحويله إلى أصيص لزراعة النعناع. وقال باتزان وثقة واضحين: "هذا هو الفعل الوحيد الذي يجعلنا نشعر أننا نمارس شيئاً من الماضي، عدا عن ذلك فكل شيء خسرناه ولا طاقة لنا على استعادته، لكن على الأقل لا نريد أن نخسر أرواحنا".
هذا الفعل البسيط الذي يمارسه العم ماضي، والذي قد يبدو عاطفياً أو شعائرياً، ترجعه الأخصائية النفسية فلسطين ياسين إلى ما يسمى "الرعاية كعلاج". "فالعناية بكائن حي آخر، حتى لو كان مجرد نبات، تعيد تنشيط دوائر التعاطف والاهتمام في الدماغ، كما تمنع الإنسان من الانزلاق إلى الجمود العاطفي الذي يصيب كثيرين ممن فقدوا كل شيء" حسبما قالت.
وأضافت المختصة ياسين: "عندما يسقي السكان أصيص النعناع داخل خيامهم ووسط حالة البؤس والعجز والفقر، فكأنما يسقون جزءاً من أرواحهم التي رفضت أن تموت مع موت بيوتهم وشرفاتهم التي كانت تحمل أصص الزرع".
وبينما لا تزال تتصاعد رائحة الغبار والدخان في شوارع وأحياء غزة، وتبدو الحياة مستحيلة والنفس متعبة ومثقلة، تقف أصص المعلبات شاهداً على أن النفس البشرية تعرف، بغريزة أعمق من كل النظريات السيكولوجية، كيف تشق طريقها نحو التعافي ولو بشتلة نعناع.