كان النادي الرياضي مساحة رحمة حبيب (38 عامًا) الآمنة لتفريغ ضغوطها وتجديد طاقتها، قبل أن يتحول فجأة إلى ركام. اليوم، تحاصر خيمة النزوح الضيقة أنشطتها البدنية وتحرمها من الخصوصية، حتى مشوار المشي الصباحي على كورنيش غزة انقطع تمامًا؛ ليتبدد روتينها الرياضي وتحول حياة اللجوء الحركة من أسلوب حياة إلى رفاهية بعيدة المنال.

إقامة رحمة الحالية في خيمة بمنطقة أرض الجوازات غرب مدينة غزة، وسط شوارع محيطة تفتقر تمامًا للبيئة المناسبة للحركة؛ فمياه الصرف الصحي والركام المنتشر في الطرقات أسباب رئيسية لتراجعها القسري عن الخروج.

في غمرة بحثها عبر الإنترنت عن تمارين تتلاءم مع هذه المساحة الضيقة، تتحدث حبيب عن تجربتها قائلة: "التزامي مؤخرًا بنظام غذائي صحي لتخفيف الوزن دافع أساسي للحركة، لكن الخيمة بلا متسع، ونظرات مَن حولي وأسئلتهم الكثيرة عند تطبيقي لأي فيديو رياضي شكّلت عندي ضغطًا دفعني لترك المشاهدة والتطبيق نهائيًا".

كانت حياة حبيب قبل الحرب مفعمة بنشاط المشي الصباحي المنتظم على "كورنيش غزة"، وهو ما استحال اليوم بسبب الخيام المتراصة هناك نتيجة النزوح، كما أن غرفتها الخاصة التي شهدت سابقًا تمارين القفز باتت ذكريات بددتها المساحة المحدودة وغياب الخصوصية داخل الخيمة.

تمسح رحمة قطرات عرق عن جبينها بعد تمرين خفيف، وتُضيف: "رحلة البحث عن نادٍ رياضي للاشتراك بانتظام كالسابق انتهت بصدمة الأسعار، فمبلغ 120 شيكلاً شهريًا للاشتراك دفعني للتراجع فورًا، فالأولوية اليوم لتوفير الطعام".

تعيش الرياضة النسائية في غزة حالة تراجع قسري يعيدها عقودًا إلى الخلف، بعد أن تم تقويض بنيتها التحتية الهيكلية التي شهدت طفرة ملموسة بين عامي (2020- 2023)؛ فوفقًا لتوثيقات اللجنة الأولمبية الفلسطينية، تسببت الحرب الإسرائيلية (2023- 2025) في تدمير ما يزيد عن 265 منشأة رياضية كليًا أو جزئيًا، من بينها 49 صالة للياقة البدنية (الجمنازيوم) كانت تشكِّل المتنفس والبيئة الحاضنة للأنشطة النسائية. 

هذا الدمار الشامل جعل الخيارات المتاحة أمام النساء محدودة للغاية وأكثر كلفة، مما يصعّب الوصول إليها في ظل واقع اقتصادي مرير تخطت فيه البطالة والفقر حاجز الـ 90%، مما أعاد ترتيب أولويات الإنفاق الأسري نحو "اقتصاد البقاء" وتوفير الغذاء، فضلاً عن تدمير المنظومة الاستثمارية النسوية التي تركت رياديات ومدربات القطاع غارقات في ديون قروض صالاتهن المدمرة.

ولم يتوقف الأمر عند خسارة المنشآت، بل امتد ليشمل أبعادًا نفسية واجتماعية معقدة جراء سلب المتنفس الحركي وغياب الخصوصية؛ إذ يفتقر أكثر من مليون ونصف المليون نازح للمساحة الشخصية اللازمة للمجهود البدني داخل خيام قماشية رقيقة تلغي الفاصل بين العام والخاص وتفرض "رقابة مجتمعية عفوية" تعرّض النساء للتنمر والأسئلة. 

كما طال الخراب الشوارع والمساحات العامة المخصصة للمشي، والتي تحولت أجزاء واسعة منها إلى ركام أو تجمعات مكتظة بالخيام ومياه الصرف الصحي، مما حرم النساء تمامًا من البيئة الآمنة والحرية المكانية للحفاظ على صحتهن ولياقتهن وتفريغ ضغوطهن النفسية المتراكمة، في قطاعٍ ودّع أكثر من 45 شهيدة من كوادره الرياضية النسوية.

