تحت أشعة الشمس الحارقة، حيث تلامس درجات الحرارة أربعين درجة مئوية، لا يبحث سكان غزة عن وظيفة أو دواء أو مأوى آمناً فقط – بل يبحثون عن نقطة ماء واحدة تنقذهم من الموت البطيء.

في مخيم النصيرات، وسط القطاع، تقف رواء جودة على عتبة منزلها المتواضع، تراقب زوجها يعود بأنفاس متقطعة. في يديه "جالونان" فقط من الماء؛ حصيلة رحلة بحث شاقة قادته إلى بئر صغيرة في منزل أحد الجيران. في حيّهم المعروف بمنطقة "الحساينة" غرب المخيم، لا تصل خدمات شبكة المياه أصلاً. ومع تشديد القيود الإسرائيلية التي تمنع إدخال الزيوت والمستلزمات الضرورية لتشغيل المولدات، عُزلت المنطقة تماماً حتى عن مصادر المياه البعيدة.

رواء ليست وحدها. فاليوم، وبعد 20 شهراً من الحرب الإسرائيلية المدمرة، يقف أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة على حافة كارثة مائية مطلقة. وإذا نفد ما تبقى من وقود وزيوت للمولدات خلال الأيام القليلة المقبلة، كما يحذر مسؤولون محليون ودوليون، فإن آخر 22 بئراً لا تزال تعمل جزئياً من أصل 284 بئراً كانت تغذي القطاع، ستتوقف تماماً. هذا يعني، ببساطة، الموت عطشاً لجيل كامل.

"القطرة تحسم البقاء": إعادة توزيع ديموغرافي قسري

ما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً هو الانهيار الكامل للخريطة السكانية التقليدية لغزة. فبعد أن دمرت إسرائيل، وفق تقديرات الأمم المتحدة، أكثر من 70% من المنازل والبنية التحتية في شمال غزة وغرب مدينة غزة، لم يعد السكان موزعين كما كانوا. بدلاً من ذلك، يتكدس الآن نحو 1.5 مليون نازح في ثلاث جيوب رئيسية فقط، هي:

منطقة المواصي غرب خانيونس (جنوباً): وهي المنطقة الأكثر ازدحاماً، حيث يتكدس أكثر من 900 ألف نازح في شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز 25 كيلومتراً مربعاً. كانت هذه المنطقة في السابق أرضاً زراعية فقيرة، واليوم تحولت إلى أكبر مخيم عشوائي في العالم، حيث تعيش عائلة من 8 أفراد في خيمة مساحتها 16 متراً مربعاً، دون أي شبكة صرف صحي أو مياه.

المحافظة الوسطى (مخيمات النصيرات، البريج، والمغازي): تستضيف هذه المنطقة حوالي 400 ألف نازح إضافة إلى سكانها الأصليين، معظمهم يتجمعون في المناطق الشرقية والغربية التي كانت تعاني أصلاً من ضعف شبكات المياه.

مدينة غزة وأطرافها الشمالية (الشجاعية، جباليا، بيت لاهيا): رغم الدمار الهائل، لا يزال نحو 300 ألف شخص يقيمون فوق ركام مساكنهم ، ويعتمدون على آبار قليلة لم تُقصف بالكامل، لكنها مهددة بالتوقف يوماً بعد يوم.

هذا التكدس الهائل يحول أي خلل في أي بئر إلى كارثة فورية. ففي المواصي مثلاً، حيث الكثافة السكانية تجاوزت 36 ألف شخص لكل كيلومتر مربع (مقارنة بـ 5 آلاف قبل الحرب)، فإن أي انقطاع للمياه لساعات يعني انتشار الأمراض الجلدية والجفاف بين الأطفال في غضون يومين فقط.

تفاصيل الانهيار: آبار النصيرات نموذجاً

قبل أيام قليلة، توقفت ستة آبار مياه عن العمل بشكل كامل من أصل 32 بئراً تغذي مخيم النصيرات. أما الآبار المتبقية فتعيش أنفاسها الأخيرة. يقول نبيل الصالحي، رئيس بلدية النصيرات، لمراسلة "آخر قصة": "مع منع دخول الإمدادات التشغيلية الأساسية، استُنزف المخزون المتوفر لدينا، والمولدات تعمل بدون زيوت، وهذا أشبه بقيادة سيارة بدون زيت المحرك – النتيجة حتمية، احتراق وتوقف". 

في منطقة "المفتي" شرق النصيرات، تروي ندى كرم (أم لستة أطفال) كيف تحولت حياتهم إلى ميزانية محاسبية للماء: "المياه تصل يومين فقط في الأسبوع، ونخزن 500 لتر في برميل. هذا لا يكفي حتى للاستحمام. نرسل الملابس إلى المغاسل الخارجية التي تستنزف ميزانيتنا، وعندما ينقطع التيار الكهربائي (من المولدات المشتركة) لا نستطيع تشغيل المضخة، فنظل عطشى". تضيف بمرارة: "انقطاع الماء في الصيف هو الجحيم عينه. ابني الصغير يعاني من طفح جلدي لأننا لا نستطيع تحميمه يومياً."

