داخل مركز إيواء غرب مدينة غزة، حيث تتزاحم الخيام المؤقتة وتتشابك الأصوات التي لا تهدأ، تجلس أسماء أبو جهل (25 عامًا) على طرف فرشة بسيطة، بمحاذاة جدار إسمنتي بارد. لا يبدو هذا اليوم مختلفًا كثيرًا عن سابقه، سوى أن مجموعة جديدة وصلت إلى المكان؛ دفتر صغير، كاميرا، وأسئلة تبدأ من جديد: "كم شخصًا في العائلة؟"، "هل لديكم احتياجات عاجلة؟"، "هل تم تسجيلكم من قبل؟".

تقول بصوت هادئ يختصر إرهاق مئات المرات من الإجابات المكررة: "كثرة الأسئلة دون أن نرى نتيجة واضحة ترهقنا، واشتراطهم تصويرنا يجعلنا نشعر وكأننا أصبحنا وسيلة لجلب التمويل. نكرر الحديث ذاته في كل مرة، حتى باتت حياتنا أشبه باستمارة".

وتتوقف قليلًا قبل أن تضيف: “كل جهة تأتي تعيد طرح الأسئلة نفسها، ويتم توثيقنا من جديد، لكننا لا نعرف إلى أين تذهب هذه المعلومات، ولا ما الذي يتغير بناءً عليها”.

في مراكز الإيواء بقطاع غزة، لا يقتصر حضور المؤسسات الإنسانية على توزيع المساعدات، بل يسبقه مشهد متكرر من التوثيق وجمع البيانات. فرق ميدانية تصل يوميًا حاملة دفاتر وكاميرات واستبيانات طويلة، فيما يجد النازحون أنفسهم مطالبين بسرد تفاصيل حياتهم القاسية مرة بعد أخرى. 

وبين الحاجة لتنظيم الاستجابة الإنسانية، واستمرار شعور النازحين بتكرار التوثيق من جهات متعددة رغم وجود منظومة تسجيل مركزية معتمدة، يتحول جمع البيانات في كثير من الأحيان إلى عبء نفسي واجتماعي يرهق الناس، ويثير تساؤلات حول جدوى هذه البيانات إذا لم تنعكس على حياتهم بتحسن ملموس.

في ساحة مدرسة مكتظة بالخيام تحولت لمركز إيواء، يقف الحاج أيمن سلامة (60 عامًا) محاولًا تثبيت قطعة قماش مهترئة فوق هيكل خيمته التي أنهكها الشتاء. في تلك اللحظة، كان أحد المصورين يحاول التقاط صورة لطفل يلعب في الطين، باحثًا عن مشهد أكثر تأثيرًا.

يتقدم الحاج سلامة بخطوات بطيئة لكنها حاسمة، ويقف بين الكاميرا والطفل. لا يرفع صوته، بل يكتفي بإشارة واضحة بيده، كأنه يضع حدًا غير قابل للتفاوض. يقول بنبرة مباشرة لا تخلو من غضبٍ مكتوم: "صوّرتمونا في الشتاء ونحن نغرق، ولم نرَ شيئًا… ماذا بعد؟ الصور التي التقطتموها لنا العام الماضي، هل جلبت خيمة واحدة جديدة؟ هل خففت من طوابير المياه؟".

ويضيف، وهو يعيد تثبيت طرف الخيمة: "اسمي مسجّل منذ أشهر، وحالتي معروفة. إذا لم يكن لديكم شيء جديد، فلا حاجة لإعادة الأسئلة نفسها. ما نحتاجه ليس مزيدًا من التوثيق، بل تغييرًا حقيقيًا".

في المكان ذاته، داخل أحد الصفوف الدراسية التي تحولت إلى مأوى مؤقت، تجلس مريم خليل (32 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال، تحاول ترتيب ما تبقى من أغراضها بعد رحلة نزوح طويلة.

لا تكاد تنتهي من ترتيب مكانها حتى يُطلب منها التوجه إلى زاوية الغرفة للحديث مع فريق جديد، هذه المرة ليس للتصوير، بل لملء استبيان مفصل.

تجلس مريم وهي تحمل طفلها الصغير، وتبدأ بالإجابة: عدد أفراد الأسرة، الوضع الصحي، مصدر الدخل، الاحتياجات… قائمة طويلة من الأسئلة التي تحفظها تقريبًا عن ظهر قلب.

تقول بنبرة يغلب عليها الإرهاق: "نقضي وقتًا طويلًا في الإجابة على الاستبيانات، أحيانًا أكثر من الوقت الذي نحصل فيه على خدمة فعلية".

وتضيف خليل: "في كل مرة يُقال لنا إن هذه المعلومات ستُستخدم لتحسين الوضع، لكننا لا نرى فرقًا واضحًا. نُسأل عن الاحتياجات نفسها، ونجيب بالإجابات نفسها".

وبينما ينشغل العالم بالأرقام الواردة في التقارير النهائية، تجلس موظفة في إحدى المؤسسات المدنية العاملة في قطاع غزة -رفضت الكشف عن اسمها- في زاوية ضيقة داخل مركز إيواء، تحاول تفريغ بيانات جمعتها طوال اليوم من أوراق مبعثرة إلى جهاز لوحي قبل انتهاء دوامها.

تقول: "لست غريبة عن هذا المكان؛ أنا ابنة هذه المدينة، وأشارك النازحين الظروف ذاتها، لكن دوري يضعني في موقع مختلف؛ أجمع البيانات، وأطرح الأسئلة، وأمضي".

