تختنق رهام شهوان بدموعها كل مساء، منذ أن دمّر القصف منزلها وسحق معه كرسيها الكهربائي، وسيلتها الوحيدة للحركة. لم يكن الكرسي مجرد أداة، بل نافذتها إلى الحياة، ومع غيابه تحوّل يومها إلى انتظار ثقيل دون بديل. فيما تعيش اليوم في خيمة بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، حيث تضيق الحياة ويتسع العجز.

تدرك أن الشيء الوحيد الذي كان يفتح لها منفذًا إلى العالم، وهو الدراسة، بات هو الآخر مهددًا بعد عجزها عن دفع الرسوم، لتبقى معلّقة بين إعاقتها وحلم كان يخفف قسوة الليالي، لتجد نفسها معلّقة في مساحة لا تنتمي بالكامل لأيٍّ منهما.

تنظر إلى صورتها على الكرسي الذي كان ركيزتها في التنقل، وتقول إن حياتها انحصرت منذ فقدانه داخل شوادر بلاستيكية، بلا قدرة على الحركة. حاولت التواصل مع مؤسسات وأفراد وأرسلت تقاريرها الطبية، لكن بلا جدوى. تقول: "هناك تمييز ومحسوبية حتى في التعامل مع ذوي الإعاقة. طلبت المساعدة في تغطية رسوم دراستي، لكن الرد كان دائمًا أن التمويل غير متوفر. فأين يذهب الدعم المالي أصلًا؟".

بصوتٍ مثقل بالقهر، توضح أن عجزها عن الحركة وعزلتها في الخيمة يتقاطعان مع حرمانها من استكمال تعليمها، في ظلّ غياب أي اهتمام فعلي. تتساءل: "أين دور وزارة التنمية الاجتماعية؟ ولماذا لا نكون ضمن الأولويات؟ ولماذا لا تُخصص لنا مخصصات نقدية أو أدوات تساعدنا على التكيف مع هذا الواقع؟".

هذه الشهادة الفردية تعكس واقعًا أوسع يعيشه ذوو الإعاقة في غزة بعد الحرب الإسرائيلية (2023-2026)، حيث يتقاطع التهميش مع غياب خطط إغاثة عاجلة، فيما لا تصل المساعدات إلى الحد الأدنى الذي يلبي احتياجاتهم الأساسية، سواء من أدوات مساعدة أو تجهيزات تتيح لهم التكيف.

وتشير بيانات صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية إلى وجود أكثر من 85 ألف شخص من ذوي الإعاقة في قطاع غزة، بينهم نحو 28 ألف حالة جديدة نتجت عن الحرب الأخيرة على القطاع.

في سياق مشابه، يروي الشاب محمد راضي، وهو من ذوي الإعاقة السمعية، كيف فقد إحدى سماعتيه خلال عمليات النزوح المتكرر جرّاء النزاع، ما اضطره للاعتماد على الأخرى فقط، الأمر الذي فاقم صعوبة السمع لديه وأثر على وضعه الصحي. ولم تتوقف المعاناة عند ذلك، إذ واجه صعوبة مستمرة في تأمين بطاريات للسماعة.

كان والده يتنقل في أنحاء غزة بحثًا عن بطاريات لسماعات ابنه، دون جدوى، قبل أن يلجأ إلى بطاريات الساعات كحلّ مؤقت رغم ارتفاع ثمنها، في وقت لا تمتلك فيه العائلة دخلًا منتظمًا. تقول شقيقته إن محمد لم يحصل على أي دعمٍ مخصص له، وإن العائلة تتحمل وحدها تكلفة كل احتياجاته، رغم محاولات متكررة للتواصل مع جهات إغاثية مختلفة دون نتائج.

أما هنادي رضوان، وهي من ذوي الإعاقة البصرية، فتؤكد أنها لم تتلقَ أي مساعدة من مؤسسات تُعنى بهذه الفئة. فيما تعيش في خيمة دون مصدر دخل ثابت، وتعتمد على مساعدات فردية لا تكفي لتلبية احتياجات أسرتها التي تضمّ أكثر من شخص من ذوي الإعاقة.

تتساءل باستمرار عن سبب غياب مخصصات نقدية ثابتة لها ولغيرها ضمن هذه الشريحة في ظل الغلاء الذي يستشري في قطاع غزة، وعن دور المؤسسات الدولية ووزارة التنمية والصليب الأحمر، مشيرة إلى وجود أنشطة إغاثية عامة، لكنها لا تنعكس على ذوي الإعاقة، ولا تُبنى على قاعدة بيانات واضحة تضمن وصول الدعم إليهم.

