ستون عامًا لم تكن كافية ليحتمي أبو تامر نصرالله (60 عامًا) من حرب دمّرت نحو 92% من مباني قطاع غزة كليًا أو جزئيًا. في حي تل الهوى غرب مدينة غزة، لم يسقط سقف بيته فقط، بل انهار تعب السنين، تاركًا حياته اليومية على صفيح ساخن بين الخوف والحرمان.
يلخص وجعه، الذي يشبه وجع آلاف الغزيين، قائلاً: "لم ينهدم بيتي فحسب، بل انهارت معه حياتي كلها. لقد أصبحت نازحًا طوال ستين عامًا، وأنام وأنا أسأل نفسي: هل من الممكن أن أنهي حياتي دون بيت؟".
لكن الخسارة المادية لم تعد القضية الوحيدة. يقول إن الأصعب هو أن يعيش في حالة انتظار مستمرة، من دون معرفة متى يستطيع الاستقرار، ومن المسؤول عن حياته، أو أين يجد الأمان والحق في مأواه.
بالنسبة لنصرالله، أصبح الانتظار جزءًا من حياته اليومية: كل يوم يقنع نفسه بتحمل يوم آخر، مستمرًا بين الخيام والبيوت، وقد تحوّلت حياته إلى معركة متواصلة للبحث عن مكان للنوم، وتأمين الماء، والحفاظ على بعض الخصوصية، وسط خوف دائم من الغد المجهول.
ويضيف بنبرة تختلط فيها المرارة بالحاجة الأساسية: "لا أطلب رفاهية، بل بيتًا أعود إليه وأعيش فيه بكرامة، حتى أتمكن من استعادة بعض الاستقرار لعائلتي وحياتي اليومية".

في طرف آخر من المدينة، يعيش حسن مصلح (45 عامًا) مأساة مختلفة وسط غزة. منزله لم يُدمّر كليًا، لكنه لم يعد صالحًا للسكن. يقول: "لم ينهدم بيتي كليًا، لكن ما تبقى منه لا يمكن أن نسمّيه بيتًا. الجدران مشققة غير آمنة، والسقف مهدد بالسقوط، وكل ليلة ننام ونحن خائفون أن يسقط فوق رؤوسنا".
ويوضح أن المنزل تعرّض لأضرار جسيمة جعلته غير صالح للسكن: "ولكن، لأنه لم يُدمَّر كليًا، أصبحنا في منطقة رمادية صعبة. لا نحن نازحون رسميًا، ولا قادرون على البقاء في بيتنا".
ويضيف مصلح: "جاء الدفاع المدني وتفقد المنزل، وأبلغنا بضرورة الخروج منه، إذ يمكن أن ينهار في أي لحظة".
يشير إلى أن هذا التحذير حول حياتهم اليومية إلى حالة من الرعب المستمر، حيث يعيشون في خوف دائم، غير قادرين على البقاء في المنزل، وغير متأكدين متى سيكون عليهم الخروج.
ويرى أن الأكثر قسوة ليس الخطر في البناء وحده، بل في غياب الوضوح بشأن مصيرهم، إذ لا توجد معلومات حول ما إذا كان الإعمار سيشملهم أو متى، ويجدون أنفسهم معلقين في وسط الطريق بلا من يراهم أو يلتفت لأمرهم.
إبراهيم حمدان فقد عمارة سكنية كاملة في حي الرمال الجنوبي خلال الحرب الأخيرة، وما أصابه لم يكن مجرد فقدان بيته، بل انهيار برج كامل بعد سنوات من الجهد والعمل، إذ تحوّل ما بناه هو وبيوت الآخرين إلى ركام في لحظة.
البرج الذي كانت تضمّ عشرات الشقق، لم تكن مجرد مبنى إسمنتي، بل كانت مأوى لعائلات وسكنًا للآخرين، بعضهم مستأجر، واليوم أصبح هؤلاء بلا مكان يرجعون إليه.
