أمسكت فداء إسماعيل بهاتفها المحمول ذات مساء، تتنقل بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن تبحث عن شيء محدد، غير أن إعلانًا لافتًا تصدّر الشاشة وأوقف إصبعها في منتصف الحركة: "دورة لتعليم تداول العملات الرقمية في غزة"، مصاغة بلغة توحي بالدخول إلى عالم المال السريع، وبوعود تبدو أقرب إلى طوق نجاة في بحر اقتصادي مضطرب. سجّلت وقد اعتقدت أن بابًا جديدًا يُفتح لتحسين أوضاعها المالية.
قبل الحرب، كانت إسماعيل قد خاضت تجربة أخرى، انتهت بمرارة أكبر. دفعت 400 شيكل رسومًا لدورة تدريبية، ثم باعت مصاغًا ذهبيًا بقيمة 400 دولار، لتضع المال في منصة تداول بناءً على توصيات المدرب. وكانت الخطوة مدفوعة بالأمل أكثر مما هي قائمة على معرفة راسخة بالسوق.
تقول، وهي تستعيد ما تعلّمته هناك: "تخرجت من قسم البرمجيات، ولم أجد عملًا في مجالي، فقلت لم لا أجرب طريق التداول. لكنني ندمت أشد الندم على خوض تجربة كهذه. لقد تركتهم يمارسون نصبهم عليّ، والحقيقة أن المخاطرة احتمالها أعلى من الأمان".
تجربتها لم تكن استثناءً، إذ تشير إلى أن عدد من أصدقائها خسروا أموالهم في منصات التداول. تضيف: "إحدى صديقاتي باعت كامل مصاغها طمعًا في أرباح أكبر، وأخرى استدانت أكثر من ألفي دولار بعد أن أُقنعت بأنّ الأرباح مضمونة. لكن الحقيقة كانت عكس ذلك". وتوضح أنّ مَن ربح فعلًا هو من دخل هذا العالم قبل سنوات، حين كانت عملة البيتكوين منخفضة الثمن. أما الآن فالمنافسة شرسة والمخاطرة مضاعفة.

في قطاع غزة، حيث ترتفع نسب البطالة لتطال ثلثي السكان وتتقلص فرص العمل، تبدو أسواق تداول العملات الرقمية لكثير من الشباب نافذة أمل، أو هكذا توحي الإعلانات؛ لكن الواقع أكثر تعقيدًا، فمجرد دورة للمبتدئين لن تمنحهم فهمًا حقيقيًا لأسس السوق العالمي، أو تسليم المال لشخص أو مركز يتعهد بالتشغيل، وكلا الطريقين قد يقود إلى النتيجة ذاتها: الوقوع في فخ النصب والاحتيال.
بعد النزاع، عادت مراكز الدورات المتخصصة في تعليم تداول العملات الرقمية إلى مزاولة نشاطها، رغم أن وزارة الاقتصاد كانت قد أصدرت في وقت سابق قرارًا يمنعها من العمل ويحذّر من مخاطرها. لكن عودتها جاءت في ظلّ أوضاع اقتصادية أكثر هشاشة، حيث يتجدد الإقبال عليها بين الباحثين عن مصدر دخل سريع في بيئة تندر فيها فرص العمل، وتنعدم فيها فرص العمل بعد حرب أنهكت المجتمع اقتصاديًا ودمّرته.
محمد مصطفى، شاب في العشرينات من عمره، سلّم قبل السابع من أكتوبر 2023 بفترة وجيزة مبلغًا من المال إلى صديق تعرّف إليه في دورة تداول، ليشغّله له على المنصات الرقمية. بعد عدة أشهر، أخبره الشاب أن المبلغ فُقد بالكامل أثناء التداول، لتنشب بينهما مشادة.
يقول مصطفى: "تعرفت على ذلك الشاب في دورة للتداول، وكانت لديه خبرة كبيرة في هذا المجال. فوثقت به عندما طلب مني المال وقلت سأربح حتمًا، لكن الحقيقة أنني تعرضت للنصب برضاي".
