عند ناصية شارع رملي في مواصي القرارة، غرب خانيونس جنوب قطاع غزة، تقف رُبا القدرة تحدّق في ساعتها بينما تلسعها الشمس. تحرّر كتفها من حقيبة اللابتوب وتضعها على الأرض، ثم تبدأ السير على قدميها نحو مساحة العمل التي تقصدها يوميًا. في الأيام "المحظوظة"، تمرّ عربة يجرّها حيوان فتقلّها جزءًا من الطريق، لكن حتى ذلك يضيف عبئًا آخر إلى يوم عمل مثقل أصلًا.
تعمل القدرة بنظام العمل الحر "فريلانس" في كتابة المحتوى الإعلاني ومواقع الويب. مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، فقدَت الكثير من العملاء بسبب الانقطاع القسري للكهرباء والإنترنت. تقول: "بعضهم لم يستوعبوا معنى العمل من منطقة حرب؛ بينما حاول آخرون الاستمرار قدر الإمكان".
تلتقط أنفاسها بعد مسير طويل، وتوضح أن المساحات توفر لها الوصول إلى الإنترنت والكهرباء، ما ساعدها في الحصول على عملاء جدد وتأمين دخل ولو كان محدودًا، حتى مع تقطع الدخل أحيانًا.

خلال نزاع امتد لعامين، تدمّرت البنية التحتية للقطاع على نطاق واسع، ووفق تقديرات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فقدَ نحو 201 ألف وظيفة في غزة، أي ما يعادل نحو ثلثي القوة العاملة، مع خسارة 90% من وظائف القطاع الخاص و15% من وظائف القطاع العام.
في هذا السياق، ظهرت مساحات العمل الرقمية كاستجابة مباشرة للحرب، إذ لم تكن موجودة قبل أكتوبر 2023. مع الانقطاع المتكرر للكهرباء والإنترنت وتدمير المكاتب والمنازل التي كان يعمل منها المستقلون، أصبح إيجاد أماكن توفر بيئة مستقرة للعمل ضرورة حقيقية.
في بدايتها خلال 2023–2024، كانت هذه المساحات بسيطة وبدائية، أحيانًا في خيم أو على الشواطئ أو داخل مبانٍ جزئية التأهيل، تقدّم الحدّ الأدنى من الكهرباء والإنترنت. ومع مرور الوقت، تطورت تدريجيًا إلى مراكز أكثر تنظيمًا وتجهيزًا في عدة أحياء ومدن، توفر طاقة احتياطية واتصالًا أفضل وتستقبل أعدادًا أكبر من المستقلين يوميًا، ما يعكس قدرة المجتمع على تكييف موارده لمواصلة العمل وسط ظروف الحرب القاسية.
برزت هذه المساحات كخيار عملي اضطراري قبل أن تنتشر بوتيرة أسرع، وفرت كهرباء وإنترنت مستقرين نسبيًا، مع نماذج دفع مرنة تشمل اشتراكات شهرية أو أسبوعية، أو رسومًا يومية وحتى بالساعة، في محاولة للتمسك بحد أدنى من الاستقرار وسط بيئة مضطربة.
وأفضى بحث تحليلي أجرته مراسلة "آخر قصّة" إلى أن عدد مساحات العمل داخل قطاع غزة غير محدد بدقة، بسبب غياب جهة تنظيمية ناظمة لهذا النوع من الأنشطة وطابعها غير الرسمي والمتغيّر. كما تؤثر الإغلاقات المتكررة وتبدّل المواقع بفعل الظروف الأمنية، بالإضافة إلى صعوبة تنفيذ مسوح ميدانية منتظمة خلال النزاع وتحفّظ بعض المالكين على الإفصاح عن بياناتهم.
غير أنّ عاملين في القطاع يؤكدون أن تزايد أعداد مساحات العمل يعكس ارتفاع عدد العاملين عن بُعد، نتيجة شلل سوق العمل المحلي، حيث لجأ الكثيرون إلى الاقتصاد الرقمي كمصدر دخل بديل.

