لم تعد شوارع غزة بالنسبة لأحمد البسيوني (35 عامًا) مجرد مسارات مألوفة يحفظ تفاصيلها، بل تحولت إلى ميدان خطر يقطعه يوميًا بحذر بالغ. خلف مقود سيارته الأجرة، التي تمثل مصدر الرزق الوحيد لأسرته، لم يعد يكتفي بمراقبة حركة السير، بل أصبح يُرهف السمع لكل صوت يصدر عن إطارات مركبته المهترئة، تلك التي باتت تفصل بينه وبين كارثة محتملة بمسافة ضئيلة من المطاط المتهالك.

يقول: "أقود السيارة وأنا أستشعر الخطر في كل لحظة؛ فالإطار قد يتعطل معي في أي وقت، ولا أملك القدرة على استبداله، وكل ما أرجوه أن تمر الرحلة بسلام".

ويوضح أن المطبات والتوقفات المفاجئة وسط الازدحام تزيد من هذا الخطر، حيث تتحول الإطارات المهترئة إلى تهديد حقيقي لحياته وحياة الركاب في كل رحلة، لا يسعى خلالها إلا إلى تأمين لقمة العيش وسط طرق لم تعد تحتمل مزيدًا من المخاطرة، مضيفًا: "كل رحلة مغامرة غير محسوبة العواقب".

ويتابع البسيوني: "لم يعد خوفي مقتصرًا على تعطل السيارة، بل على لحظة قد ينفجر فيها الإطار فجأة دون سابق إنذار".

في ظلّ تداعيات الحرب الاسرائيلية (2023-2025)، تحولت الإطارات المهترئة في قطاع غزة، إلى عنصر خطر مباشر على حياة السائقين والركاب. فمع ارتفاع غير مسبوق للأسعار وشحّ الإمدادات ومنع إدخال الإطارات عبر المعابر نتيجة الحرب، يضطر سائقون إلى مواصلة العمل رغم تدهور حالة مركباتهم. 

وبينما يتقاطع تدهور الأوضاع الاقتصادية وظروف المعيشة القاسية التي يواجهها السكان في غزة، في ظل نزوح نحو 1.9 مليون شخص داخل القطاع في ضغط معيشي متصاعد، مع انعدام البدائل، تتفاقم المخاطر على الطرقات، ليصبح التنقل اليومي جزءًا من أزمة أوسع تمسّ قطاع النقل وحياة السكان.

وعلى غرار سيارات الأجرة سعة أربع ركاب، يواجه أيمن السويركي (40 عامًا) تحديًا مضاعفًا خلف مقود شاحنته، التي تعتمد عليها عائلته الممتدة في تأمين مصدر دخلها الوحيد. يخرج كل صباح ليجوب شوارع غزة ينقل البضائع بين أزقتها ومناطقها المختلفة، في عمل لم يعد يقتصر على تلبية احتياجاته المعيشية، بل أصبح اختبارًا يوميًا لقدرة مركبته وإطاراتها المتهالكة على الصمود تحت الضغط.

يروي: "لم يعد تغييرها خيارًا متاحًا، بل بات مؤجلًا بفعل ارتفاع التكاليف وضيق الحال، رغم إدراكي أن استمرار العمل بهذا الوضع يضاعف من مستوى الخطر مع كل رحلة".

ويتابع حديثه قائلا إن الحمولة التي ينقلها ليست مجرد بضاعة، بل ضغط يتراكم على إطارات فقدت قدرتها على التحمل من توالي الاستخدام الشديد.

ويضيف السويركي أن كل طريق غير ممهد أو منعطف مفاجئ قد يتحول إلى لحظة اختبار حقيقية لقدرته على السيطرة، في واقع أصبح فيه تأمين لقمة العيش مرتبطًا بالمخاطرة على الطرقات، دون وجود بدائل آمنة أو خيارات سهلة.

في الخامسة والخمسين من عمره، يمتلك أيهم الخطيب ذاكرة تحفظ كل حفرة ومنعطف في طرقات غزة، غير أن خبرته الطويلة التي امتدت لعقود لم تعد كافية لتوفير الأمان الكامل في رحلاته اليومية. يقود حافلة "نصف نقل" في مسارات لا تتوقف، يمزج فيها بين نقل الركاب وتكديس البضائع، في مهمة شاقة جعلت من مركبته العمود الفقري الذي تستند إليه أسرته الكبيرة.

