في أحد المخازن المزدحمة ووسط إضاءة خافتة في حي الرمال غربي مدينة غزة، يقف أبو محمد مسامح (45 عاماً) بين أكوام عشوائية من القماش. يداه تتحسسان نسيج بنطلون جينز أطفال بحرص بحثا خامة ذات جودة.
لا المواطن مسامح عن أحدث صيحة موضة أو عن قطعة تلفت الانتباه. معاييره اليوم مختلفة جذرياً: المتانة، السعر، وقدرة القطعة على الصمود لأطول فترة ممكنة.
هذا هو عالم "البالة" – الملابس المستعملة – الذي أصبح، تحت وطأة الحرب والدمار الاقتصادي، السوق الرئيسي والأخير لعشرات الآلاف من العائلات الغزية التي تعاني فقراً شديداً.
يقول أبو محمد، وهو أب لثلاثة أطفال، في حديث خاص لمراسلة آخر قصة: "قبل الحرب، كان راتبي بالكاد يكفي. اليوم، هو نفس الراتب، لكن قيمة العملة ليست هي نفسها. لم يعد لدينا ترف الاختيار". يضيف وهو يفحص ثنية في قميص قطني: "الأولويات الآن واضحة وقاسية: الطعام أولاً، ثم محاولة تأمين سقف، ولو مؤقت. الملابس تأتي في ذيل القائمة. ولكن كيف تقنع طفلك الذي لا يملك ما يلبسه للمدرسة بذلك؟".
هذا المشهد يتكرر يومياً في عشرات المحلات المماثلة المنتشرة عبر القطاع المحاصر. حيث تحولت "البالة"، التي كانت ذات يوم خياراً هامشياً لفئة محدودة، إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية شاملة، تعكس عمق الكارثة الإنسانية والتغير الجذري في بنية الإنفاق والتفكير لدى سكان غزة بعد نزاع استمر لأكثر من عامين.

أما أم علي بنات (40 عامًا) الذي دمر الحرب منزلها في أحد أحياء غزة، خرجت مع بناتها الثلاث إلى الشارع، تحمل القليل من المتاع، ومعظم ملابسها لم تعد صالحة، وكانت الحاجة ملحّة لتأمين ملابس أساسية لبناتها أمرًا ضروريًا
تقول وهي تقلب بين أكوام الملابس في أحد محلات البالة " ما كان عندي خيار تاني، كل شي صار مستعجل وغالي، وملابس البالة كانت الحل الأسرع والأوفر من ناحية التكاليف".
داخل المحل، تقف بين صناديق الجينزات والقمصان الصغيرة، تحاول أن تجمع القطع الضرورية قبل أن تغادر، وتوضح السيدة بنات "صرت أحسب كل قطعة، مش بس السعر، لكن كمان كم فترة راح تضل صامدة باللبس".
وتضيف " كل يوم بحس الضغط بيزيد، بس بنفس الوقت لازم أقف قدام البنات وأوفّر لهم اللي بقدر عليه".
أما سها ناجي (27 عامًا) التي تتجول أمام صناديق الملابس داخل محل البالة، تقلّب بين الفساتين بعناية، وتبتسم بخفة عند كل قطعة تجدها مناسبة لفرحها القادم، لتقول " بعد الحرب كل المصاريف صارت محسوبة، وما في مجال أشتري الجديد بأسعار خيالية، البالة بتعطيني فرصة ألاقي شي حلو وبسعر مناسب".
وتضيف ناجي "الحرب غيرت مفهومنا بالحياة، بطلنا ندور على أغلى الفساتين أو الماركات الشهيرة، بل عن قطعة مرتبة وعملية في نفس الوقت، وتكون بسعر مناسب".
ومع الارتفاع الكبير في الأسعار، كانت بسملة قاسم، 25 عامًا، ترفض تمامًا فكرة شراء الملابس من البالة قبل الحرب، وتفضّل دائمًا شراء الجديد حتى لو كان أغلى.
لكن بعد الحرب، توضح تغيّرت نظرتي بالكامل لملابس البالة، اليوم وأنا بلاقي القطعة المناسبة بارتاح، لأنها بسعر مناسب وما في ضغط على عائلتي.
