يمسك المزارع نائل معروف شتلة بندورة بين يديه. يتأملها كيف تبدو منهكة، أوراق مثقوبة ومصفرة. يمرر أصابعه عليها بحذر، كأنه يودّعها قبل أن يرميها جانبًا. ثم يرفع نظره إلى الشتلات المتراصة، يقرأ عليها علامات الخطر قبل أن تظهر بوضوح. يقف حائرًا، يمسح عرقه المتصبب من جبينه، ويفكر كيف ستهجم الحشرات على محصوله في المساحة المحدودة كلما ارتفعت درجة الحرارة.

قرر معروف أن يكون "حارسًا" لشتلات البندورة والباذنجان التي تهاجمها الآفات مع ارتفاع الحرارة. جلب صابونة لغسيل الأواني، أذابها في ماءٍ وسكر، ورشّ الخليط على النباتات، في محاولة لحمايتها من الحشرات التي تتكاثر في الحر.

يقول وهو يمسك إناءً صغيرًا لخليط يصفه بـ "السحري": "توقفت عن العمل في المجال الزراعي لأنني فقدت كل أراضي في شمال قطاع غزة. عدت جزئيًا للزراعة للاستخدام العائلي وللمقربين ببعض الأصناف، لكن مع ارتفاع الحرارة تزيد الحشرات كالمن والذبابة البيضاء التي تقزم النبات".

يتابع: "إذا دخلت الحشرة للنبات لا يوجد حل سوى خلعه من الجذور. لذلك أحاول ألا أخسر نباتاتي وأرش المبيد الذي صنعته بيدي. قبل الحرب كان التعامل مع الحشرات أفضل في ظل وجود المبيد الحشري القوي".

مع ارتفاع درجات الحرارة، تتغير البيئة الزراعية المُنهكة أصلًا. تسرّع الحرارة العالية دورة حياة الحشرات وتزيد انتشارها، فيما يتعرض النبات لإجهاد حراري يضعف قدرته على المقاومة، فيصبح أكثر هشاشة أمام الهجمات الحشرية. ومع شح المبيدات، تتفاقم الخسائر، ويجد المزارع نفسه بين حرارة مرتفعة وآفات تتكاثر بلا توقف، في ظل غياب وسائل فعالة للحد منها.

المزارع نادر الشافعي كان يملك قطعة أرض زراعية فقدها في الحرب، وحاول لاحقًا زراعة مساحة صغيرة، لكن المعيقات حالت دون استمراره.

يروي: "في ظل ارتفاع حرارة الجو يكثر على الباذنجان حشرة الفاش، أما البندورة فتتهاجمها الحشرة البيضاء، والدودة الخيطية تهاجم محاصيل الحمضيات، إضافة لحشرة المن التي تمتص عصارة الأوراق".

يردف: "هذه الآفات تسبب تجعد الأوراق والتفافها وتترك ثقوبًا فيها. كنت أعاني منها خلال فترة عودتي للزراعة، خصوصًا مع شح المبيدات وغلاء الموجود منها، لكني الآن تركت الزراعة لحين تحسن الوضع".

في ظل غياب الوقاية المنتظمة كما كان قبل الحرب، بات المزارع يضطر للمكافحة بعد انتشار الحشرة، وهو ما يعني كلفة أعلى وفعالية أقل. ومع غلاء كيس السماد إلى أسعار مضاعفة وارتفاع أسعار الأدوية الزراعية، أصبحت الزراعة تعتمد أكثر على التكيف ومحاولة الحد من الخسائر بدل الوقاية الكاملة.

تشير تقديرات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى تضرر أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في غزة، مع بقاء نحو 4.6% فقط قابلة للزراعة فعليًا. وترافق ذلك مع تراجع كبير في توفر المدخلات الزراعية، بما فيها المبيدات والأسمدة، بنسبة تُقدَّر بأكثر من 70% نتيجة انهيار سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعارها إلى مستويات مضاعفة. هذا الواقع حدّ من قدرة المزارعين على تنفيذ مكافحة وقائية منتظمة، ودفعهم للاعتماد على حلول محدودة التأثير أو تدخلات متأخرة بعد تفشي الآفات.

في السياق، يوضح المختص البيئي نزار الوحيدي أنّ أزمة الحشرات الزراعية في غزة لم تعد مجرد نتيجة طبيعية لارتفاع درجات الحرارة، ويقول: "باتت تعبيرًا مركبًا عن تداخل تغير المناخ مع تأثيرات الحرب المستمرة على البيئة والبنية الزراعية. هذا التداخل خلق واقعًا بيئيًا هشًا تتسارع فيه وتيرة تدهور المحاصيل والتربة، في ظل محدودية القدرة على المواجهة".

ويؤكد أن انكشاف التربة وتراجع التنوع الحيوي للكائنات الدقيقة يتيحان مساحة أكبر لآفات مثل المن والذبابة البيضاء للتغلغل داخل النبات وإتلاف المحاصيل. ويضيف أن النباتات تعاني من أزمات متزامنة: ارتفاع الحرارة، تدهور التربة، ملوحة المياه، وهجمات الحشرات، ما يضعف بنيتها ويزيد احتمالات إصابتها بالأمراض.

في المقابل، يقول المتحدث باسم وزارة الزراعة في قطاع غزة محمد أبو عودة: "مع ارتفاع درجات الحرارة تزيد حشرة المن، وهي من أكثر الحشرات ضررًا. تتغذى على عصارة النبات عبر امتصاصها من الأوراق، ما يضعف النبات تدريجيًا. كما تفرز مادة لزجة تُعرف بالندوة العسلية، تجذب النمل وتساعد على نمو الفطريات السوداء، مما يعيق عملية البناء الضوئي".

ويضيف أن الخنافس والبق الدقيقي تهاجم النبات أيضًا، ومع غياب وسائل المعالجة تتفاقم المشكلة. هذه الحشرات تُحدث أنفاقًا داخل الأوراق فتبدو كخرائط بين طبقتيها. كما أن حشرة (الستبس) تتسبب في التفاف الأوراق وتجعدها، فتفقد وظيفتها الأساسية باعتبارها "مطبخ النبات" المسؤول عن البناء الضوئي.

ويشير إلى أنه يمكن حماية المحاصيل بطرق المكافحة التقليدية: إزالة الأوراق المصابة أولًا بأول، واستخدام نباتات طاردة مثل الثوم، أو زراعته كمصائد نباتية بعيدًا عن المحصول الأساسي، إضافة إلى محاليل طبيعية مثل الفلفل الحار أو الأسود تُرش على النباتات وتُظهر فعالية في الحد من انتشار الحشرات.

ويؤكد أبو عودة أن جهود المكافحة الرسمية تواجه تحديات مرتبطة بشح الإمكانات وصعوبة توفير المبيدات والمواد الزراعية، ما يحدّ من قدرة الطواقم على تنفيذ برامج وقاية ومتابعة دورية كما كان معمولًا به قبل الحرب.

في ظل هذا الواقع المعقد، ومع ارتفاع درجات الحرارة، صارت أزمات الزراعة مركبة ومتشابكة. لم يعد العمل الزراعي مجرد وسيلة للرزق أو لتوفير الغذاء، بل تحدٍ يومي يخوضه مزارعون يفتقرون للإمكانات، بين حرارة تزداد إرهاقًا للإنسان والنبات، وآفات تتكاثر بلا رادع، لا تُواجه سوى بمبيدات مغشوشة أو وسائل مبتكرة محدودة. ومع ذلك، يحاول المزارعون التكيف، ومحاربة الآفات بأبسط الوسائل الممكنة.