يوضح: "أحمل أمانتين؛ أمانة الرزق وأمانة الأرواح"، ويضيف أن توقفه عن العمل يعني شللًا كاملًا في تفاصيل حياته المعيشية، بينما الاستمرار بإطارات متهالكة يجعل كل رحلة اختبارًا حقيقيًا لمسؤوليته تجاه الركاب. وبين الحاجة التي تدفعه إلى العمل، والخطر الذي يرافقه في كل مسافة، يواصل طريقه بحذر شديد، كمن يسير على حافة لا تحتمل أي خطأ.

ما يرويه السائقون هنا لا يختزل في معاناة فردية، بل يكشف عن أزمة عميقة تضرب سوق إطارات السيارات وتدفع بقطاع النقل إلى حافة الخطر.

وفي هذا السياق، يوضح المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أسعار إطارات المركبات في قطاع غزة شهدت ارتفاعًا حادًا وغير مسبوق؛ إذ كانت تتراوح سابقًا بين 150 و200 شيكل، بينما وصلت حاليًا إلى نحو 10,000 شيكل، وأكثر في بعض الحالات، في ظل شحّ المعروض ومنع إدخال الإطارات عبر المعابر.

يشير إلى أن هذا النقص لم يقتصر أثره على الأسعار فقط، بل انعكس بشكل مباشر على حركة النقل، متسببًا في صعوبات كبيرة في استمرار عمل المركبات وتقليص حركة التنقل داخل القطاع، باعتبار الإطارات عنصرًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في تشغيل المركبات.

ويضيف أن الأزمة دفعت المواطنين إلى التوجه نحو الإطارات المستعملة كبديل، إلا أن هذا الخيار أصبح محدودًا أيضًا، خاصة مع تضرر أكثر من 60% من المركبات خلال الحرب، وتوقف عدد كبير منها لفترات طويلة بسبب نقص الوقود، ما ساهم في تقليل توفر الإطارات المستعملة في السوق.

ويؤكد أبو قمر أن غياب البدائل الحقيقية يفاقم الوضع القائم، مشددًا على أن الحل يكمن في تسهيل إدخال الإطارات وقطع الغيار والزيوت عبر المعابر، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لتخفيف الضغط على قطاع النقل وحركة المواطنين.

ولم تكن وزارة النقل والمواصلات بعيدة عن هذا المشهد القاتم؛ فالمتحدث باسمها أنيس عرفات يصف انتشار الإطارات المهترئة في شوارع غزة بأنه "قنبلة موقوتة"، محذرًا من أن انفجارها بات سببًا جوهريًا ورئيسيًا لحوادث السير التي تضع حياة الركاب والمشاة في خطر دائم.

ويكشف عرفات عن "معضلة واقعية" تواجه اللجان الفنية أثناء فحص ترخيص المركبات؛ فبينما تتبع الوزارة معايير دولية صارمة، مثل عمق النقشة الذي يجب ألا يقل عن 1.6 ملم، وخلو الإطار من التشققات والتحبب، إلا أن الحصار يفرض واقعًا مغايرًا.

ويقول: "نضطر أحيانًا للتعامل مع ما هو متاح في السوق، ونركز جهودنا على منع المركبات التي تشكل خطرًا جسيمًا وفوريًا، فمن الصعب فرض المعايير المثالية في ظل غياب البديل الجديد تمامًا".

وفيما يتعلق بالرقابة على الأسواق، أشار إلى أن الاعتماد الكلي بات على الإطارات "المستعملة" أو "المُجددة"، حيث قفزت أسعارها إلى 10 أضعاف سعرها الطبيعي.

ويؤكد: "إن صيانة المركبة تحولت من إجراء وقائي دوري إلى عملية مكلفة جدًا يضطر السائق إلى تأجيلها قسرًا، مما أدى إلى تراجع العمر التشغيلي لأسطول النقل في القطاع وزيادة وتيرة الفواجع المرورية".

في نهاية المشهد، لا تبدو المشكلة مجرد ارتفاع في الأسعار أو نقص في إطارات السيارات، بل أزمة تمتد آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية وحركة الناس على الطرق. 

وبين شهادات السائقين ورؤية المختصين، تتضح صورة واقع يفرض على المواطنين خيارات محدودة تحمل في طياتها قدرًا أعلى من المخاطر. ومع استمرار هذا الوضع، تبقى السلامة المرورية مرهونة بإمكانات غير متاحة، في انتظار حلول تعيد التوازن بين الحاجة إلى التنقل وحق الناس في طرق أكثر أمانًا.