يمسك التاجر فؤاد نصر هاتفه ويتابع بقلق أخبار البضائع التي شحنها من الخارج إلى قطاع غزة. اختارها بعناية وفقًا لحاجة السوق، وجهّز محله لاستقبالها، لكنه يفاجأ بتأخر الشاحنات الواردة بعد ضبط مواد ممنوعة داخل بعضها. بالنسبة له، لا يعني هذا التأخير مجرد تعطّل في الشحن، بل خسائر مالية متراكمة، خصوصًا أن وصول البضائع كان مرتبطًا بموسم رمضان وعيد الفطر.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها نصر مثل هذا الموقف. فالشاحنات، كما يقول، تُعاد أحيانًا أو يتغير مسارها بعد اكتشاف عمليات تهريب داخل شحنات الملابس. ومع تشديد إجراءات التدقيق والتفتيش على الشاحنات من قبل الاحتلال الإسرائيلي، باتت البضائع تستغرق وقتًا أطول قبل الوصول، ما يضاعف حجم الخسارة.
يقول وهو يتابع خبر إرجاع الشاحنات بالكامل بعد ضبط ممنوعات ووقف التنسيق لأيام: "نحن نعيش في كارثة. أسعار التنسيقيات مرتفعة جدًا ومع ذلك نجلب البضائع لغزة، والآن نعاني من التهريبات داخل الشاحنات مما يؤدي إلى تعطّل عملنا. كل شاحنة يُضبط بداخلها تهريب تُفرض عليها غرامة تصل إلى 100 ألف دولار إضافة إلى مصادرتها. كل هذا يحدث لأن هناك أشياء كثيرة ممنوعة من الدخول، ما يدفع البعض إلى اتباع عمليات التهريب".
في الأشهر الأخيرة سُمح بإدخال كميات من البضائع إلى قطاع غزة، إلا أنّ وصولها لا يتم بسلاسة. فالشاحنات تخضع لتدقيق وتفتيش مُشدَّدين قبل السماح بدخولها، وهي إجراءات تستغرق وقتًا طويلًا وتؤدي إلى تكدس الشاحنات وانتظارها لأيام قبل استكمال معاملاتها.

تأتي هذه الإشكاليات في وقت تواجه فيه حركة التجارة في قطاع غزة عقبات غير مسبوقة منذ الحرب، مع تدمير واسع للبنية الاقتصادية وتشديد القيود على إدخال البضائع عبر المعابر، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتنسيق وتباطؤ إجراءات التفتيش، ما جعل وصول السلع إلى الأسواق عملية معقدة وبطيئة.
وخلال عمليات التفتيش يُعثر أحيانًا على مواد ممنوعة لا يُسمح بإدخالها إلى القطاع، مثل السجائر، وهي من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى إعادة الشاحنات. وعند ضبط مثل هذه المواد يتم توقيف الشحنة وإعادتها، الأمر الذي ينعكس على بقية الشاحنات المنتظرة، ويخلق حالة من التوتر بين رجال الأعمال وشركات الشحن، التي تنفي مسؤوليتها عن تهريب أي مواد داخل شحناتها.
في المقابل، يتابع رجل الأعمال رياض السوافيري الأخبار الواردة من المعبر حول الشاحنات العالقة. ويقول إنه أصبح قادرًا على توقع ما سيحدث حين يسمع عن ضبط مواد مهربة. "عندما علمنا بضبط سجائر مهربة داخل شحنات الملابس، توقعت أن تتوقف الشاحنات لفترة، وهذا ما حدث بالفعل".
ويضيف: "عمليات التهريب للممنوعات يقوم بها أشخاص لا يملكون حسًا إنسانيًا ولا وطنيًا ولا وازعًا دينيًا. همهم الأول تحقيق الأرباح بأي طريقة، بغض النظر عن مصلحة المواطن المطحون في غزة".
