تتجول دعاء مصلح في سوق الرمال وسط مدينة غزة، ثم تقف أمام بسطة صغيرة لبيع القرطاسية لشراء مستلزمات مدرسية، تُقلّب الدفاتر بين يديها وتحسب ثمن الأقلام والألوان بصمت، قبل أن تعيد بعضها إلى مكانه. احتياجات ثلاث بنات لا تحتمل التأجيل، لكن المبلغ يفوق طاقتها.
اكتفت مصلح بشراء الأساسيات، ومع ذلك فوجئت بأنّ ثمن بعض المستلزمات وصل إلى 60 شيكلًا. شعرت بثقل الرقم، فهي بالكادّ تدبر إيجار المنزل الذي نزحت إليه، فضلًا عن الطعام ومتطلبات الحياة اليومية.
مصلح أمّ معيلة لثلاثة أطفال، خسرت مشروعها ومقرّ عملها خلال الحرب الإسرائيلية (2023–2025)، وتعيش اليوم على راتب متواضع وغير منتظم تتقاضاه من عملها مذيعةً في إحدى الإذاعات المحلية.
لم تبدأ معاناة مصلح هذا العام فقط، إذ نزحت 13 مرة خلال العامين الماضيين قبل أن تستقر أخيرًا في منزل مستأجر تتقاسم أجرته مع شقيقتها. وعلى امتداد تلك الفترة، التي طوت عامين دراسيين كاملين، لم يكن التعليم بندًا يمكن تأجيله، بل صار صراعًا يوميًا تخوضه الأسرة. حاولت مصلح تسجيل بناتها في نقاط تعليمية مجانية تديرها مبادرات محلية، لكن المقاعد كانت تمتلئ في كل مرة قبل أن تصل.
تقول: "لدي ثلاث بنات أكبرهم في الصف الثامن، ثم بالسادس، وأصغرهم في الروضة، واجهت صعوبة كبيرة في تعليمهن، وكنت أحاول تعويض الفاقد التعليمي بجهدٍ شخصي ومن خلال دروس خصوصية بمراكز تعليمية، لكن الأمر كان مرهقًا ماديًا، فحاولت تسجيلهن ببعض النقاط المجانية التابعة لليونيسف لكن الأعداد مكتملة".
حتى عندما لجأت إلى التعليم الإلكتروني التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، لم يكن الأمر يسيرًا. توضح: "لا أستطيع أن أتابع الدراسة لثلاثة أشخاص من نفس الجهاز، عدا عن أنني أحتاج دفاتر جديدة لهن غير التي يستخدمونها في المركز التعليمي، وهذا عبء مالي آخر". في غياب جهة محددة تتكفل بتمويل ملف القرطاسية، يبقى الدعم إن وصل محدودًا، لا يغطي احتياجات الجميع.

حال هذه الأم المعيلة لا يختلف كثيرًا عن آلاف العائلات في قطاع غزة. حتى مَن تمكن من تسجيل أطفاله في مدارس تدعمها اليونيسف يواجه نقصًا في الأدوات المدرسية وارتفاعًا في أسعارها. من هؤلاء ولاء راشد وهي أم لثلاثة أطفال في سنّ التعليم. تقول إنها تابعت خلال الحرب تعليم أطفالها الثلاثة عبر المنصة الإلكترونية التابعة لـ "أونروا"، وكانت تتلقى الرزم التعليمية الإلكترونية، لكنها ما إن عادت المدارس للعمل حتى ألحقت أبناءها بإحدى المدارس المدعومة من اليونيسف.
تردف بعد تنهيدة: "كل شيء هنا يتم بمعاناة، أحاول أن يشعر أطفالي بقيمة المدرسة، لذلك أرسلتهم للتعلم في المدارس، ولم أكتفِ بالمتابعة الشخصية أو عبر الإنترنت فقط، لكن ذلك شكل عبئًا ماليًا عليّ في ظلّ غلاء الدفاتر والأدوات التعليمية. الدفاتر تنتهي بسرعة، وأضطر لشراء كميات كبيرة".
في بداية الفصل الدراسي اشترت راشد رزمًا تعليمية لطفلها الأكبر بقيمة 50 شيكلًا، ومثلها لابنتها الثانية، فيما احتاج الأصغر في الصف الأول إلى دفاتر وأقلام فقط. تتابع: "لكل هذا نحتاج إلى ميزانية خاصّة، أسمع من بعض معارفي أنهم يستلمون قرطاسية في المدارس لكن أبنائي لا يتلقون أي شيء. لماذا لا توفر اليونيسف أدوات للدراسة للأطفال جميعهم على حدٍ سواء؟".

