في غزة، قد يخسر العاملون عن بُعد وظائفهم نتيجة أيّة أسباب، سواء كانت محلية أو دولية. فبينما يحاول الآلاف تثبيت مصادر دخلهم عبر شاشات الحواسيب، تمتد ارتدادات الأزمات، من الحرب الإسرائيلية على القطاع إلى التوترات الإقليمية، لتصل إليهم على شكل قرارات مفاجئة بإنهاء التعاقدات.

خلال الأشهر الماضية، شكّل العمل عن بُعد واحدًا من آخر مخارج الاقتصاد المنهك جرّاء الحرب التي دمّرت البنية التحتية وامتدّت لعامين متواصلين، مع اعتماد واسع على شركات في الخليج. لكن هذا الاعتماد نفسه يكشف هشاشته اليوم، مع شروع شركات في تأجيل المشاريع وتقليص النفقات، بانتظار مشهد إقليمي أكثر وضوحًا. 

في اقتصاد محدود الخيارات، برز العمل عن بُعد كأحد المسارات القليلة المتاحة، مع تقديرات تشير إلى وجود ما لا يقل عن 12 ألف عامل مستقل يعتمدون عليه بشكل مباشر كمصدر دخل.

وبين رسائل إنهاء التعاقد وتصاعد القلق، تتآكل فكرة الاستقرار المهني سريعًا. في قطاع غزة، لا تُحسب الخسارة بوظيفة واحدة فحسب، بل بسلسلة فرص تتلاشى دفعة واحدة، في واقع لا يقدّم بدائل، ويترك العاملين عالقين بين حرب لا تنتهي، وسوق لا يرحم.

تنظر تسنيم السرساوي إلى رسالة الاعتذار من العمل التي وصلتها على بريدها الإلكتروني كما لو كانت سطرًا فاصلاً بين مرحلتين. كلمات قليلة، مباشرة، لكنها ثقيلة بما يكفي لتُسقط خططًا كاملة كانت قد رتّبتها لأيامها المقبلة. لم تتوقع أن تنهي الشركة التي تعمل معها عن بُعد في دبي تعاقدها بهذه السرعة، لكن التبرير جاء واضحًا: التوترات الإقليمية وما تشهده منطقة الخليج.

لبضع دقائق، بقيت جالسة أمام شاشة الحاسوب دون حركة. أعادت قراءة الرسالة أكثر من مرة، وكأنها تبحث عن احتمال آخر بين السطور. ثم، بهدوء، بدأت بكتابة ردّها، على أمل أن تنتهي الحرب سريعًا، وتستعيد المنطقة بعض استقرارها.

كانت السرساوي تعمل في التصميم الجرافيكي لصالح مستشفى ومختبرات طبية في دبي. ومع تصاعد الأحداث وفرض حظر التجول والإجازات الرسمية على قطاعات واسعة إثر الأزمة الإقليمية الحاصلة، توقّف عملها. لم يكن هذا مصدر دخلها الوحيد، إذ تعاملت أيضًا مع شركات في السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وهي الدول التي شكّلت مجتمعة مصدر رزقها الأساسي.

تقول: "منذ بدء الأحداث شعرت بالقلق. أي تأثر في الخليج سينعكس علينا مباشرة. وبالفعل، بدأت شركات بتقليل التعاقدات أو تأجيل المشاريع، وحدث ذلك معي قبل أيام".

لكن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها عوائق. وتشير السرساوي إلى أن بعض الشركات الخليجية كانت تتحفّظ على التعاقد مع عاملين من غزة حتى قبل الحرب، بسبب القيود والإجراءات المالية المفروضة على التحويلات إلى قطاع غزة، وهو ما أثر على استمرارية العمل وطبيعته.

اليوم ومع تصاعد التوتر في الخليج على خلفية الحرب الإسرائيلية مع إيران، عاد هذا القلق ليتحوّل إلى واقع. شركات تؤجل مشاريع، وأخرى تقلّص نفقاتها، وبعضها ينهي التعاقدات بانتظار اتضاح المشهد. في المقابل، يعيش العاملون عن بُعد في غزة حالة ترقّب ثقيلة، مع اعتمادهم شبه الكامل على هذا النوع من العمل في ظل غياب فرص محلية.

هديل أبو جلالة، مصممة واجهات وتجربة مستخدم تعمل مع شركة سعودية، تصف هذا القلق بوضوح: "كنا نعمل تحت النار في غزة، ونستمر رغم كل شيء. لكن أي تصعيد في الخليج قد يدفع الشركات لإيقاف التعاقدات معنا. أخشى أن أكون التالية".

تتذكر أبو جلالة كيف كانت الشركات التي تعاملت معها خلال الأحداث في غزة تُظهر تفهّمًا لظروفها، رغم الضغط النفسي الكبير الذي كانت تعيشه. لكن تجربة سابقة مع شركة ألمانية لم تكن مشابهة؛ إذ لم تُبدِ تفهّمًا، ما دفعها للانسحاب قبل إنهاء التعاقد معها. اليوم، يتضاعف قلقها، ليس فقط على عملها الحالي، بل على فرصها المستقبلية أيضًا.

