في مقرّ "مدينة عرفات للشرطة" غرب مدينة غزة، الذي تحوّل مؤقتًا إلى ملجأ للنازحين خلال النزاع، يرفع أبو رومل الدحنون (55 عامًا) حقيبة صغيرة ويُحدق في المكان الذي كان ملاذًا لعائلته لعشرات الأيام، فيما تلقّى النازحون قرارًا من إدارة المخيم بالإخلاء دون توفير مأوى آخر، مما أعاد إليهم شعور القلق وعدم اليقين حيال مصيرهم ومأواهم القادم.

يقول وهو يحاول كبح قلقه: "حتى بعد وقف إطلاق النار ننزح من جديد، هذا الاستقرار لم يدم طويلاً، مكثنا هنا فترة ثم جاؤوا وأبلغونا رسميًا بأنّه يجب علينا مغادرة المكان، دون أن يخبروننا إلى أين سنذهب أو ما البديل".

ويتابع: "المشكلة ليست فقط في الإخلاء، المشكلة أنه عندما لم نستطع المغادرة، انقطعت عنا المساعدات. شعرنا أننا مُعاقَبون لبقائنا. قالوا لنا اخرجوا، وعندما لم نستطع المغادرة بسبب عدم وجود مكان نذهب إليه، توقفت المساعدات عنا. إلى أين سنذهب؟".

أبو رومل واحد من مئات آلاف النازحين في قطاع غزة، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص في قطاع غزة قد نزحوا داخليًا منذ بداية الحرب الحالية، أي نحو 90 ٪ من سكان القطاع تقريبًا لم يعودوا في منازلهم الأصلية بسبب تدميرها أو عدم إمكانية الوصول إليها كونها شرقي "الخط الأصفر"؛ غير أنّ جزء منهم يواجه خطر النزوح الثانوي من جديد حتى بعد وقف إطلاق النار.

بالقرب منه، تحاول أم خالد دواس (33 عامًا) تهدئة أطفالها الذين لم يعودوا يفهمون سبب الانتقال مرة أخرى. تقول: "عندما كانت الحرب قائمة، كنا ننزح تحت القصف والرصاص، أما اليوم فنحن ننزح تحت تهديد الجوع. في كل مرة أقول لأولادي حضّروا أغراضكم، يسألونني: لماذا؟ وإلى أين؟ وأنا لا أملك جوابًا. تعبت من تهدئتهم وأنا أخاف أكثر منهم".

وتضيف: "عندما انقطعت المساعدات، أصبحت مضطرة للاختيار بين الطعام واحتياجات أولادي. الطفل يريد أن يأكل، ويريد أن يتعلم، ويريد أن يشعر بالأمان، وأنا غير قادرة على توفير أيٍ منهم بشكل كامل".

معاناة النزوح تتضاعف أيضًا لدى كبار السن والمرضى. أبو أيمن صيدم (62 عامًا) يعاني من أمراض مزمنة تتطلب متابعة طبية منتظمة، والتنقل المستمر يجعل حياته أكثر خطورة. يقول: "لم أحمل عبء القصف والموت بقدر ما أحمل عبء النزوح والتشرد في هذا السن". 

ويضيف: "أنا غير قادر على تحمل نزوح جديد، فالدواء مرتبط بمكان قريب من المستشفى، وكل مرة ننتقل فيها، تتعب صحتي أكثر، الإخلاء بالنسبة إلي ليس مجرد تعب، ولكن إلى أين سنذهب في الشتاء؟ لا يوجد مكان ننقل إليه بيوتنا مدمرة، وكل شيء مغلق أمامنا".

وفق تقارير الأمم المتحدة، حوالي 92 ٪ من الوحدات السكنية في غزة، ما يقارب 436 ألف منزل، تضررت أو دُمّرت بالكامل نتيجة القصف والأعمال العسكرية، ما ترك آلاف العائلات بلا مأوى. 

مع عودة بعض مظاهر الحياة بعد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح المدارس والمرافق، يواجه آلاف الفلسطينيين معضلة جديدة، وهي إخلاء الملاجئ المؤقتة التي لجأوا إليها، دون أن يُكتب لهم الاستقرار، فيما تكشف حالات النزوح الجديدة فجوات كبيرة في السياسات القائمة داخل قطاع غزة، وتطرح أسئلة حقيقية، مع الإشارة إلى الدور الحيوي لإدارة مواقع النزوح ومراكز الإيواء في تنظيم الانتقال، وتوفير الخدمات الأساسية، وتأمين الدعم الإنساني للنازحين، رغم محدودية الموارد والصعوبات اللوجستية.

النازحون في مقر مدينة عرفات للشرطة أُبلغوا منذ شهر نوفمبر الماضي بقرار إخلاء الموقع. مدير مخيم مدينة الأصدقاء، وهو واحد من نحو 35 مخيمًا مقامة في "مدينة عرفات" التي تضمّ نحو 30 ألف نازح، محمد دواس، يقول: "أُبلغنا شفهيًا بالمغادرة فأبلغنا العائلات قبل شهر بقرار مغادرة الموقع، إلا أن النازحين رفضوا الخروج لعدم توفر أماكن آمنة داخل المدينة". 

يضيف: "هدفنا هو نقل العائلات لتأمين واقع أفضل للنازحين، مع مراعاة الحدّ الأدنى من الخدمات الأساسية، لكن واقع الأرض والموارد محدود، وأحيانًا تضطرنا القرارات للتحرك بسرعة".

 

بعد نحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من تداول خبر الإخلاء وتفاصيله، تلقت المؤسسات العاملة في الموقع إشعارًا بوجود قذائف غير منفجرة داخل المقر، وأن استمرار عملها وتقديم الخدمات قد يعرّض طواقمها للخطر. 