يحمل حمدان شعورًا ثقيلاً بالمسؤولية تجاه هؤلاء: يشعر أنه لم يتمكّن من حماية الناس من النزوح، وأنه عاجز عن تقديم أي شيء لهم.
رغم حجم الخسارة التي تشمل بيتًا مدمّرًا، وآخر آيلًا للسقوط، وأبراج سكنية من 12 طابقًا وأكثر تحوّلت إلى ركام، يظل الغموض سيد الموقف، إذ لا توجد معلومات واضحة حول ما إذا كانت العمارات ستشملها خطة الإعمار، أو كيفية ذلك، أو موعده، فكل ما يُنشر عبارة عن تصريحات عامة دون تفاصيل.
ويضيف أنه من الصعب مشاهدة تعب العمر ينهار أمامه، ثم الاضطرار للبدء من الصفر بلا أي ضمان. ويتساءل مصلح بدوره عن الأولويات قائلاً: إذا كانت عمارة مكونة من 12 طابقًا ليست ضمن الأولويات، فمن تكون الأولوية له، ومتى سيشمل الإعمار الجميع؟

رغم تشكيل اللجنة الديمقراطية الإدارية الجديدة لمتابعة ملف الإعمار، يشكو المواطنون من نقص المعلومات وغياب التواصل المباشر وتأخر النشرات التي يفترض أن توضح سير العمل، ما حوّل الإعمار، بحسب متضررين، من حق واضح إلى ملف ضبابي يثقل حياتهم اليومية.
في هذا السياق، تتصدر الأسئلة بشأن الشفافية والأولويات جدول اهتماماتهم: هل توجد آليات واضحة لإدارة الملف؟ مَن يراقب أداء اللجنة؟ وكيف يمكن للمواطن معرفة مصير بيته وحقوقه؟ ولماذا لا تُنشر بيانات محددة عن الجدول الزمني والأولويات؟
وعلى الرغم من هذه المخاوف، تصدر تصريحات رسمية بين الحين والآخر. فقد أعلنت اللجنة التكنوقراطية لإدارة قطاع غزة أن مهمتها توفير "ظروف معيشية كريمة تحفظ كرامة المواطن الفلسطيني"، وأن خطة الإعمار تمتد إلى سبع سنوات وتنفذ على ثلاث مراحل تشمل الإغاثة الطارئة، والتعافي، ثم البناء والتنمية، مع التركيز على إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية.
وفي تصريحات أخرى، أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى أن الحرب ليست نهاية الطريق، بل بداية "مرحلة جديدة" لاستعادة الأمن والاستقرار، وأن الحكومة جاهزة للتنفيذ بالتنسيق مع الجهات الوطنية والدولية.
كما اعتمدت القمة العربية الطارئة في القاهرة (مارس 2025) خطة مصرية لإعادة إعمار غزة بتكلفة تقديرية تقارب 53 مليار دولار على خمس سنوات، تشمل إنشاء لجنة تكنوقراطية مستقلة تشرف على الإدارة المؤقتة والإعمار دون تهجير السكان.

المحامي يحيى الجملة، المختص بالقانون الإداري وحقوق الإنسان، يشير إلى أن ملف الإعمار في غزة لا يقتصر على قضية مادية تتعلق ببيوت مدمرة، بل يتعلق بحق أساسي من حقوق الإنسان: الحق في السكن اللائق.
ويوضح أن هذا الحق مكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبشكل خاص المادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تنص على أن لكل فرد الحق في مستوى معيشي لائق يشمل السكن والغذاء والبيئة المناسبة.
كما يشمل القانون الدولي الإنساني، وفق اتفاقيات جنيف، التزامات واضحة تجاه حماية المدنيين والممتلكات المدنية أثناء النزاعات المسلحة، بما في ذلك توفير مأوى آمن وإعادة إعمار ما تدمر.