على نحوٍ مماثل، يروي محمد القدرة، مصمم جرافيك ومتخصص في الهويات البصرية، مسارًا مشابهًا. تتركز أعماله في السعودية والكويت، وبدأ مسيرته فعليًا نهاية عام 2024، في ظلّ الحرب. قبلها، كان على وشك توقيع عقد مع شركة تخدم السوق الخليجي، لكن اندلاع الحرب حال دون ذلك، فتراجعت الشركة عن توظيف أي شخص من غزة.

لاحقًا، تمكن من العمل بشكل متقطع عبر منصات العمل الحر مع شركات خليجية، لكنه يرى أن ما يحدث اليوم يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

يقول: "أي توتر في المنطقة يعني تأجيل مشاريع أو تقليص ميزانيات. النتيجة مباشرة: تقليل الطلب على خدمات مثل التصميم والتسويق والبرمجة، ونحن أول المتضررين".

واجه القدرة سلسلة من الصعوبات، من النزوح الذي حال دون التزامه بعقد سابق، إلى العمل غير المستقر عبر المنصات الرقمية. ومع التوتر الإقليمي الجديد، عاد القلق ليهيمن: "أفكر دائمًا: ماذا لو فقدنا هذا السوق بالكامل؟ ليس أنا فقط، بل عدد كبير من الزملاء. إن طال أمد الحرب، قد نفقد مصدر دخلنا الوحيد".

من زاوية اقتصادية أوسع، يوضح المختص عمر صلوحة أن قطاع العمل عن بُعد تلقّى ضربة قاسية مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، قبل أن يبدأ تعافيًا حديثًا بطيئًا عبر العودة للتعامل مع شركات، خصوصًا في الخليج. إلا أن الحرب الإقليمية الجارية أعادت التأثير السلبي مجددًا، من خلال تأجيل المشاريع وفسخ العقود.

ويشير إلى أن هذا القطاع كان أحد أبرز مصادر الدخل، خاصة مع اعتماد شركات الخليج عليه كمشغّل رئيسي للعمالة عن بُعد. ومع تأثر هذه الشركات، خسر الاقتصاد الغزي موردًا مهمًا للعملة الصعبة، التي كانت تسهم في دعم السوق المحلي.

وبحسب تقديرات صلوحة، كان نحو 30 ألف شاب وشابة يحققون دخلًا يقارب 1000 دولار شهريًا من العمل عن بُعد. لكن هذا القطاع انهار بشكل شبه كامل بعد السابع من أكتوبر 2023، ولم يبدأ بالتعافي إلا ببطء شديد، وسط ظروف النزوح وعدم الاستقرار.

ارتفعت البطالة إلى نحو 80% مع نهاية 2025، مقارنة بأقل من 45% قبل الحرب. وكان خريجو تخصصات التكنولوجيا من الأكثر تضررًا، حيث فقد نحو 48% منهم وظائفهم، نتيجة ضعف الاتصالات، وانقطاع الإنترنت، وفقدان المعدات، إضافة إلى انسحاب عدد كبير من المشغّلين الخارجيين.

وتشير التقديرات إلى توقف نحو 70% من شركات التكنولوجيا عن العمل، فيما تكبّد قطاع الاتصالات خسائر أولية بلغت 223 مليون دولار حتى منتصف 2024، مع استمرار الارتفاع. كما يُقدّر الفاقد اليومي من الدخل بنحو 12 مليون شيكل، في مؤشر واضح على حجم الانهيار.

يرى صلوحة أن التوترات الإقليمية الحالية تضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ تدفع شركات خليجية إلى التراجع عن التعاقدات مع العاملين في غزة، ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي. ويضيف أن العمل مع هذه الشركات لا يوفر دخلًا فقط، بل يمنح أيضًا استقرارًا مهنيًا وخبرة نوعية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة في تلك الدول.

قانونيًا، تُنظَّم علاقات العمل عن بُعد غالبًا عبر عقود عمل حر أو اتفاقيات خدمات (Freelance Contracts)، وهي لا تضمن إشعارًا مسبقًا أو تعويضًا عند إنهاء التعاقد، ما يترك العاملين عرضة لقرارات مفاجئة دون حماية فعلية. كما أن الطابع العابر للحدود لهذه العقود يجعل التقاضي صعبًا، إذ تخضع غالبًا لقوانين دول الشركات، مع قيود تعيق الوصول للعدالة، في ظل غياب إطار دولي يحمي العمالة الرقمية في مناطق النزاع.

في قطاع غزة، يبدو العاملون عن بُعد عالقين بين حربين: واحدة داخلية دمّرت البنية الاقتصادية، وأخرى إقليمية تهدد ما تبقى من فرصهم. اعتمادهم على هذا النمط من العمل يجعلهم أكثر عرضة لأي اهتزاز خارجي، في واقع اقتصادي هش أصلًا، فماذا سيحدث إن طال أمد التوتر في المنطقة؟ ومن أين سيأتي مصدر الدخل، في مكانٍ لم يعد فيه للعمل بدائل، خاصة في ظل واقع قانوني تُنظَّم فيه هذه الأعمال غالبًا عبر عقود عمل حر لا تضمن حدًا أدنى من الحماية أو الاستقرار؟