"بساعدك… بس بشرط نتعرف على بعض.. وبوعدك ما بخلي بنفسك إشي… مصباح علاء الدين إلك". بهذه العبارة، بدأت الرسالة التي وصلت إلى سمية محمد (*) عبر تطبيق "واتساب"، بعد أن كانت قد نشرت مناشدة عبر إحدى الصحفيات، تبحث فيها عن دعم عاجل يخفف من ضيقها. لم تكن تتوقع أن تتحول الاستغاثة إلى باب مفتوح لعروض مشروطة بالإذلال.

تقول سمية إن أطرافها تجمدت وهي تقرأ الرسالة. وبعد دقائق، وقفت وسط الخيمة التي كانت الرياح تعصف بها تلك الليلة، كأنها تنتزع ما تبقى من تماسكها. نظرت حولها في فراغٍ ثقيل، ثم حسمت قرارها بأصابع مرتجفة: ضغطت زر الحظر، وأغلقت الباب أمام ما وصفته بـ "عرض مخزٍ".

لم تكن تلك الرسالة استثناءً. توالت الاتصالات لاحقًا؛ بعضها حمل نية حقيقية للمساعدة، لكن جزءًا منها كشف وجهًا آخر: ابتزاز مباشر ومشروط. "افعلي ما نشاء، ونفذي طلباتنا، ونحن نقدم لكِ ما تريدين"، بهذه الصيغة، كانت تُقدَّم بعض العروض.

تقول سمية، وهي تصفق يديها ببعضهما: "تعرضت لكثير من مواقف الابتزاز. بعد استشهاد زوجي وفقداني عملي كمعلمة بعقد يومي في الأونروا، أصبحت بحاجة للمال لإطعام أطفالي الثلاثة. خلال المجاعة التي عصفت بشمال غزة، نشرت مناشدة على فيسبوك، فتواصل معي صاحب محل معجنات. عندما ذهبت نهارًا، بوجود العمال، رفض مساعدتي، وطلب أن أعود صباحًا مبكرًا. كانت نظراته سيئة جدًا".

لا يقتصر أثر الحرب في غزة على الدمار المادي والخسائر البشرية. ثمة أزمة أقلّ ظهورًا وأكثر تعقيدًا تتشكَّل في الظل: استغلال النساء المحتاجات عبر الابتزاز، حيث تتحول المساعدة إلى أداة ضغط. في بيئة تتسم بالفقر الحاد وانهيار البنى الاجتماعية، يجد بعض الرجال في هشاشة النساء مساحة لفرض شروطهم.

ومع تزايد أعداد الأرامل والنساء اللواتي فقدن المعيل، تتسع دائرة الهشاشة. تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 58,600 ألف أسرة تعيلها نساء في غزة. وفي ظل بطالة مرتفعة وانهيار اقتصادي، تصبح هذه الفئة أكثر عرضة للاستغلال، بينما تصل معدلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت 100%.

وتشير تقارير بحثية صادرة عن منظمات حقوقية دولية إلى تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما يشمل الابتزاز والاستغلال الجنسي، في غزة، مع تفاقم النزوح والحصار والانهيار الاقتصادي والخدماتي.

يسرا عبدالله (*) واجهت تجربة مشابهة. بعد نشر مناشدة، تلقت اتصالًا من رجل خمسيني عرض تقديم المال "عن روح أطفاله الشهداء". التقته مساءً في أحد شوارع خانيونس جنوب قطاع غزة؛ لكن اللقاء لم يسر كما توقعت.

تقول يسرا، وهي تهز قدمها بعصبية: "طلب مني خلع النقاب ليراني، وحاول الاقتراب. تراجعت فورًا، مصدومة من نظرته. لولا الحاجة لما ذهبت أصلًا. كانت تصلني رسائل عبر فيسبوك تعرض المساعدة مقابل أمور أخرى".

تردف: "في البداية كنت أجيب، لكن بعد تعرضي لمحاولات استغلال وطلبات لإرسال صور بوضعيات معينة، أغلقت هذا الباب تمامًا. كنت أخشى حتى أن يرى أحد من أهلي هذه الرسائل".

أما نوره أحمد (*)، فكانت تعمل سكرتيرة في إحدى النقاط التعليمية. تقول إن أحد زملائها المدرسين بدأ بالتحرش اللفظي بها. صمتها فُسِّر خطأً، فتمادى. وعندما علم بحاجتها لسداد دين، عرض عليها الخروج معه مقابل المال.

تروي: "قال لي: هننبسط سوا.. بس نفذي شو ما بطلب وأنا بدفع لك ما تريدي. بقيت يومين في الخيمة، رافضة الذهاب للعمل. لم أستوعب كيف وصل به الأمر لهذا الحد. ما الذي جعله يعتقد أنني رخيصة؟ رغم التزامي في اللباس وحدودي الواضحة مع الجميع".

رفضت أحمد العرض لاحقًا، وقلّصت تواصلها معه. لكنها اكتشفت أن سلوكه لم يكن حالة فردية. "يمارس الابتزاز مع فتيات أخريات"، تقول، مشيرة إلى أن بعضهن يتواصلن معه باستمرار، بل إن إحداهن قالت لها: "هو صديقي فقط".

