لم يكن ما راكمته لانا البابا (53 عامًا) عبر سنوات من العمل خلف ماكينة الخياطة مجرد مهنة، بل إرثًا تبخّر في لحظة تحت أنقاض محلها المدمّر بفعل الحرب، لكنها اليوم، تجلس خلف ماكينة جديدة تحاول استعادة ما يمكن استعادته… خيطًا بخيط، ومع أول هدوء نسبي، عادت "سيدة العباءات" كما يُطلق عليها زبائنها إلى عملها، لكنها لم تبدأ من حيث انتهت، بل من الصفر.

من تحت الركام في منطقة برشلونة غرب مدينة غزة إلى واجهة محلها الناشئ "بلستيا" في منطقة الاتصالات وسط حي الرمال بمدينة غزة، ترسم طريق العودة مستندة إلى مهارة لم تستطع الحرب الإسرائيلية (2023-2025) دفنها، وإرادة دفعتها إلى استعادة مشروعها والتوسّع مجددًا.

وعلى مدار أكثر من عشرين عامًا، بنَت البابا اسمها في تصميم وخياطة العباءات، معتمدة على دقة العمل وثقة الزبونات، حتى أصبح اسمها معروفًا في هذا المجال.

تروي: "عملتُ لسنوات طويلة حتى كوّنتُ قاعدة من الزبونات اللواتي يثقن بعملي ويطلبنني بالاسم. لم يكن المحل مجرد مصدر رزق، بل كان خلاصة جهدي ووقتي".

وتردف: "ثم جاء ما لم يكن في الحسبان، إذ انتهت تلك السنوات في لحظة واحدة، حين دُمّر المحل بالكامل، وتبدّد معه كل ما جُمع عبر الزمن، من أدوات العمل والأقمشة وحتى الطلبات الجاهزة".

مع الهدوء المؤقت الذي شهده قطاع غزة في يناير 2025، وبعد عودتها إلى مدينة غزة من نزوحها الثاني في محافظات جنوب القطاع، قررت لانا إعادة إطلاق مشروعها من جديد.

وتسترجع البابا تلك المرحلة قائلة: "في الأيام الأولى شعرتُ بأن العودة إلى العمل صعبة جدًا، وكأن الطريق قد انقطع، لكن مع الوقت بدأت أفكر بما تبقّى لديّ، لا بما فقدته، فقد كانت المهارة لا تزال موجودة، وكذلك ثقة بعض الزبونات".

تتابع: "لم يكن القرار بالبدء من جديد سهلًا، لكنه كان الخيار الوحيد الممكن أمام واقعٍ لم يترك مساحة كبيرة للتوقف. شيئًا فشيئًا، بدأتُ بإعادة ترتيب أدواتي، في مساحة صغيرة أعدتُ فيها إحياء عملي من جديد".

وتؤكد أنّ البداية لم تكن سهلة، لكنها كانت تؤمن أن الاستمرار حتى لو بخطوات صغيرة سيعيد لها شيئًا مما فقدته. تقول: "فكنت أتعامل مع كل قطعة وكأنها بداية جديدة".

ومع مرور الوقت، بدأ المشروع يستعيد جزءًا من حركته، مع عودة الطلبات تدريجيًا، ما شجّعها لاحقًا على التوسع وافتتاح فرع جديد، في محاولة لتوسيع نطاق عملها من جديد.

وتشير البابا إلى أن العمل في مجالها داخل قطاع غزة بات يواجه تحديات كبيرة في ظلّ محدودية الموارد وارتفاع أسعار المواد الخام، مؤكدة أن استمرار المشاريع الصغيرة أصبح أكثر صعوبة في ظل هذا الواقع الاقتصادي.

هذا الإصرار الذي تبديه البابا يصطدم بواقعٍ اقتصادي شديد التعقيد في غزة، حيث يشكّل قطاع الخدمات نحو 54.9% من الناتج المحلي قبل الحرب، ويستوعب أكثر من نصف القوى العاملة في اقتصاد محدود القاعدة الإنتاجية ومعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والخدمات.

لكن هذا القطاع كان هشًّا أصلًا قبل التصعيد، مع معدلات بطالة مرتفعة، قبل أن تتفاقم الأزمة بشكل حاد بعد الحرب، حيث انكمش النشاط الاقتصادي في غزة بنسب تجاوزت 80% في بعض التقديرات، ما أدخل الاقتصاد في حالة انهيار فعلي.

ومع هذا التراجع، فقد مئات الآلاف وظائفهم، وتضررت المنشآت الاقتصادية على نطاق واسع، فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى فقدان ما يقارب نصف مليون وظيفة في الاقتصاد الفلسطيني منذ اندلاع الحرب، بينها عدد كبير في قطاع غزة.

ونتيجة ذلك، ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات تقارب 80% في بعض الفترات، فيما باتت الغالبية تعيش تحت خط الفقر، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على مشاريع صغيرة محدودة الإمكانات كوسيلة للبقاء لا أكثر.

كما أظهرت تقارير البنك الدولي أن العديد من المشاريع النسائية اضطرت إلى تقليص العمالة أو العمل بقدرات جزئية للبقاء، ما جعل المشروعات الفردية الصغيرة مثل مشروع لانا البابا جزءًا من اقتصاد الصمود اليومي أكثر من كونها مشاريع توسع ونمو.

في هذا السياق، تبدو محاولات العودة إلى العمل الفردي، مثل تجربة البابا، جزءًا من اقتصاد صمود أكثر منه اقتصاد تعافٍ، حيث تتحول المهارات الشخصية والمشاريع الصغيرة إلى وسيلة شبه وحيدة لاستمرار الحياة الاقتصادية في ظل انهيار واسع في فرص العمل التقليدية.

وبين كل ما مرّت به خلال عملها، تختصر البابا تجربتها برسالة بسيطة، قائلة "البدء من جديد في غزة ممكن، حتى في أصعب الظروف، إذا توفرت الإمكانيات، حتى لو كانت محدودة".