من ناحيتها، تقول المعلمة صابرين شاهين، التي تعمل في إحدى مدارس اليونيسف، إنها تحاول التخفيف عن طلابها قدر الإمكان: "أكتفي بطلب دفتر واحد لكل طالب، وأحيانًا أشتري دفاتر من حسابي الخاص للأطفال الذين لا يستطيعون تأمينها، لكن لا يمكنني تغطية احتياجات الجميع".
أما بالنسبة لمحمد خليل، وهو أب لأربع بنات يعمل في الضفة الغربية ويرسل بالكادّ ما يغطي أساسيات الحياة وإيجار الأرض التي نصبت عليها زوجته الخيمة، لم يكن المصروف التعليمي ضمن حساباته.
تقول زوجته إنهن يحتجن شهريًا مبلغًا مخصصًا للدراسة والدفاتر يتجاوز 400 شيكل: "صحيح أن الصغار يستلمون بعض الحاجيات من المدرسة، لكنها لا تكفي لفصل تعليمي كامل. هناك نقص كبير في عمليات توزيع القرطاسية، وهي الأولى من الحاجيات الأخرى، كونها أساسية في التعليم".
وبعد لحظة صمت تسأل: "لماذا القرطاسية مرتفعة الثمن في الأسواق على الرغم من وجود كميات جديدة؟ لماذا لا تشتري اليونيسف الأدوات من السوق وتوزعها على الأطفال؟ متى سيتم التخفيف عن كاهلنا عبء المصروفات الدراسية؟ ولماذا لا توجد بدائل تعليمية مجانية كافية؟".
بدوره، يقول ياسر النباهين، مدير مدرسة تتبع لليونيسف في المحافظة الوسطى، إنّ ما يصل إلى المدرسة من مستلزمات محدود للغاية. "لا يصلنا سوى بعض الحاجيات البسيطة، نظرًا لقلّة دخول الشاحنات التابعة لليونيسف وبها معدات تعليمية. نحاول توفير القرطاسية عبر المبادرات الإغاثية، ونجحنا جزئيًا، لكن ما وصلنا غالبًا لم يكن قرطاسية، بل أحذية وملابس ووجبات طعام".

وتشير تقديرات محلية إلى أن الحرب التي استمرت لعامين دمرت 293 مدرسة من أصل 307 حكومية، وحرمت نحو 630 ألف طالب من التعليم، بينهم 88 ألف طالب جامعي. كما تعطلت 284 مدرسة تابعة لأونروا، وتعرض ما معدله 93% من المدارس للتدمير، فيما تحتاج 84% منها إلى إعادة إعمار شبه كاملة، بتكلفة تقدّر بنحو 3.8 مليار دولار.
وفي وقتٍ سابق، حذر فيليب لازاريني، المفوض العام لأونروا، من أنّ أكثر من 600 ألف طفل في غزة يعانون صدمات عميقة ويواجهون خطر ضياع مستقبلهم التعليمي.
من منظور قانوني، يرى المحامي يحيى محارب أن حرمان الأطفال من التعليم ومنع إدخال الأدوات الدراسية يشكل انتهاكًا للحق في التعليم المكفول دوليًا، ويعد خرقًا للاتفاقات التي تحمي المؤسسات التعليمية. ويشير إلى أن ما حدث يمثل مخالفة واضحة للمواد (28) و(29) من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والمادة (50) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

ردًا على تساؤلات الأهالي، تقول آمنة أبو حجر، المشرفة الميدانية في اليونيسف على ملف التعليم في غزة، إن سياسة الحصار والإغلاق والتقنين في دخول شاحنات اليونيسف الخاصة بالمستلزمات الدراسية تعرقل عمليات التوزيع وضمان مجانية التعليم.
تضيف أن الاحتلال يمنع إدخال مواد متعلقة بالتعليم، فيما توجد كميات من الأثاث والقرطاسية في الأردن بانتظار إذن المرور إلى غزة. وقد سُمح مؤخرًا بدخول جزء محدود من القرطاسية، لكنه لا يكفي لتغطية الأعداد الكبيرة من الطلاب.
بحسب الخطط الموضوعة، كان من المفترض إدخال مستلزمات تعليمية للمعلمين والطلاب وأدوات دعم نفسي للمرشدين، إلا أن معظمها لم يدخل، بحسب أبو حجر، وتشير إلى أنه يجري حاليًا توزيع صندوق صغير للمعلم يحوي بعض الأدوات التعليمية وبعض الألعاب، لكنه لم يصل إلى جميع النقاط التعليمية بسبب قلة الوارد.
وعن سبب عدم شراء القرطاسية من السوق المحلي، تقول أبو حجر إن التعامل مع السوق غير ممكن في الوقت الحالي، "فلا يمكن توفير المستلزمات لفئة من الطلاب دون الأخرى، والحل الوحيد هو الانتظار حتى يُسمح بدخول القرطاسية والأدوات اللازمة للعملية التعليمية".
في غزة، حيث تتراكم الأزمات وتتشابك، يبقى التعليم واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا وتعقيدًا. تكافح العائلات لتأمين دفاتر وأقلام قبل أن تفكر في المناهج أو التعويض النفسي. وبين المفاضلة اليومية بين الطعام والتعليم، يقف المعيل في المنتصف، يحاول أن يمنح أبناءه مستقبلًا في مكان يتقلص فيه الحاضر.