مصمم المواقع والتطبيقات محمد عمران حاول سدّ هذه الفجوة. بعد معاناة شخصية في العثور على مساحة مناسبة، أعدّ ملفًا لإحصاء المساحات في غزة والمنطقة الوسطى وخانيونس، وقبل أن يتوقف عن تحديثه. يقول: "توقفت لسببين: بعض أصحاب المساحات يرفضون نشر بياناتهم لأن الآخرين يستخدمون الملف لمقارنة الأسعار، وثانيًا لأن البحث مرهق؛ المساحات تغيّر مواقعها أو تُغلق باستمرار بسبب الوضع الأمني المتقلب".
وبحسب تقديرات عمران الأخيرة، يوجد 38 مساحة عمل في مدينة غزة، و8 في المحافظة الوسطى، و2 في خانيونس، مع احتمال كبير أن يكون العدد قد ارتفع لاحقًا.

أسماء سعدي واحدة من الذين نزحوا بين المحافظات الرئيسية الثلاث في القطاع، غزة والوسطى والجنوب؛ وخلال فترات نزوحها كان شغلها الشاغل البحث عن مكان يتوفر فيه هدوء وإنترنت ثابت لأداء مهام عملها الصحفي. استقرَّت لفترة في النصيرات وسط القطاع قبل أن تُغلق مساحة العمل التي ترتادها بعد أشهر، فتعود إلى نقطة البداية.
في الأشهر الأولى للحرب "من أكتوبر 2023 حتى فبراير 2024"، توقفت سعدي عن العمل كليًا. تقول: "كنت نازحة في خيمة برفح جنوب القطاع لا تصلها إشارة الإنترنت، فأضطر لحمل جهازي اللاب توب والعمل الرصيف أو المقاهي القليلة المتاحة للحصول على اتصال ضعيف وغير مستقر، ما جعل إنجاز مهمة العمل التي تحتاج ساعتين يستغرق أسابيع وسط انقطاعات متكررة لشبكات الاتصال والانترنت".
لاحقًا، ومع افتتاح مساحات العمل، تغيّر الوضع جذريًا بالنسبة لسعدي؛ فقد وفرت هذه المساحات كهرباء وإنترنت مستقر نسبيًا، بالإضافة إلى بيئة عمل منظمة، ما شكّل نقلة نوعية للعاملين عن بعد، ومنحهم حدًا أدنى من الاستقرار وسط واقع مضطرب.
رغم توفر مولدات كهربائية في منطقتها مؤخرًا، لا يزال الإنترنت غير متاح بجودة عالية، ما يضطرها للتنقل لمسافات طويلة، بتكلفة مالية ووقت ضائع. تضيف، وهي تُعدّ قصة صحفية على جهازها: "أعيش في شقة مستأجرة مع عائلة ممتدة فالفوضى لا تغيب عن المكان؛ لذلك مساحة العمل متنفس يمنحني تركيزًا وإنجازًا. لكن انقطاع الكهرباء أحيانًا، أو إغلاق المساحات بعد افتتاحها بفترة قصيرة، يشتتني".
في تجربةٍ مشابهة، سلكت رنين العبادلة، طالبة هندسة البرمجيات، المسار ذاته. إذ تعلمت تصميم واجهات المستخدم في العشرين من عمرها، وبدأت العمل الحر قبل ثلاث سنوات. فقدَت وظيفتها الثابتة في بداية الأحداث على غزة، ومنذ ذلك الحين صار دخلها غير مستقر.
تقول: "قبل عامين تقريبًا كنت أذهب من مواصي خانيونس جنوب القطاع إلى دير البلح في الوسطى لأتمكن من إنجاز مهامي في مساحة عمل. لكن الآن توفرت مساحات أقرب داخل منطقة المواصي، ومع ذلك أصل إليها بشق الأنفس بسبب انعدام المواصلات. لكنّي مضطرة فالبديل هو صفوف العاطلين".