في سياق أوسع، تقول سانام أندرليني، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشبكة عمل المجتمع المدني الدولي، المعنية بالمرأة والسلام والأمن، إن تداعيات الحروب تدفع النساء إلى العمل في مجالات لا تناسبهن، وبعضهن يُجبرن على الانخراط في العمل الجنسي. كما ترتفع معدلات الزواج المبكر، مدفوعة بمستويات الفقر.

من جانبها، تحذر ماجدة شحادة، الباحثة في وحدة شؤون المرأة بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، من أن الابتزاز والاستغلال الجنسي من أخطر القضايا المرتبطة بالنزاعات. وتؤكد ضرورة تفعيل آليات حماية فورية، تبدأ منذ لحظة الإبلاغ.

تقول شحادة: "نتعامل مع البلاغات فورًا عبر مختصين يتواصلون مع الضحية ويوفرون الحماية اللازمة. لا توجد أرقام دقيقة، لكن الواقع يشير إلى آلاف الحالات في ظل غياب القانون وانهيار المنظومة المجتمعية".

أما فيما يتعلق بالبيانات المتعلقة بالضحايا فإنها -وفق شحادة- تُحاط بسرية تامة، باستخدام نظام ترميز يحفظ الخصوصية. كما يتم تحويل الحالات إلى مختصين لبدء مسارات العلاج، التي تشمل دعمًا نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، خاصة أن بعض الحالات تتعرض لاعتداءات جسدية.

وبخصوص المحاسبة، تشير شحادة إلى أن التعامل يكون أسهل إذا كان المعتدي ضمن مؤسسة رسمية، حيث يمكن فتح تحقيق، خاصة في أماكن العمل التي تخضع للرقابة. أما في مخيمات النزوح أو خارج الأطر الرسمية، فإثبات الحالات يصبح أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع ضعف آليات إنفاذ القانون.

وتؤكد أن القوانين الفلسطينية تجرّم الابتزاز والاعتداء الجنسي، بما في ذلك ما يُعرف بالمقايضة مقابل الخدمات. وتضيف أن أي اعتداء، حتى في حال وجود "موافقة" تحت الضغط، يُعد جريمة. غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب تطبيق فعّال لهذه القوانين.

وتنصّ القوانين الفلسطينية على تجريم جرائم الابتزاز والتحرش والاعتداء الجنسي، إذ ينص قانون العقوبات الفلسطيني الساري في قطاع غزة على معاقبة كل من يهدد أو يبتز شخصًا للحصول على منفعة أو لإجباره على القيام بفعل معيّن، كما تجرّم مواد أخرى الأفعال المخلة بالحياء والتحرش والاستغلال الجنسي، خاصة إذا ارتبطت بإساءة استخدام السلطة أو استغلال الحاجة. 

غير أنّ مختصون حقوقيون يرون أن ضعف إنفاذ القانون خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025)، وانهيار المنظومة القضائية والشرطية، يحدّان من قدرة النساء على الوصول إلى العدالة أو الإبلاغ الآمن عن الانتهاكات.

ورغم تجريم القوانين الفلسطينية للابتزاز والتحرش والاستغلال الجنسي، إلا أن ضعف إنفاذ القانون وانهيار المنظومة القضائية والشرطية خلال الحرب يحدّان من قدرة النساء على الإبلاغ والوصول إلى العدالة، خصوصًا في مخيمات النزوح وبيئات العمل غير الخاضعة لرقابة فعّالة.

وترى المختصة النفسية نورا أبو عيطة أن الابتزاز مقابل المساعدة يُعد شكلًا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، ويترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية للنساء. وتشمل هذه الآثار الشعور بالعار، وفقدان الأمان، والقلق المزمن، واضطرابات النوم، والاكتئاب، فضلًا عن تراجع القدرة على رعاية الأسرة.

وتضيف أن النساء اللواتي يتعرضن لهذه الممارسات يفقدن الثقة بالآخرين، بما في ذلك المؤسسات، ويعشن في حالة من القلق الدائم والخوف من تكرار الاستغلال، إلى جانب شعور متزايد باليأس وانعدام القيمة.

وعن سبل التعامل مع المبتز، توضح أبو عيطة أن الخوف من الوصمة يمنح المعتدي شعورًا بالقوة. وتنصح النساء بعدم الخضوع للتهديد، والاحتفاظ بالأدلة، والتبليغ عبر قنوات موثوقة، وطلب الدعم النفسي، ومشاركة التجربة مع شخص مقرّب.

في غزة، تتحمل النساء عبئًا مضاعفًا في ظل الحرب: فقدان المعيل، تدهور اقتصادي حاد، وغياب شبه كامل للحماية الفاعلة. وبين الحاجة الملحّة للدعم ومحدودية الموارد، تتحول المساعدة -في بعض الحالات- إلى أداة استغلال.

في هذا السياق، تبقى النساء الأكثر عرضة لهذه الانتهاكات، والأقل قدرة على مواجهتها، بينما تستمر الفجوة بين النص القانوني والتطبيق، تاركة آلاف القصص خارج الضوء.

 

(*) أسماء مستعارة لحفظ خصوصية الحالات