لاحقًا، علم أن صديقه نفسه أوقع عددًا كبيرًا من الراغبين في الحصول على مال سريع. في كل مرة، كان يحمّل الخسارة لتقلّبات العملات، لا لقراراته. مدّعيًا أنه نفذ ما تعلّمه في "الكورس". حاول كثيرون استرجاع أموالهم، لكن تداعيات الحرب حالت دون ملاحقته أو مساءلته.
أما أحمد علي، فدخل عالم التداول بعد تلقيه دورة تدريبية مكثفة في أحد مراكز غزة. وحينها نصحه متدربون تلقوا الدورة نفسها بالانسحاب فورًا، معتبرين أن ثمن الدورة المرتفع يمكن استثماره في أي مجال آخر؛ لكنّه أصر على الاستمرار.
يقول، ممسكًا بدفتر صغير يضعه في جيبه دائمًا ويحتوي على مبالغ استدانها: "في بداية انتشار فكرة التداول الرقمي في غزة، كان عمري 18 عامًا. دخلت المجال وحدي. كنت أضع أموالي في المنصات. أخبروني أنه كلما وضعت مبلغًا أكبر ستجني أكثر. استدنت أكثر من 3000 دولار لأشتري العملات، وكل مرة كنت أخسر".

منذ مارس 2023 وما قبله، حظرت وزارة الاقتصاد الوطني في غزة التعامل في العملات الورقية، وأصدرت قرارًا يقضي بمنع أي شركة أو جهة من التعامل في مجالات التداول بالعملات الرقمية من خلال تشغيل أموال المواطنين، في سياق قرارات عديدة تجرّم العمل في هذه العملات، لا سيما تجارة الفوركس، وحتى المراكز التدريبية طالها المنع.
في هذا الإطار، توجّهت مراسلة "آخر قصة" إلى المدير العام والمكلف بالدراسات والتطوير في وزارة الاقتصاد محمد بربخ، للسؤال عن دور الوزارة في متابعة ملف تداول العملات الرقمية بعد الحرب: كيف عادت بعض المراكز للعمل رغم قرار المنع؟ ما الإجراءات الرقابية المتخذة؟ وهل تلقت الوزارة شكاوى جديدة؟
يقول بربخ إن الوزارة كانت تتابع وتراقب هذا المجال، وأغلقت بالتعاون مع الجهات الأمنية مؤسسات تشغّل الأموال رقميًا في غزة، وكُشف العديد من الجهات التي مارست الاحتيال والنصب. لكنه يقرّ أنهم لم يتابعوا الأمر مطلقًا منذ اندلاع النزاع قبل عامين: "في الحرب لا توجد متابعة للملف ولا للمراكز التدريبية الحالية إثر الظروف الأمنية، واقتصر دورنا على التحذير والتوعية".
قبل الحرب، تعاملت وزارة الاقتصاد مع خمس قضايا وصلت إليها عبر شكاوى مواطنين. استُدعي المسؤولون، ورفضوا تقديم معلومات، وبعد التحقق والعمل مع الجهات الأمنية تبيّن أنها شركات احتيال بامتياز، وتم إغلاقها. وأشار بربخ إلى أن حالات الاحتيال السابقة شملت شركتين وأربع حالات لعمل فردي تجميعي للأموال، فيما يُعرف بالاستثمار الهرمي، وقدّرت الأموال المنهوبة بنحو 15 مليون دولار.

اقتصاديًا، يعرّف المختص أحمد أبو قمر التداول الرقمي بأنه أي عملية بيع وشراء تتم عبر الإنترنت، سواء كانت عملات أجنبية في سوق الفوركس، أو أسهمًا وسندات، أو عملات رقمية مثل البيتكوين. هذا النوع من التداول انتشر عالميًا ووصل إلى غزة، حيث اعتبره كثير من الشباب متنفسًا اقتصاديًا في ظلّ الحصار وقلّة فرص العمل.
