تنحني سائدة المصبح (42 عامًا) أمام موقد صغير يعمل بالحطب، بمحاذاة خيمة نزوحها على أطراف أحد مراكز الإيواء غرب دير البلح وسط قطاع غزة، قبيل أذان المغرب، محاولةً إعداد ما تيسّر من إفطار رمضان لأبنائها الخمسة. يتصاعد الدخان إلى وجهها المتعب وثوب صلاتها الملطخ ببقع حرق صغيرة، فيما تحاول بيديها الملطختين بهُباب إشعال النار ضبط كمية طعام بالكاد تكفي.

منذ أسبوعين تغيّر نظام الوجبات التي كانت تصلهم من التكية داخل المخيم. تقول مصبح: "كنا نحصل على وجبة عدس أو أرز بشكل شبه يومي، أما الآن فأصبحت الوجبات أقل انتظامًا، وأحيانًا تحتوي على لحم وتصل مغلّفة، لكن المشكلة أنها لا تأتي كل يوم". وتعاني أسرتها قلّة ذات اليد منذ بداية الحرب وتعطل زوجها عن العمل، إذ لا مصدر آخر لديهم لتوفير الطعام.

منذ أكثر من عامين، اعتمدت غالبية المطابخ المجتمعية "التكايا" على تقديم وجبات محدودة ومكررة للنازحين غطت مساحات واسعة في قطاع غزة، إذ تعتمد على أصناف شعبية أبرزها العدس والمعكرونة والفاصولياء أو البازيلاء إلى جانب الأرز، إضافة إلى حساء البرغل، في ظلّ شح البدائل.

وفي سياق الأزمة الإنسانية الممتدة في غزة، كان هناك ما يقارب 170 مطبخًا مجتمعيًا (تكيات) تعمل عبر القطاع قبل تدهور الإمدادات، تقدم وجبات للنازحين والمحتاجين. ومع تقييد دخول المساعدات ونفاد الإمدادات الغذائية والوقود، تراجع هذا العدد بشكل كبير؛ فبحلول منتصف عام 2025، كان يعمل ما بين 70 و80 مطبخًا فقط، مع تهديد بإغلاقها بالكامل ما لم تُستأنف تدفقات الغذاء، بينما أظهرت تقارير لاحقة انخفاضًا آخر إلى نحو 42-45 مطبخًا بسبب استمرار الأزمة. 

ورغم دخول كميات من اللحوم إلى أسواق القطاع تزامنًا مع وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي وتوفرها نسبيًا، فإن أسعارها ما تزال بعيدة عن متناول الآلاف من العائلات النازحة؛ إذ يبلغ سعر الكيلوغرام نحو 50 شيكلًا نحو (16 دولار)، وهو مبلغ يتجاوز قدرة معظم الأسر في ظلّ متوسط دخل لا يتجاوز دولارين ونصف يوميًا، خصوصًا مع احتساب تكاليف وسط الارتفاع الحادّ في أسعار الخشب وغاز الطهي.

مع غياب أي مصدر دخل ثابت، تجد آلاف العائلات نفسها معتمدة بالكامل على ما تقدمه التكايا يوميًا، باعتبارها الخيار الوحيد لتأمين وجبة تسدّ الجوع، لا أكثر. وأمام هذا الواقع أصدرت وزارة التنمية الاجتماعية بيانًا صحفيًا في 12 فبراير 2026، بشأن تنظيم عمل التكيات والمطابخ في قطاع غزة، أكدت فيه حرصها على تجويد الخدمات وتعزيز معايير الحماية الصحية والسلامة العامة.

لكن القرار الوزاري، رغم نواياه في تحسين الجودة وضمان السلامة، أصبح سلاحًا ذو حدين؛ فبينما يرفع معايير الخدمة، يفرض قيودًا صعبة على التكايا ويحد من قدرتها على تلبية احتياجات الأسر في ظل نقص الموارد وارتفاع أسعار السلع مع حلول شهر رمضان. 

كما اصطدم التطبيق العملي للقرار بصعوبات كبيرة، إذ غالبًا ما تكون المطابخ غير مجهزة بالكامل، ويعمل كثير منها في خيام مؤقتة، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية الالتزام الكامل بإجراءات السلامة ومعايير النظافة، ويظهر بوضوح الفرق بين التعليمات الرسمية وظروف التنفيذ على الأرض.