ويرى السوافيري أن هذه العمليات لا تضر بالتجار وشركات الشحن فقط، بل بالمستهلك أيضًا. فحين تُمنع أصناف معينة من الدخول بسبب ضبط ممنوعات داخل شحناتها، ينخفض المعروض منها في السوق وترتفع الأسعار. ويضيف أن حالة الفوضى ستظل قائمة ما لم توجد جهة تنظم هذا القطاع.
أما مسألة التنسيق وارتفاع تكلفته، فيصفها بأنها معضلة حقيقية يتحملها التاجر أولًا، قبل أن تنتقل كلفتها إلى المستهلك. وتُدفع هذه التنسيقيات لشركة أبناء سيناء التي تتولى التنسيق مع الأطراف المختلفة لضمان وصول البضائع إلى غزة.
وبحسب التجار، وصلت تكلفة تنسيق شاحنة الأرز إلى نحو 20 ألف دولار، والبيض إلى 50 ألف دولار، والخضار المجمد إلى 60 ألف دولار، بينما تبلغ تكلفة شاحنات الأحذية والملابس نحو 100 ألف دولار، والنسكافيه والقهوة 60 ألف دولار. وفي نهاية المطاف يتحمل المواطن العبء الأكبر لهذه التكاليف المرتفعة.
المُكنى بأبو أحمد السعدوني، وهو رجل أعمال يعمل في قطاع التجارة منذ 17 عامًا، يقول إنه لم يشهد ظروفًا كهذه من قبل. فقبل الحرب، كما يوضح، كانت الشاحنات تصل بسلاسة نسبية، وكان مسموحًا بدخول التبغ ومشتقاته، أما اليوم فإن منعه تسبب بإشكالية كبيرة.
وبعد صمت قصير يضيف: "التفتيش الدقيق يعيق وصول بضائعنا. البضاعة التي كانت تصل خلال ثلاثة أيام قد تستغرق اليوم شهرًا أو أكثر، وأحيانًا يصلنا الموسم بعد أن ينتهي. حدث هذا معنا في موسم عيد مثلًا، هذا غير أن أسعار التنسيقات أنهكتنا ماليًا".
على نحوٍ مشابه، يقف التاجر عبد الرحمن الجمالي في متجر صغير للملابس بين رفوف بضاعته التي اشتراها بضعف الثمن حتى لا يتوقف العمل. انتظر أكثر من شهر حتى تصل شحنته، لكن البضائع وصلت بعد انتهاء موسمها.
يقول وهو يمسك قطعة ملابس: "تأخير الشاحنات بسبب التهريب يضرني كثيرًا. كان من المفترض أن تصل بضائع الشتاء في يناير، لكنها وصلت في نهاية الموسم، وبقيت البضاعة مكدسة هنا".

من الناحية القانونية، يفترض أن تخضع عملية استيراد البضائع إلى محددات قانونية تضمن الحقوق، مثل بروتوكول باريس الاقتصادي وقوانين الجمارك الفلسطينية. لكن في ظل الوضع الأمني الحالي وسيطرة الاحتلال على المعابر، فإن هذه الأطر لا تُطبق عمليًا، ولا يوجد قانون فلسطيني قادر على تنظيم عمليات الاستيراد أو تحديد المسؤولية عند حدوث خلل.
أمام هذا الواقع، قررت عدة شركات شحن تعليق عملها مؤقتًا حتى تتضح آليات العمل وتستقر أسعار التنسيقيات التي ارتفعت مجددًا.
هيثم منصور، صاحب الشركة المصرية للشحن والتخليص الجمركي، يقول إن شركته اضطرت قبل أيام إلى تعليق العمل مؤقتًا بسبب ارتفاع التكاليف وكثرة الإشكاليات المرتبطة بالشحن، مؤكدًا أن القرار جاء لحماية الشركة والتجار من خسائر إضافية في ظل غموض آليات العمل.