يوضح أبو قمر أنه يمكن تحقيق أرباح فعلية عند التداول بدراية وعلم، لكن في المقابل هناك وهم الثراء السريع الذي تروّج له الإعلانات ووسائل التواصل، ما يدفع كثيرين إلى دخول السوق دون معرفة كافية. ويشير إلى أن سوق التداول يحمل مخاطر عالية، ولهذا يوجد مفهوم أساسي هو “إدارة المخاطر”، وهو عنصر ضروري لأي شخص يريد الدخول في هذا المجال.
ويؤكد أن الخسارة لا تعني فقط ضياع مدخرات فردية، بل خروج سيولة نقدية من غزة إلى أسواق خارجية، وزيادة الأعباء المالية على الأسر، دون أن يسهم ذلك في بناء اقتصاد حقيقي أو إنتاج محلي. التداول الرقمي، كما يقول، ليس حلًا سحريًا للأزمة الاقتصادية، بل أداة مالية تحمل فرصًا ومخاطر، والدخول إليه يجب أن يكون قائمًا على التعلم والثقافة المالية وإدارة المخاطر، لا على اليأس أو البحث عن ربح سريع.

من الناحية القانونية، لا توجد قوانين محلية واضحة في قطاع غزة تنظم التداول الرقمي وتحمي المتداولين. تنتشر منصات غير موثوقة وأخرى وهمية عبر الإعلانات، وبعض الأشخاص تعرضوا لإغلاق حساباتهم أو تجميد أموالهم، فخسروا مدخراتهم، ما يجعل التحقق من مصداقية المنصات خطوة أساسية قبل فتح أي حساب.
يقول المحامي حماد اظهير إنه لا يوجد في قطاع غزة قانون خاص بالتداول الرقمي أو العملات الرقمية ينظم العلاقة بين المتداولين وجهات التداول أو بينهم أنفسهم. يشير إلى أن القانون رقم (41) لسنة 2022 بشأن المدفوعات الوطنية، المطبق في الضفة الغربية، ينص على حظر التداول بالأصول الافتراضية أو أي نشاط كمقدم خدمات لها حتى يتم تنظيمها لاحقًا.
كما يلفت إلى القانون رقم (39) لسنة 2022 في فلسطين، الذي يعرّف الأصول الافتراضية ويضع إطارًا عامًا للتعامل معها في سياق مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، لكنه لا ينظم السوق أو يمنح تراخيص.
كذلك فإن قانون المعاملات الإلكترونية رقم (15) لسنة 2017، المطبق في قطاع غزة، ينظم الجوانب العامة للمعاملات الإلكترونية كالتوقيع الإلكتروني وحجية المحررات الرقمية، لكنه لا يتضمن تنظيمًا خاصًا بالتداول الرقمي أو حماية حقوق المتداولين في منصات العملات الرقمية.
لذلك نعود إلى القواعد العامة في القانون، لا سيما القانون المدني، في ظل غياب تنظيم قانوني متخصص يحمي حقوق المتداولين في العمليات الرقمية.
ويضيف أن سلطة النقد الفلسطينية لعبت دورًا منذ عام 2017 في الرقابة والتدقيق على هذا المجال، إذ منعت البنوك من تسهيل التداول بالعملات الرقمية حفاظًا على أموال المواطنين، لأن هذه العملات، وفق توصيفها، وخاصة البيتكوين، تنطوي على مخاطر مرتفعة وغير مضمونة من أي جهة.
في واقع اقتصادي يطغى عليه الفقر والبطالة، يتحول التداول الرقمي لدى كثير من شباب غزة من فرصة مأمولة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. ومع غياب تنظيم واضح ورقابة فاعلة، تكشف تجارب الخاسرين أن التداول قد يثقل كاهل أصحابه بدل أن يخففه. بين إعلان لامع على شاشة هاتف، ودفتر ديون صغير في جيب شاب عشريني، تتسع الفجوة بين الوعد والواقع، وتصبح الحاجة إلى الوعي المالي والحماية القانونية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.