وتضيف أن أصعب لحظة هي حين يسألها أحدهم: هل سأحصل على المساعدة غدًا؟ بينما هي تعرف أن دورها ينتهي عند تسليم البيانات للمكتب. تتابع: "أشعر أحيانًا أنني أقدّم وعودًا لا أملكها… وأتمنى لو أستطيع أن أترك الجهاز وأبتعد عن هذه الأسئلة".

خلف هذه المعاناة الفردية، تبرز لغة الأرقام التي لا تقل قسوة؛ إذ تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)  إلى أن نحو 1.7 مليون فلسطيني، أي ما يقارب 75% من سكان القطاع، يعيشون في حالة نزوح مستمر.

وفي ظل هذا الانتشار الواسع عبر مراكز الإيواء الرسمية وغير الرسمية، يغدو التوثيق أداة رئيسية لضبط الاحتياج، لكنه في كثير من الأحيان يتحول إلى عملية متكررة تُثقل كاهل النازحين، دون أن تقابلها استجابة مكافئة، لتتسع الفجوة بين البيانات الموثقة والاستجابة الفعلية يومًا بعد يوم.

من جانبها، تؤكد مدير دائرة العلاقات العامة والإعلام رجاء العابد في وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أن الوزارة تعتمد منظومة تسجيل مركزية رسمية للنازحين والمتضررين، وليست مجرد استمارة كما قد يُفهم، موضحة أن التسجيل الذاتي أُطلق بهدف استيعاب أكبر عدد ممكن من بيانات النازحين، وقد تجاوز عدد المسجلين 340 ألف أسرة.

وتشير العابد في حديثٍ لـ "آخر قصة" إلى أن هذه البيانات تشكل قاعدة معلوماتية أولية مشتركة مع المؤسسات الإنسانية والشركاء، وتخضع لعمليات تدقيق ميداني واتفاقيات ثنائية مع الجهات العاملة، كما تعمل الوزارة بتكليف مباشر من مجلس الوزراء على بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة وتطوير بوابة موحدة للخدمات والمساعدات الاجتماعية.

وتوضح أن الجمعيات والمؤسسات العاملة داخل مراكز الإيواء تخضع لاشتراطات تسجيل ورقابة رسمية، سواء كانت محلية أو أجنبية، إلا أن الظروف الاستثنائية التي يمر بها قطاع غزة أضعفت في بعض الأحيان القدرة المؤسسية على الإشراف الكامل والمتابعة الميدانية الدقيقة.

كما تشدد على أن كرامة المستفيدين وخصوصيتهم تحكمها معايير ومبادئ العمل الإنساني، وأن تكرار التصوير أو إعادة طرح الأسئلة دون مخرجات ملموسة يُعد انتهاكًا لهذه المعايير، مؤكدة أنها لا تتهاون في مواجهة ذلك ضمن حدود صلاحياتها الرقابية.

قانونيًا، يوضح المحامي منذر الفراني أن كرامة النازح حق أصيل كفلته اتفاقية جنيف الرابعة، ولا يجوز استباحتها تحت ذريعة الإغاثة، مؤكدًا أن المعايير الدولية تفرض مبدأ الضرورة والتناسب، بحيث يُجمع الحد الأدنى من البيانات فقط، وبموافقة حرة ومستنيرة لا تُجبر النازح على المقايضة بخصوصيته مقابل حاجته.

ويعتبر أن تكرار الاستجواب من جهات متعددة رغم اعتماد الوزارة قاعدة بيانات مركزية للمستفيدين يمثل مخالفة لمبدأ عدم إلحاق الضرر، محذرًا من تحول التوثيق إلى "عبء إضافي" يجعل من الإنسان مجرد رقم لخدمة التقارير بدلًا من الاستجابة لاحتياجاته.

من جانبها، تشير المختصة الاجتماعية والنفسية أنوار أبو زايدة إلى أن تكرار عمليات التوثيق داخل مراكز الإيواء لا يترك أثرًا إداريًا فقط، بل يمتد ليشكل عبئًا نفسيًا متزايدًا على النازحين، خاصة مع اضطرارهم لإعادة سرد تجاربهم الصعبة مرارًا.

وتوضح أن هذا التكرار قد يؤدي إلى ما يُعرف بإعادة تنشيط الصدمة، حيث يُطلب من الأفراد استحضار تفاصيل مؤلمة بشكل متكرر دون أن يقترن ذلك بتحسن ملموس، ما يعزز مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.

وتضيف أن غياب التوازن بين جمع البيانات وتقديم الاستجابة الفعلية قد يدفع بعض النازحين إلى الشعور بأنهم مجرد حالات ضمن تقارير، وليسوا أفرادًا تُحترم احتياجاتهم وخصوصيتهم.

في مراكز الإيواء اليوم، لم تعد القضية تبدأ بسؤال: "كم نازحًا سُجّل؟"، بل بسؤال أكثر إلحاحًا: هل يظل جمع البيانات غاية بحد ذاته، أم يتحول فعلًا إلى استجابة تُغيّر حياة الناس؟

وبين جهود رسمية تقول إنها تعمل على توحيد البيانات وضبط الاستجابة، وواقع ميداني ما يزال يفرض على النازحين تكرار السرد والانتظار، يبقى السؤال قائمًا: متى تتحول البيانات فعلًا إلى استجابة تُشعر الناس بأنهم مرئيون لا مجرد أرقام؟