ويوضح أن شركات الشحن تتحمل خسائر كبيرة عند إعادة الشاحنات أو ضبط مخالفات فيها، بما يشمل تكاليف التخزين والتأخير والغرامات، وأحيانًا تعويض التجار عن نقص البضائع الناتج عن التفتيش. ويشير إلى أن بعض الأشخاص يخفون مواد ممنوعة داخل الشحنات دون علم شركات الشحن، ما تسبب سابقًا بخسائر وغرامات وصلت إلى نحو 100 ألف دولار وأدى إلى شلل مؤقت في حركة الشحن.
ويرجع منصور ارتفاع أسعار التنسيقات إلى تشديد الإجراءات على المعابر وارتفاع تكاليف النقل والمخاطر المرتبطة بعمليات الشحن.
من جهته، يستنكر محمد القيشاوي، صاحب شركة الوسيم للشحن، تزايد عمليات التهريب، مرجعًا ذلك إلى دخول أشخاص جدد إلى مجال التجارة دون خبرة أو التزام بالقواعد. ويؤكد أن شركات الشحن المعروفة والتجار الكبار لا يخاطرون بسمعتهم، مشيرًا إلى أن عدد الشاحنات اليومية انخفض إلى ما بين خمس وعشر شاحنات فقط بعد أن كان يقارب 100 شاحنة.
ويرى القيشاوي أن الحل يكمن في تدخل اللجنة الإدارية في غزة لتنظيم القطاع، وحصر العمل في شركات شحن وتجار معروفين، مع مساءلة المخالفين وإقصاء الدخلاء على السوق.

وسط هذه الفوضى، تتزايد الأسئلة حول المسؤول عن عمليات التهريب، والجهة التي يفترض أن تراقب وتمنع حدوثها. كما يتساءل المواطنون: كيف تصل أيدي المهربين إلى الشاحنات بعد تفتيشها لدى الشركة المصرية والتأكد من خلوها من المواد الممنوعة؟
وحتى الآن، لا توجد إجابة واضحة. إذ تواصلت مراسلة "آخر قصة" مع نائب رئيس الغرفة التجارية حسام الحويطي، الذي قال إن التجار وشركات الشحن لا علاقة لهم بعمليات التهريب.
وأوضح أن من يقوم بذلك "مهربون منتفعون" يصعب السيطرة عليهم، مضيفًا أن الشاحنات تُفتش بدقة من الجانب المصري قبل انطلاقها، لكن أثناء توجهها إلى المعبر قد يعترض بعض المهربين طريقها ويضعون مواد ممنوعة داخلها.
ويشرح الحويطي أن الشاحنات تُفتَّش أولًا قبل حاجز المعدية، وهو نقطة تفتيش تمر بها الشاحنات قبل استكمال طريقها داخل سيناء باتجاه معبر رفح، ثم تمر بعد ذلك عبر خمس محطات تفتيش أخرى، وخلال هذه المراحل قد تحدث عمليات التهريب.
ويضيف أنه في ظلّ هذه الفوضى لا يوجد ضابط قانوني فعلي، كما أن الغرفة التجارية لا تملك سيطرة على ما يحدث، مشيرًا إلى أن المستفيد من هذا الوضع هو الاحتلال الذي يرفض وجود طرف فلسطيني يتولى إدارة المعابر وتنظيمها.
في ظل هذا الواقع، تبقى حركة دخول البضائع إلى غزة محاطة بالغموض. فبين التفتيش المشدد وتبادل الاتهامات حول التهريب، يتحمل التجار وشركات الشحن الخسائر، بينما يدفع المواطن الثمن عبر ارتفاع الأسعار ونقص السلع. ومع غياب جهة رقابية واضحة، تبقى الأسئلة بلا إجابات، ويظل ملف التهريب وتعطل الشاحنات من أكثر الملفات تعقيدًا في اقتصاد غزة.