وتقول قاسم بابتسامة "بطلت أخجل، بالعكس، صار طبيعي أختار من البالة، حتى أصدقائي صاروا يشوفوها تريند، مش عيب".
ويدير رامي الكاشف (40 عامًا)، محلًا للبالة وسط مدينة غزة، وقد لاحظ ارتفاعًا كبيرًا في عدد الزبائن خلال الفترة الأخيرة.
يقول الكاشف "قبل الحرب كان بيزور المحل حوالي 30 شخص يوميًا، اليوم صاروا أكثر من 70، والغالبية صاروا شباب بين 18 و25 سنة".
ويوضح "بعد الحرب حوالي 80 % من الناس اللي بيجوا للمحل صاروا يشتروا من البالة، قبل الحرب كان الإقبال أقل بكثير، اليوم كل الناس، صغار وكبار، بيدوروا على حل يخفف عن ميزانيتهم".
وقال " نوعية الزبائن تغيّرت، وأصبح الشاب والشابة، الأسرة والطفل، كلهم يترددون على المحل بحثًا عن قطع عملية وأنيقة في الوقت نفسه".
ويتابع الكاشف "الزبائن صاروا يحسبوا كل شي، السعر،التنسيق، ونوعية القطعة، حتى لو بسيطة، كل قطعة محسوبة".

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن قطاع غزة شهد ارتفاعًا حادًا في الأسعار الاستهلاكية بنسبة 75.59 بالمئة خلال شهر نيسان 2025 مقارنة بآذار، في ظل استئناف الحرب وإغلاق المعابر التجارية للشهر الثاني على التوالي.
ووفق الإحصاء فإن الأسعار في غزة ارتفعت بنسبة 91.61 بالمئة مقارنة بنيسان 2024، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر، وحوّل كثيرًا من الاحتياجات، ومنها الملابس، إلى كماليات يصعب توفيرها.
هذا الارتفاع غير المسبوق في كلفة المعيشة، إلى جانب فقدان الدخل ونقص المعروض من السلع، دفع شريحة واسعة من الغزيين إلى الاعتماد على الملابس المستعملة، البالة، كخيار اقتصادي لتأمين احتياجات أساسية في ظل واقع معيشي خانق.
اقتصاديًا، يرى أحمد أبو قمر أن الأولويات المعيشية في قطاع غزة تغيّرت بشكل جذري بعد الحرب، حيث بات الإنفاق يتركز على المسكن والغذاء في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار وتدهور الظروف الاقتصادية.
ويوضح أن الإقبال المتزايد على ملابس البالة يعود من جهة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الملابس الجديدة، ومن جهة أخرى إلى عدم قدرة غالبية الأسر على الشراء، ما جعل الملابس المستعملة سلعة بديلة تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.
ويشير أبو قمر إلى أن هذا التوجه يُعد مؤشرًا على تدني الحالة الاقتصادية، وجزءًا من آليات التكيّف الاقتصادي مع الأزمات، لكنه في الوقت ذاته يحمل دلالة سلبية على واقع السوق، خاصة مع قلة إدخال الملابس إلى القطاع مقارنة بما قبل الحرب، وازدياد الطلب عليها في ظل ندرتها.
إلى جانب البعد الاقتصادي، تكشف القصص عن تحوّل اجتماعي لافت في نظرة الغزيين إلى ملابس البالة، ما كان يُنظر إليه سابقًا كخيار اضطراري أو مرتبط بالفقر، بات اليوم ممارسة طبيعية، بل ومقبولة اجتماعيًا، في ظل الحرب والفقد الجماعي، لم تعد البالة مرتبطة بالخجل، بل بالنجاة، وإعادة بناء الحياة بأدوات أقل كلفة وأكثر واقعية.
في غزة، لم تعد الملابس المستعملة تفصيلًا هامشيًا في حياة الناس، بل انعكاسًا لتحوّل أعمق فرضته الحرب بين فقدان البيوت، وارتفاع الأسعار، وضيق الخيارات، في مدينة تحاول ترميم حياتها بما هو متاح، تصبح القطعة المستعملة شهادة على محاولة عيش جديدة أقل كلفة وأكثر واقعية.