ونتيجة ذلك، يقول دواس انسحب عدد من المؤسسات الإغاثية منها "الفارس الشهم، فارس العرب، أكتد"، وتوقفت الخدمات الأساسية، ما ترك السكان في عزلة خدمية وضغط معيشي إضافي. لاحقًا، عادت بعض المؤسسات إلى العمل جزئيًا منها "مركز تطوير بيت لاهيا" بعد تعثر إيجاد حل بديل للعائلات المقيمة.

أما عن سبب توقف المساعدات بعد صدور قرار الإخلاء، يوضح دواس: "مهمتنا تقتصر على إدارة ما يرد، نحاول توزيع الدعم حسب المواقع المخصصة، وأحيانًا يحدث تأخير أو انقطاع من قبل المؤسسات الداعمة في عملية التوزيع وتقديم المساعدات".

تتوافق معاناة النازحين في "مدينة عرفات" مع ما رصده المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي، الذي أكد أن المرافق العامة، كالمدارس والمستشفيات والمقار الحكومية، استُخدمت كملاجئ جماعية خلال الحرب، وأن عمليات الإخلاء بعد وقف إطلاق النار غالبًا ما تمت دون توفير بدائل آمنة أو خطط انتقالية واضحة، ما تسبب في موجات جديدة من النزوح الثانوي. 

ولفت التقرير إلى أنّ غياب البدائل وغياب الضمانات الإجرائية والشفافية في تنفيذ الإخلاءات جعل الأسر تعتمد على أراضٍ مفتوحة أو مبانٍ غير مكتملة البناء أو أقاربها، مع تعرض النساء والأطفال وكبار السن للمخاطر الصحية والاجتماعية، وانقطاع الأطفال عن التعليم، وحرمان المرضى من الرعاية الصحية الدورية. 

ويؤكد المرصد أن هذه الممارسات تُعد إخلاءً تعسفيًا وفق المبادئ التوجيهية للنزوح الداخلي (1998)، وتشكل خرقًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في السكن الملائم والرعاية الصحية والتعليم، وحماية الفئات الأكثر هشاشة."

على الصعيد القانوني، يُشكِّل القانون الفلسطيني، على مستوى الدستور والتشريعات، أساسًا لحماية الحقوق الأساسية للسكان، بما في ذلك النازحين داخليًا. ورغم غياب قانون خاصّ بالنزوح الداخلي، فإنّ القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003، والقوانين القطاعية المتعلقة بالصحة والتعليم وحقوق الطفل، تفرض التزامات مباشرة على السلطات والمؤسسات العامة لضمان حماية النازحين وعدم تعريضهم لمخاطر إضافية.

كما يكمل القانون الدولي الإنساني هذه الحماية، حيث تضع اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها قواعد صارمة لحماية المدنيين من النقل القسري والنزوح غير المبرر، بما يضمن حقهم في السكن الملائم والرعاية الصحية والتعليم، مع حماية خاصة للفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال والنساء وكبار السن.

المحامي عبد العزيز طومان يوضح أن اتفاقية جنيف الرابعة، في مادتها (49)، تحظر النقل الجبري أو الترحيل الجماعي للأشخاص المحميين، ولا تجيز إخلاء المدنيين إلا في حالتين محددتين: الضرورة العسكرية القهرية أو حماية المدنيين أنفسهم من خطر مباشر.

ويضيف أن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (المادة 51) يحظر اتخاذ تدابير من شأنها إرهاب السكان المدنيين أو دفعهم إلى النزوح، فيما يؤكد البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف في المادة (17) أنه لا يجوز أمر المدنيين بالإخلاء في النزاعات غير الدولية إلا إذا اقتضت ذلك أمنهم أو أسباب عسكرية حتمية، مع الالتزام بتوفير ظروف ملائمة من المأوى والصحة والسلامة.

ويشير طومان إلى أنه حتى إذا كانت المباني مملوكة لجهات حكومية وأُتيح استخدامها كمراكز إيواء بشكل استثنائي خلال فترة الحرب، فإن ذلك لا يُسقط الالتزامات القانونية تجاه المدنيين الذين لجأوا إليها. فوقف إطلاق النار أو تراجع العمليات القتالية لا يجيز الإخلاء التلقائي إذا كان القرار سيؤدي عمليًا إلى تشريد فعلي أو تعريض العائلات لمخاطر جديدة، خاصة في ظلّ دمار واسع النطاق وانعدام بدائل سكنية آمنة.

ويؤكد أن القانون لا يمنح النازحين حقًا مطلقًا بالبقاء في تلك المقرات إلى أجل غير محدد، لكنه يُلزم الجهات المختصة، قبل أي إخلاء، بالتحقق من توفر بدائل واقعية وآمنة، وضمان أن يكون القرار متناسبًا وغير تعسفي، وألا يترتب عليه انتهاك لحق المدنيين في الحماية والكرامة الإنسانية.

ويشدد طومان على أن أي إخلاء يتم دون مبرر قانوني واضح، أو دون اتخاذ تدابير تضمن عدم التشريد أو تعريض المدنيين لخطر، قد يُصنَّف كإجراء مخالف لأحكام القانون الدولي الإنساني، ويفتح الباب أمام مساءلة قانونية.

ختامًا، تظهر الوقائع وتقرير المرصد أن إخلاء النازحين بعد وقف إطلاق النار، بلا بدائل آمنة أو خطط واضحة، يفاقم النزوح الثانوي ويُهدد حقوقهم الأساسية في السكن، الصحة والتعليم، ويزيد معاناة الفئات الأشد هشاشة. فيما يشدد حقوقيون على أنّ حماية النازحين تتطلب إجراءات واضحة، بدائل آمنة، وضمانات تحمي كرامتهم واستقرارهم.