مختصون أشاروا إلى أنّ هذا الحصار المكاني والبيئي فرَض بدوره كارثة صحية صامتة تحت قماش الخيام يغذيها "الخمول القسري" الناتج عن ضيق المساحة والارتفاع الحاد في درجات الحرارة صيفًا. 

ويتزامن هذا الركود البدني المفروض مع عجز النساء عن اتباع الأنظمة الغذائية والاعتماد الكلي على معلبات الإغاثة والأغذية المليئة بالنشويات والمواد الحافظة لغياب البدائل الطازجة؛ مما يرفع بشكل حاد من مخاطر إصابتهن بمقاومة الإنسولين، وآلام المفاصل والظهر الناتجة عن الجلوس الطويل على الأرض، وتراجع الكتلة العضلية، لتتحول الرياضة من أداة للمقاومة النفسية والصحية إلى ضحية أخرى من ضحايا الحرب.

 

نجوى محمد (33 عامًا) بعيدة عن الرياضة منذ عامين ونصف بفعل الحرب، وناديها الرياضي في معسكر جباليا شمال قطاع غزة بات مدمرًا بالكامل، ومحاولتها قبل شهر للبدء بنظام لتخفيف الوزن اصطدمت منذ التمرين الأول بثقل في الجسد ونهجة في الصدر لم تعهدها مسبقًا.

تعبر محمد عن واقعها بالقول: "المرارة تتجدد يوميًا هنا، وممارسة الرياضة في الخيمة أمر ثقيل ومزعج بسبب الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، ولذلك اعتمادي على الأوقات الليلية بدلاً من الصباحية، أما المشي في الشوارع فخيار مستبعد تمامًا بسبب المخاوف من الاستهداف العشوائي".

التجربة ذاتها تتكرر مع صفاء عبد الرحمن (42 عامًا)، الشغوفة بالرياضة والحفاظ على الرشاقة؛ فالنزاع كان سببًا في تعطيل نظامها الغذائي المستمر لسنوات، وبعد عام ونصف من المعاناة، كان قرارها بالعودة للأنشطة عبر تولي مهمة جلب الخبز للعائلة كبديل لرياضة المشي.

وتصف عبد الرحمن حالها: "التعب الجسدي ملازم لي أثناء المشي، وصحتي مختلفة تمامًا عن السابق حين كنت أقطع مسافات طويلة وصولاً لشاطئ البحر في السادسة صباحًا، تلك العادة انقطعت، والتنمر هو المواجهة اليومية لي عند أداء أي تمرين في الخيمة أو عند تقليل السكر، مما أضعف حماسي للمواصلة".

الصحافية الرياضية نيلي المصري تؤكد أن المشهد الرياضي النسوي في غزة كان يمر بمرحلة "مأسسة متقدمة" ويشهد ذروة نموه؛ متمثلاً في قفزة هيكلية نوعية واهتمام رسمي من قِبل صناع القرار الرياضي. وتجلّى ذلك في اتساع قاعدة المشاركة النسائية في المسابقات الرسمية والألعاب الجماعية والفردية ككرة القدم، والسلة، والكاراتيه، والتايكوندو، والشطرنج، والتي كانت تُدار ضمن أجندة بطولات معتمدة ومجدولة تحت إشراف الاتحادات الرياضية الوطنية.

وعن النسبة الضئيلة المتبقية من النساء القادرات على الحركة اليوم، توضح المصري: "إن التمثيل النسائي الرياضي انحسر في أضيق حدوده، ليقتصر فقط على قدرة نسوية محدودة جدًا للتردد على النواتئ والمراكز الرياضية الشحيحة التي نجت عفوًا من القصف، في محاولة معزولة للحفاظ على ما تبقى من مكتسبات هذا القطاع".

مختص التغذية هشام حسونة، ومن واقع تجربته وتواصله مع النساء اللواتي يسعين إلى تخفيف الوزن في الوقت الحالي، يقول: "الشكوى الأكثر تكرارًا هي غياب المكان المريح للحركة، فالخصوصية منعدمة، والخيمة ضيقة، والوجبات جماعية ومخالفة للأنظمة المكتوبة، وهذا الغياب للرياضة مؤثر على النتائج لكنه غير ملغٍ لها، فالحركة عامل أساسي لتحسين جودة نزول الوزن، والحفاظ على الكتلة العضلية، وتقليل الترهلات، وتحسين الحالة المزاجية".