بالإضافة إلى ذلك، فإن فرض الجودة العالية للوجبات المغلّفة واللحوم يفرض تقليص عدد المستفيدين في بعض الحالات، في حين يعتمد آلاف الأسر على هذه التكايا بشكل شبه كامل. وهكذا يجد القائمون على التكايا أنفسهم مضطرين للتوفيق بين تطبيق الشروط الوزارية وتلبية احتياجات أكبر عدد ممكن من المستفيدين، وسط موارد محدودة وظروف صعبة.

وسط هذه الدائرة المفرغة، برز السؤال الأهم: هل اكتفت الوزارة بإصدار بيانات رسمية مجردة، أم تضمنت إجراءات فعلية لدعم الجهات المبادرة على الأرض؟ وما هي التفاصيل الملموسة التي قدمتها لتسهيل عمل التكايا وضمان قدرة المطابخ على الالتزام بالمعايير المطلوبة، دون أن يتحمل المواطنون عبء القيود وحدهم؟

المواطنة آية الحلو (35 عامًا) تعاني من قلّة وصول التكايا لمنطقتها، إذ تعيش في منزلها المتضرر جزئيًا من القصف مع طفليها في منطقة السامر وسط مدينة غزة، بينما يقضي زوجها فترة اعتقاله في السجون الإسرائيلية. 

تردف الحلو: "أعتمد على الطعام الذي تقدمه التكية بالكامل، لكنها قلّت بشكل ملحوظ منذ نحو عشرة أيام، والأولاد يسألون دائمًا لماذا لا تصل التكية اليوم". وتصف الضغط النفسي الناتج عن الانتظار اليومي لوجبة قد لا تصل، في ظل وضع مادي متدهور وغياب أي مصدر دخل، مضيفة أن اضطرارها لتأمين طعام مؤقت يزيد من شعورها بالتعب والإحباط.

الظرف نفسه يعانيه أكثر من 1,7 مليون شخص تقريبًا في قطاع غزة، الذين يواجهون مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي ويعتمدون على المساعدات الغذائية اليومية من التكيات والمطابخ المجتمعية لضمان وجباتهم الأساسية. من هؤلاء، أنيس ياسين (55 عامًا) الذي يعيش مع أسرته المكوّنة من عشرة أفراد في خيمة غرب مدينة غزة.

ويقول ياسين إنه قبل صدور قرار وزارة التنمية الاجتماعية كانوا يحصلون على وجبات تكفي عائلتهم الكبيرة تقريبًا كل يوم، لكن منذ أسبوعين أصبح هناك فيه تقليل ملحوظ، والوجبات المغلّفة الجديدة لا تكفي أحيانًا جميع أفراد الأسرة. 

تشاركه زوجته الحديث وتوضح أنهم يحاولون تقسيم كل وجبة بعدالة بين الصغار والكبار، تتابع: "لكن الأطفال الجوعى خاصة مع صيام رمضان يتذمرون، والضغط علينا كبير". وتشير إلى أن غياب الدخل وارتفاع أسعار السلع يضطرهم للذهاب إلى التكية لسد لقمة أطفالهم.

في ظلّ هذه الظروف، يفرض سؤال نفسه: كيف يمكن للأسر الفقيرة التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذه التكايا مواجهة القرارات الجديدة، وهل ستتمكن من الحصول على وجبة يومية تكفي لعائلاتها في ظلّ الموارد المحدودة والأسعار العالية؟

وبينما تكشف شهادات المواطنين عن واقعهم اليومي، يوضح مسؤولو التكايا التحديات الميدانية التي تواجههم في تطبيق القرار الوزاري.

هاني البطنيجي، مسؤول تكية تقدّم نحو 5,000 وجبة يوميًا للنازحين وسط قطاع غزة، يقول: "القرار الوزاري نظريًا ممتاز لأنه يهدف إلى تحسين جودة الوجبات وضمان الصحة والسلامة، خصوصًا مع إلزامية وجود اللحم والتغليف، لكن على أرض الواقع هذا شيء صعب جدًا". 