من أوائل المبادرات في قطاع غزة في مجال مساحات العمل الرقمية للعاملين عن بُعد كانت مبادرة "طاقات" التي أسسها مهندس البرمجيات شريف نعيم في أبريل 2024 خلال الحرب. وقد وُلدت المبادرة كردّ على فقدان العاملين عن بُعد لفرصهم بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت والدمار الذي ضرب البنية التحتية.
يوضح نعيم أن الهدف كان توفير بيئة مستقرة للعاملين عن بُعد، "وأنا واحد منهم"، فيما تشير إحصاءات داخلية للمبادرة إلى أن إجمالي الدخل الشهري الذي يحققه المستفيدون عبر "طاقات" يصل إلى نحو نصف مليون دولار شهريًا من عقود عمل مع جهات خارجية.
بدأت المبادرة بفريق صغير من بضع أشخاص ومساحة محدودة بدعم مؤسسات شريكة، ثم توسعت تدريجيًا. في فرعها الأول في دير البلح خدمّت نحو 70 مستفيدًا، وخلال السنة الأولى للحرب قدّمت خدماتها مجانًا بالكامل. مع تزايد الإقبال، وصل عدد المستفيدين إلى نحو 300 موزّعين بين ثلاث فروع: دير البلح والنصيرات ومدينة غزة، ما دفع المبادرة لفرض مساهمة رمزية بين 50 و70 دولارًا مع مراعاة الظروف الاقتصادية للمشتركين.
بحلول 2025–2026، نمت المبادرة أكثر، وأصبحت تدعم أكثر من 500 مستقل في فروعها المختلفة وتحقق ما يزيد عن 100 ألف ساعة عمل شهريًا لمجتمع العاملين عن بُعد في القطاع، عبر بيئة عمل مجهّزة بالإنترنت والطاقة ودعم تقني وتدريبي.

اقتصاديًا، يرى الخبير سمير أبو مدللة أن تزايد مساحات العمل يعكس نمو القطاعات الرقمية عن بُعد، بما يضخ عملات أجنبية مباشرة في السوق المحلي، ويخلق قوة شرائية تحرك قطاعات مساندة مثل الاتصالات والخدمات والإيجارات. كما يفتح هذا المجال آفاقًا لخلق فرص عمل للشباب الذين يجدون صعوبة في الاندماج بسوق العمل التقليدي، ما يخفف جزئيًا من الانكماش الاقتصادي ويعيد تدوير السيولة داخل اقتصاد شبه مشلول.
ويشير أبو مدللة إلى أن البطالة بين فئة الشباب (15–29 عامًا) في غزة بلغت نحو 74٪، بينما بلغ معدل البطالة الإجمالي نحو68–79٪ بعد الحرب، ما يبرز أهمية مساحات العمل الرقمية كفرصة لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية بين الشباب.
وعند سؤاله عن إمكانية اعتبار هذه المساحات بديلًا لسوق العمل التقليدي، يوضح: "جزئيًا ومحدودًا. لا تستوعب الأعداد الكبيرة من العاطلين، وتركز على الفئات التي تمتلك مهارات رقمية. تسهم في خفض البطالة ضمن شرائح معينة، لكنها تخلق فجوة بين من يمتلك هذه المهارات ومن لا يمتلكها، وتأثيرها الكلي ما يزال محدودًا".
ويضيف أبو مدللة أن العمل عن بُعد يعزز مرونة الاقتصاد الغزي، لكنه يزيد هشاشته في الوقت نفسه. فهو يقلل الاعتماد على المعابر والسوق المحلي، ويربط غزة بالاقتصاد الرقمي العالمي، ويوفر نماذج دخل بديلة في حالات الطوارئ، غير أنه يظل هشًا إذا بقي بلا تنظيم أو حماية قانونية، ومعتمدًا على عوامل خارجية مثل الكهرباء والإنترنت والمنصات العالمية.
ويخلص إلى أنّ المطلوب لتعظيم أثر العمل الرقمي اقتصاديًا هو الاستثمار في التعليم الرقمي والمهني، ووضع أطر قانونية تحمي العاملين عن بعد، ودمج هذا النمط ضمن رؤية تنموية شاملة، لا التعامل معه كبديل كامل للاقتصاد التقليدي.
لا تقدم مساحات العمل صورة وردية، ولا تروّج للعمل عن بعد كحل سحري لأزمة بطالة ممتدة. لكنها تكشف عن مسار بديل شقّ طريقه وسط الركام. لم تنشأ هذه المساحات كترف، بل كاستجابة اضطرارية لواقع باتت فيه الكهرباء والإنترنت والهدوء موارد نادرة. في غياب سوق عمل قادر على الاستيعاب، يظل العمل عن بعد خيارًا مؤقتًا، يخفف وطأة الانهيار، من دون أن يلغيه.