ويشير الجملة أيضًا إلى القانون الفلسطيني المدني، الذي يضمن حماية ملكية المدنيين وينظم عمليات الإعمار وإعادة تأهيل المباني المتضررة، مؤكدًا أن التأخير في الإعمار وغياب الشفافية يشكّل انتهاكًا لهذه الحقوق.
ويقول: "الأمر لا يقتصر على بيوت مدمرة أو عائلات نازحة. القضية حق أساسي للإنسان في السكن اللائق حسب القانون الدولي والمحلي. أي مواطن من حقه أن يعيش في مأوى آمن تُحترم فيه كرامته".
ويضيف: "التأخير في الإعمار، وعدم وضوح الآليات، يضع المواطن أمام حق مهدور. اللجنة القائمة على الملف ملزمة قانونيًا بالشفافية، وتوفير آليات متابعة واضحة، وإلا فإن التأخير يتحول إلى انتهاك مباشر للحق في السكن".
ويؤكد الجملة أن هناك مسؤوليات قانونية واضحة للجهات المشرفة على الإعمار، تشمل وضع جدول زمني محدد، تصنيف المباني حسب درجة الضرر، وضمان وصول الدعم إلى جميع المتضررين، وإعلامهم بحقوقهم.
كما يشير إلى أن غياب هذه الآليات لا يضر فقط بالحق في السكن، بل يفاقم المعاناة الإنسانية اليومية لسكان غزة، ويحول إعادة الإعمار من حق مضمون إلى وعد مؤجل بلا ضمانات قانونية أو عملية.

قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت مخططات عمرانية معتمدة لتنظيم النمو السكاني والبنية التحتية في غزة، لكنها لم تعد صالحة بعد الدمار الهائل الذي حلّ بالقطاع. عميد كلية الهندسة التطبيقية والتخطيط العمراني بجامعة فلسطين، نهاد المغني، يؤكد أن حجم الدمار يفرض إعداد مخطط توجيهي خاص لإعادة الإعمار على مستوى القطاع وكل محافظة، يأخذ بعين الاعتبار الظروف المستجدة التي فرضتها الحرب.
ويشرح المغني أن الأضرار تصنّف بين دمار كلي، وضرر جزئي طفيف، ومتوسط، وبليغ، مشيرًا إلى أن عملية حصر الأضرار بدأت لكنها لم تُستكمل بعد، في وقت لا تزال فيه مبانٍ عديدة آيلة للسقوط، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا لحماية السكان.
ويشدّد على أن إعادة الإعمار يجب أن تكون متزامنة بين المساكن والبنية التحتية، محذرًا من أن إطالة أمد الانتظار لأسباب سياسية واتفاقيات غير معلنة يزيد من تدهور الأوضاع المعيشية والصحية للسكان، مؤكدًا أن غياب الشفافية ينعكس سلبًا على جدوى الإعمار ونتائجه، رغم وجود معايير فنية واضحة.
وبينما يبحث المهندسون عن حلول تخطيطية مستدامة، يبقى الغموض السياسي سائدًا، إذ لم تُعلن بعد آليات التنفيذ، وجهات التمويل، والجداول الزمنية الدقيقة، ما يترك السكان في حالة ترقّب مستمر، ويعكّر وضوح أي خطة إعادة إعمار ممكنة.
بين أنقاض البيوت وغياب الإجابات، لا يطالب سكان قطاع غزة بالمستحيل، بل بحقهم الطبيعي: بيت آمن، وكرامة مستعادة، ومعلومة واضحة. فالإعمار لم يعد مجرد وعود مؤجلة، بل اختبار للشفافية والمساءلة.
بين شهادات المتضررين، والتحذيرات الهندسية، والتنبيهات القانونية، يبقى السؤال معلقًا فوق الركام: متى يبدأ الإعمار؟ وكيف سيعرف المواطن مصير بيته وحقه؟