أما عامر أحمد، الذي يقف في طابور طويل أمام شاحنة مياه في منطقة "معلا"، فيقول إن أزمة المياه دمرت علاقته بعائلته: "أغلب مشاكلي مع زوجتي الآن بسبب الماء. أتهمها بالإسراف، وهي تدافع عن نفسها. تحولت إلى مراقب لجدول استحمام الأطفال، وأدقّق في كمية الماء المستخدمة لغسل الأطباق. لقد بات انتهاء الماء من البيت هو أكثر ما يرفع ضغطي".

الجنوب ينهار: المواصي على شفير الوباء

في مواصي خانيونس، حيث تتطاير الرمال على الخيام الممزقة، المشهد أكثر قتامة. هناك، يقول أبو محمد الكفارنة، المسؤول عن محطة المياه في مركز إيواء جامعة الأقصى، إن المولدات تعمل حالياً 4 ساعات فقط يومياً بدلاً من 8، بسبب نقص الزيوت. "نحاول تبريد المولدات يدوياً بالماء العادي حتى لا تحترق. هذا حل يائس. إذا توقفت الآبار تماماً، فـ 30 ألف نازح في هذه المنطقة فقط سيكونون بدون نقطة ماء واحدة."

هذا الوضع أدى إلى كارثة صحية ثانوية. يقول النازح محمد المصري، الذي هُجّر من بيت حانون شمالاً إلى خيمة في المواصي: "المياه تصلنا مرة كل أربعة أيام. أطفالي أصيبوا بالجرب والطفح الجلدي بسبب نقص النظافة. تراكم النفايات والقوارض والحشرات يحيط بنا من كل مكان. نعيش وسط البعوض والبراغيث، وكأننا في مكب نفايات بشري."

ويؤكد صائب اللقان، مسؤول الإعلام في بلدية خانيونس، في تصريح صحفي الأرقام، إذ يقول: "قبل الحرب، كان لدينا 37 بئراً في المدينة. الآن، دُمر 26 منها بالكامل (أكثر من 70%). أضف إلى ذلك تدمير 220 كيلومتراً من شبكات الأنابيب. نحن الآن نخدم 900 ألف نازح بنفس القدرة التي كنا نخدم بها 200 ألف نسمة قبل الحرب. إنها معادلة مستحيلة."

على نطاق أوسع، فإن الأرقام التي حصلت عليها "آخر قصة" من مصادر بلدية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) ترسم صورة الكارثة المائية بدقة: حيث دمر 262 بئراً، من أصل 284 بئراً للمياه كانت تغذي القطاع بالكامل.

والمتبقي الآن (22 بئراً) يعمل بقدرات أقل من 20% من طاقته الأصلية بسبب نقص الصيانة والزيوت.

في محاولة يائسة لسد العجز، اضطرت بلدية غزة إلى إعادة تشغيل 16 بئراً مهجورة منذ سنوات بسبب ملوحتها العالية وغير الصالحة للشرب البشري – فقط لمنع الناس من الموت عطشاً.

الكمية المتاحة للفرد يومياً الآن هي أقل من 3 لترات (للاستخدام المنزلي والشرب والطبخ)، بينما حددت منظمة الصحة العالمية الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة بـ 15 لتراً، والحد الأدنى للاستخدام الكريم بـ 100 لتر.

مع قدوم فصل الصيف، الذي تصل فيه الحرارة إلى 40 درجة مئوية، تتفاقم المعاناة. الأطفال يصابون بالجفاف، وكبار السن يعانون من أمراض الكلى بسبب شرب المياه المالحة أو الملوثة، والنساء يحرمَّن من أبسط حقوق النظافة الشخصية.

في مؤتمر صحفي عاجل، حذرت وكالات الأمم المتحدة من أن وقف إدخال الزيوت والمحروقات وقطع الغيار إلى غزة يحول أزمة المياه إلى سلاح حرب فعال. يقول نبيل الصالحي، رئيس بلدية النصيرات، إن "الآبار الـ 26 المتبقية تعمل بساعات محدودة جداً، وتخدم 300 ألف مواطن ونازح. إذا لم يصل الوقود خلال 72 ساعة، ستتوقف كل الآبار. هذا يعني أن عائلة كاملة ستبحث عن كأس ماء واحد كما تبحث عن لقمة الخبز."

رواء جودة، التي أنهت حديثها معنا وهي تمسك بوعاء بلاستيكي لغسل ملابس تراكمت لثلاثة أيام، تختصر حلم كل غزي الآن: "لست أطلب بيتاً أو مالاً. فقط أريد أن أفتح الصنبور وأرى قطرات ماء نظيف. هل هذا كثير في عالم يعتبر نفسه متحضراً؟ منذ ثلاث سنوات لم أشعر بالراحة في استخدام المياه. والآن، الأمل يتلاشى مع كل قطرة تتبخر تحت هذه الشمس."