يشير إلى أن المطابخ قديمة ومحدودة الإمكانات، وأن الطبخ داخل أماكن مغلقة ونظيفة غير ممكن في ظل نقص المساحات. ويضيف: "نستخدم الحطب، ما يزيد الوقت والكلفة، خاصة خلال رمضان، ما يؤدي إلى تقليص عدد الوجبات اليومية للنصف تقريبًا، لا سيما للعائلات الكبيرة".

ويُشدّد على أن أي نقص في التوزيع ينعكس مباشرة على الأسر التي تعتمد على التكايا باستمرار، مضيفًا أن الالتزام الكامل بالشروط الوزارية دون دعم إضافي يبقى مهمة صعبة، خصوصًا مع نقص الغاز والمواد الأولية وتأخر وصول المساعدات بالكميات المرجوة بسبب التقييدات على عمل المعابر.

يتفق معه عبد العزيز وشاح، مسؤول تكية أخرى في جنوب القطاع، ويشير إلى أن الالتزام بالوجبات المغلّفة ومنع الطبخ في الشوارع يفرض تحديات لوجستية كبيرة، قائلاً: "حاولنا رفع مستوى النظافة والسلامة، لكن الموارد محدودة، وأحيانًا لا نتمكن من إيصال العدد الكافي من الوجبات، خصوصًا عند الاعتماد على مواقد الهواء الطلق والخيام المؤقتة للطهي".

أما عماد نوفل، مسؤول تكية وسط مدينة غزة، فيرى أن القرار أفضل من ناحية الصحة والسلامة، لكنه معقد على الأرض، موضحًا: "المطابخ تعاني من نقص التجهيزات الأساسية، وإلزام كل وجبة باللحم والتغليف يزيد الضغط. نضطر لخفض الكميات أو تأجيل بعض الوجبات للحفاظ على الجودة، وهذا واقع صعب لأن الناس تعتمد علينا بشكل كامل".

وشمل القرار الوزاري مجموعة من الإجراءات التنظيمية المُلزمة لعمل أصحاب التكايا في قطاع غزة، منها منع الطبخ في الشوارع والالتزام بالمطابخ المغلقة، إرفاق اللحوم مع وجبات الأرز، وقف التوزيع بنظام القدور، وقف التكيات السائلة كالعدس، الالتزام الصارم بالشروط الصحية، ومنع إتلاف المواد الغذائية إلا بعد الرجوع للجهات المختصة.

كما ألزمت التعليمات أصحاب التكايا بتسوية أوضاعهم القانونية والتأكد من تسجيل المطابخ والتكايات رسميًا والالتزام بالمعايير الصحية وحماية حقوق المتبرعين، مع متابعة حالات الإهدار واتخاذ الإجراءات القانونية عند المخالفات.

ورغم أن القرار يهدف لتحسين الجودة وضمان السلامة، إلا أنه واجه انتقادات المبادرين بكونه بعيد عن واقع غزة المزري ومواردها المحدودة، مما يعقّد عمل الجهات المحلية أكثر مما يسّره، خاصة مع غياب أي تسهيلات أو دعم عملي من الوزارة وسط نقص الموارد وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

وعند تواصل مراسلة "آخر قصة" مع وزارة التنمية الاجتماعية للحصول على توضيحات إضافية بشأن آليات الدعم أو الإجراءات التنفيذية المرافقة للقرار، أفادت الوزارة بأنها تكتفي بما ورد في البيان الصحفي الصادر عنها، دون تقديم تفاصيل إضافية حول خطوات عملية لدعم التكايا أو تسهيل التزامها بالمعايير الجديدة.

بين نصوص بيان يسعى إلى الجودة والكرامة، وقدور تكايا باتت تخلو من الأصناف المعتادة، يقف النازحون في موقع الحلقة الأضعف. فبين سعي الوزارة لفرض معايير صحية صارمة، ومخاوف القائمين على العمل الإغاثي من تقلص أعداد المستفيدين، يبقى السؤال معلقًا: هل ستنجح الإجراءات في تحسين جودة اللقمة، أم أنها ستجعل الوصول إليها أكثر تعقيدًا في زمن لا يحتمل فيه الأطفال انتظار وجبة مثالية قد لا تأتي؟