أما حول أثر الخيام على زيادة الوزن، يوضح حسونة: "الخيمة ليست سببًا مباشرًا لزيادة الوزن، لكنها بيئة محفزة على الخمول وثبات الوزن، والنتائج المترتبة على ذلك تشمل زيادة دهون البطن، والإمساك، وآلام الظهر والركب، والضعف العضلي، واحتباس السوائل، ومقاومة الإنسولين في بعض الحالات، ومن هنا، الحركة ضرورة لحماية الجسم من الخمول القسري المفروض".

ينصح حسونة المشتركات ببدائل حركية تتناسب مع ضيق المكان، وأبرزها، المشي في المكان، تمارين الوقوف والجلوس باستخدام الكرسي، تمرين الضغط على الجدار، رفع الكعبين ورفع الركبة بالتبادل، تحريك الذراعين وشد البطن مع التنفس، إطالات الرقبة والكتفين والظهر، وتمارين الجلوس المخصصة لمن يعانين من آلام الركب أو ضيق المساحة.

كانت الصالات الرياضية تُشكِّل مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر، وتسبب تدميرها بشكلٍ رئيسي في فقدان أصحابها والعاملين فيها لمصادر رزقهم والتحاقهم بصفوف العاطلين عن العمل، ومن بين هؤلاء المدربة فايزة الهسي، صاحبة نادي "Top Club"، التي فقدت مشروعها الخاص بالكامل.

ما زال القرض المالي الكبير الذي اضطرت إليه الهسي لتغطية تكاليف الإيجار والأجهزة الرياضية عبئًا على كاهلها، حيث العجز عن سداد الأقساط مستمر بعد خسارة النادي، مع متبقٍّ زمني يصل لعامين لإنهاء الالتزام المالي.

تتأمل صور ناديها القديم، وتقول: "إدارتي للنادي وعملي فيه كمدربة كانا مصدر سعادتي رغم الإقبال المتوسط من النساء، فالخدمة لم تقتصر على الرياضة بل شملت الدعم النفسي أيضًا، خسارتي تجاوزت 10 آلاف دولار، والبحث الحالي مستمر عن مكان لإعادة الافتتاح بأبسط الإمكانات، لكن العائق الأكبر هو غياب الأجهزة والمكان المناسب".

من جانبه، يُحلل المختص الاقتصادي عمر صلوحة طبيعة الاختناق التجاري الذي أصاب المنشآت الرياضية المتبقية، مبيناً أن الضرر الشامل لم يتوقف عند هدم الجدران، بل امتد ليعطل الدورة الاقتصادية للقطاع بالكامل؛ نتيجة فقدان الأنظمة الإلكترونية والمعدات الرأسمالية الحيوية، والتوقف التام للإيرادات والتدفقات النقدية الشهرية، مما أدى لتبخر مصادر دخل المستثمرين والعاملين.

ويُردف صلوحة مُفسراً معادلة الارتفاع القسري لأسعار الاشتراكات المتبقية: "إن الانخفاض الحاد في أعداد المشتركين شكّل ضغطاً عكسياً على الصالات الناجية، حيث تزامَن ذلك مع قفزة حادة في تكاليف التشغيل المتصاعدة وصعوبة تأمين الطاقة والموارد؛ الأمر الذي أجبر إدارات النوادي على رفع رسوم الاشتراك لضمان حد الكفاف التَّشغيلي، مما عمّق الفجوة السعرية وأدى في نهاية المطاف إلى شلل تام في حركة السوق الرياضي النسائي".

لم تقتصر التكلفة الباهظة للحرب على تدمير الأصول المادية للمنشآت، بل جردت النساء من كفاءتهن البدنية وصمام أمان رفاهيتهن. ورغم الشلل التجاري للقطاع، تحاول النساء التكيف عبر حلول مجانية بديلة كالمشي في المكان داخل مساحات النزوح؛ في مسعى ذاتي لإنقاذ سلامتهن الجسدية وصيانة طاقاتهن الإنتاجية، بعد أن أعادت الأزمة صياغة أولويات العيش والقدرة على الإنفاق.