أمام هذه التساؤلات، يبرز دور الجهات الرسمية. وفي هذا السياق، اعتذرت المتحدثة باسم الصليب الأحمر عن التعليق لمراسلة "آخر قصة"، مكتفية بالقول إن هناك خططًا قيد النقاش سيُعلن عنها لاحقًا.

أما وزارة التنمية الاجتماعية في رام الله، فتواجه اتهامات بعدم تلبية احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، في ظل غياب خطط عاجلة واضحة لإغاثتهم، أو برامج مستمرة لتوفير الأجهزة والمعدات اللازمة. كما تُطرح تساؤلات حول آليات متابعة المبادرات لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.

المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية رجاء العابد تقول إن هناك توجهًا لتعزيز برامج الدعم المالي بشكل أكثر استدامة، عبر تطوير برنامج العلاوات الاجتماعية ليشمل الفئات الأكثر تضررًا، خصوصًا من فقدوا مصادر دخلهم. وتشير إلى أن الوزارة تعمل على إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في برامج التمكين الاقتصادي، من خلال دعم المشاريع الصغيرة وتوفير فرص عمل، إلى جانب دراسة آليات تمويل مرنة تعزز استقلالهم التدريجي.

وتضيف أن الوزارة تسعى إلى تطوير سياسات حماية اجتماعية أكثر شمولًا، تراعي احتياجات ذوي الإعاقة في حالات الطوارئ وما بعدها، عبر توسيع الشراكات مع الجهات المانحة وتأمين مصادر تمويل طويلة الأمد، بما يضمن عدالة الاستهداف واستدامة الاستجابة

في المقابل، يرى مصطفى العابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعي في جمعية الإغاثة الطبية بغزة، أن المؤسسات الدولية والمحلية لا تولي هذه الفئة الاهتمام الكافي، مشيرًا إلى تراجع حتى المخصصات التي كانت تُصرف لهم سابقًا، في حين لا تغطي المساعدات الإغاثية سوى نسبة ضئيلة منهم

يوضح أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع يتجاوز 170 ألفًا، يعيش كثير منهم في أماكن غير مهيأة، ويواجهون صعوبة في الوصول إلى الخدمات الأساسية، في ظل فقدان الأدوات المساعدة. 

ويشير العابد إلى أن نسبة الإعاقة ارتفعت من نحو 8% قبل الحرب إلى أكثر من 11% بعدها، بينما لا يغطي الدعم المتوفر سوى أقل من 1% منهم. كما يلفت إلى وجود أكثر من 43 ألف متضرر بشكل مباشر، بينهم 15 ألف حالة إعاقة بصرية و30 ألف حالة مشكلات سمعية، في ظل غياب إحصاء شامل محدث

ويدعو العابد إلى تحمّل المؤسسات الدولية والمحلية مسؤولياتها، وتقديم خدمات تحفظ الكرامة والعدالة، والضغط للسماح بإدخال الأدوات المساعدة، إلى جانب توفير مصادر دخل وإجراء حصر عاجل للاحتياجات

يمثل هذا الواقع انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يكفل حقوق ذوي الإعاقة، إذ تنص (المادة 23) من اتفاقية جنيف الرابعة على التزام أطراف النزاع بالسماح بمرور الإمدادات الإنسانية الأساسية الموجهة للمدنيين، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا. غير أن الحرب الإسرائيلية، كما يظهر من الوقائع، لم تلتزم بهذه المواثيق، إذ دُمّرت مؤسسات خاصة بهذه الفئة، ويعيش كثير منهم اليوم في بيئات غير مهيأة، فيما فقد 83% منهم أجهزتهم المساعدة نتيجة النزاع.

في المحصلة، تبدو قضية ذوي الإعاقة في غزة اختبارًا حقيقيًا لفاعلية الاستجابة الإنسانية، في ظلّ فجوة واضحة بين الخطط المعلنة والواقع. وبين فقدان الأدوات المساعدة، وتعطل التعليم، وغياب مصادر الدخل، تتكشف هشاشة السياسات القائمة، وتبرز الحاجة إلى تدخل عاجل يضمن لهذه الفئة الحد الأدنى من الكرامة والعدالة