في غزة، لا تتوقف آثار الحرب عند حدود الخسائر البشرية وركام المباني. ثمة طبقة أعمق وأقلّ ظهورًا تتشكل بصمت تتمثل في بيئةٍ منهكة ومناخ يتدهور. على امتداد شهور طويلة من القصف والانفجارات المكثفة خلال عامي الحرب على القطاع، تتصاعد في الهواء غازات سامة ناتجة عن احتراق الصواريخ والمواد المتفجرة، بعضها يحمل مركبات كيميائية خطرة تمسّ جودة الهواء مباشرة.
وفق تقرير للأمم المتحدة، يُقدّر الحجم الإجمالي للذخائر المستخدمة في القصف بما يقارب 200,000 طن متفجرات منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023 حتى عام 2025، أي ما يعادل طاقة تفجير كبيرة جدًا مقارنة بعمليات تاريخية كبرى.
ومع كل جولة قصف، تزداد هشاشة البيئة وتتراجع قدرتها على التعافي، فيما تتضخم البصمة الكربونية، أي كمية الغازات التي تحبس الحرارة في الغلاف الجوي وتساهم في الاحتباس الحراري، إلى مستويات غير مسبوقة، ما يزيد من تغير المناخ ويؤثر طويلًا على النظام البيئي.

تُعرَّف البصمة الكربونية بأنها مقياس لكمية غازات الدفيئة، وفي مقدمتها ثاني أكسيد الكربون، الناتجة عن الأنشطة البشرية. غير أن هذا المفهوم في سياق الحرب يتجاوز أنماط الإنتاج والاستهلاك المعتادة، إذ تولّد العمليات العسكرية انبعاثات لا تخضع لأي رقابة بيئية، ما يفاقم حجم الضرر ويجعل تتبّعه أكثر تعقيدًا.
وعلى المدى البعيد، تسهم هذه الانبعاثات في تسريع وتيرة التغير المناخي والاحتباس الحراري، مع تسرب كميات هائلة من الغازات إلى الغلاف الجوي، وتلوّث التربة والمياه، وما يترتب على ذلك من آثار مباشرة على الإنسان والحيوان والنبات. هكذا، تتجاوز الحرب في غزة بعدها الإنساني لتغدو أزمة بيئية ممتدة تضيف عبئًا جديدًا إلى كاهل المناخ عالميًا.
تتجلى هذه الكلفة بوضوح في أجساد الفئات الأضعف، فيصبح الجهاز التنفسي خط الدفاع الأول في مواجهة الهواء الملوث. براء زقوت، طفل في التاسعة من عمره، واحد من أولئك الذين يدفعون الثمن يوميًا. رائحة الركام التي تملأ المكان، والغبار الذي لا يهدأ، تحولا إلى جزء من حياته.
تقول والدته، وهي تمرر يدها على شعره: "خلال الحرب كان ابني يمرض باستمرار. التهابات صدرية لا تنتهي، ومناعته ضعيفة. تناول أدوية لا تُعطى عادة لطفل في عمره، ومع ذلك لا تختفي الأعراض. بالكاد يتعافى حتى تبدأ نوبة جديدة".
وتضيف: "أخبرني الطبيب أن لديه أعراض ربو، فاستغربت لأنه لم يُصاب أحدٌ من عائلتنا به من قبل؛ لكنه أكد أن السبب هو التعرض المستمر للروائح السامة، والآن، مجرد غبار خفيف أو جلوسه بجانبي أثناء الطهي على الحطب كفيل بتدهور حالته".

على بُعد مئات أمتار، يواجه إسماعيل خليل، وهو رجل ستيني، واقعًا مشابهًا. لم يعرف في حياته أمراض الحساسية أو مشكلات التنفس، لكن الحرب غيّرت ذلك. يقول متكئًا على عكازه: "أحاول تجنب الهواء الملوث، لكن كيف؟ دخان الحطب يملأ المكان يوميًا، والركام يحيط بي من كل جانب. لم أعانِ يومًا مما أعانيه الآن. قرأت عن حجم الغازات التي انبعثت خلال الحرب، وصُدمت من الأرقام".
تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الحرب على غزة تسببت في انبعاث نحو 33 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل الانبعاثات السنوية لنحو 7.6 مليون سيارة تعمل بالبنزين. هذه الكمية تتجاوز ما تنتجه دول بأكملها خلال عام واحد.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. إذ تشير تقديرات أخرى إلى أن إعادة إعمار الدمار الهائل، بناء ما يقارب 200 ألف مبنى، قد تنتج نحو 60 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يوازي الانبعاثات السنوية لدول صناعية بأكملها، بل ويتجاوزها في بعض الحالات.

هذه الانعكاسات البيئية تجد طريقها سريعًا إلى الصحة العامة. يوضح طبيب الأمراض الصدرية أحمد الربيعي أنه يلاحظ ارتفاعًا لافتًا في أمراض الجهاز التنفسي في قطاع غزة، من الربو والتهاب الشعب الهوائية إلى حالات أكثر تعقيدًا مثل تجمع السوائل حول الرئة.
ويضيف الربيعي: "هذه الحالات لم تكن بهذا الانتشار سابقًا. التعرض المستمر للانفجارات، والغبار، وحرق الحطب والبلاستيك، والرماد الناتج عن الركام، كلها عوامل أدت إلى تفاقم الأمراض".
ويحذر من أنّ التعرض المزمن لهذه الملوثات قد يقود إلى أمراض خطيرة، مثل التليف الرئوي والفشل التنفسي، مشيرًا إلى أن استنشاق غبار الإسمنت قد يسبب أمراضًا مهنية تنتهي بمضاعفات حادة. وعلى المدى البعيد، يتوقع زيادة في معدلات سرطان الرئة والأمراض التنفسية المزمنة، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
بيئيًا، تتجاوز المشكلة حدود الانبعاثات المباشرة. يوضح المختص البيئي نزار الوحيدي أن الحروب لا تنتج فقط كميات ضخمة من غازات الدفيئة، بل تدمر أيضًا الأنظمة الطبيعية التي تمتص هذه الغازات، مثل الأشجار والمساحات الخضراء.
يقول: "ما تنتجه الحروب من انبعاثات يفوق بكثير النشاط البشري الاعتيادي. الطائرات الحربية تستهلك كميات هائلة من الوقود، واحتراقه يتم دون ضوابط، ما يطلق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون. في الوقت نفسه، تُدمّر الأشجار التي تُعد خط الدفاع الطبيعي ضد هذه الانبعاثات".
ويفيد بأنّ تزايد تركيز الكربون في الغلاف الجوي يؤثر على كامل المنظومة البيئية، من الكائنات الحية إلى الأنماط المناخية، ما يسرّع من مظاهر التغير المناخي، كارتفاع درجات الحرارة واختلال التوازن البيئي.
في المحصلة، لا تبدو الحرب مجرد حدث عابر في الزمن، بل قوة ممتدة تعيد تشكيل البيئة وصحة الإنسان معًا. ومع تزايد تراكم الغازات الضارة في الغلاف الجوي، تتسع دائرة التأثير لتشمل تفاصيل الحياة اليومية، من هواء يُستنشق إلى أمراض تتفاقم.
ما يحدث في غزة يتجاوز كونه دمارًا لحظيًا؛ إنه إرث مناخي ثقيل يتشكل بصمت، وسيستمر تأثيره طويلًا بعد توقف القصف.