في العادة، تُستخدم الأرقام لتجريد المعاناة، لكن في هذه القصة، الأرقام هي شهود الإثبات. منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد الجهاز الصحي في غزة موجودًا بالمعنى الطبي؛ فقد تحول إلى مشرحة كبيرة.
بينما كان يُركز العالم على أعداد الشهداء المباشرة، كان هناك مئات من الأشخاص يموتون بصمت، ليس تحت الأنقاض، بل في طوابير الانتظار للحصول على إذن بالعلاج خارج أسوار القطاع المحاصر.
ويظهر تحليل المعطيات التي حصلت عليها "آخر قصة" أنه وقبل اندلاع الحرب على غزة، كان حوالي 1,600 مريض يحتاجون شهريًا للسفر للعلاج. اليوم، هناك أكثر من 18,500 مريض عالق، تدهورت حالاتهم الصحية بينما كانت أعينهم على معبر رفح المغلق، ثم على آليات الإجلاء الجديدة التي أثبتت فشلاً ذريعاً.

مقارنة أعداد المرضى


تضيع الأيام المتبقية من حياة المرضى في المناشدات التي تُطلق عبر منصات التواصل الاجتماعي من أجل السعي العاجل لإجلائهم من القطاع، فيما تُزهق الأرواح قبل أن يُؤذن لهم بالعلاج.
وتوفي الشاب محمد ضبان في فبراير/شباط الماضي، بعدما أطلق العشرات من صرخات الاستغاثة مطالبًا بأبسط حقوقه الإنسانية، الحق في العلاج، لكن صرخته تلاشت بعد أن أُعلن نبأ وفاته.
وكان الشاب ضبان يعاني من متلازمة ستيفن جونسون النادرة، التي حولت جسده الغض إلى قروح وحروق شديدة، وأثقلت آلامه يومًا بعد يوم، حتى فارق الحياة.
قبل ستة أيام فقط من وفاة ضبان، كانت الطفلة لانا زعرب تواجه المصير ذاته. تقول والدة الطفلة: "كانت تنظر إلى باب الغرفة كل صباح، تنتظر من يأخذها للعلاج". لكن المناشدات التي بثتها العائلة عبر منصات التواصل لم تجد آذاناً صاغية.
يكشف تقرير طبي اطلعت عليه "آخر قصة" أن لانا كانت تعاني من متلازمة "فانكوني بيكل" النادرة، التي تسببت في انهيار حاد لوضعها الصحي، مع لين شديد في العظام، وتضخم خطير في الكبد والطحال، والتهابات متكررة في الجهاز التنفسي.
وتؤكد مصادر طبية في غزة تحدثت إليها "آخر قصة" أن حياة لانا كان يمكن إنقاذها لو سمح لها بالسفر للعلاج، لكنها توفيت قبل أن يصل دورها في قائمة الانتظار الطويلة.
زعرب وضبان هما نموذجان لعشرات المرضى الذين توفوا قبل أن يسمح لهم الاحتلال بالسفر لتلقي العلاج في ظل القيود المفروضة على حركة معبر رفح البري من الجانب الإسرائيلي.

الخط الزمني للموت والانتظار


ومن الناحية العملية، تؤكد مؤسسات حقوقية اطلعت "آخر قصة" على تقاريرها أن التعنت الإسرائيلي لم يبدأ مع الحرب، بل هو نتاج "سياسة منهجية عمرها عقود" كما تصفها "مسلك- جيشاه" (وهي مؤسسة حقوق إنسان إسرائيلية تهدف للدفاع عن حقوق سكان قطاع غزة).
ووفقًا لبيانات المؤسسة، فإن نظام التصاريح ما قبل الحرب كان معقدًا ومهينًا، لكنه كان على الأقل يسمح بمرور 81% من الطلبات. ففي يوليو/تموز 2023، تم تقديم 1,851 طلبًا، تمت الموافقة على 81% منها، نصفها تقريبًا (47%) كان للعلاج في القدس الشرقية.
كان الطريق إلى العلاج شاقًا، يبدأ بتوجيه من طبيب، ثم مصادقات مالية من وزارة الصحة في رام الله، يتبعها تنسيق موعد في المستشفى المستقبل، ثم التقديم للإسرائيليين الذين كان ردهم يصل غالبًا قبل الموعد بيوم واحد فقط، تاركًا المريض في حالة من القلق والترقب.
ومن وجهة نظر "مسلك" فإن هذا السلوك يُسمى "العنف البيروقراطي".
ويكشف التمحيص في الكشوفات أنه عندما اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي رفح وأغلقت المعبر في 7 مايو/أيار 2024، تحولت الأزمة إلى كارثة إنسانية مروعة. فجأة، أصبح 12,760 مريضًا يحتاجون إلى الإجلاء الطبي عالقين خلف بوابات حديدية.
في الفترة القصيرة التي سبقت الإغلاق، كان يتم إجلاء حوالي 50 مريضًا يوميًا عبر رفح، أي ما مجموعه 4,895 مريضًا.
بعد الإغلاق، وُلدت "آلية الدول الثالثة" البطيئة والمعقدة، التي نقلت المسؤولية من الاحتلال الإسرائيلي إلى العالم. فبدلاً من 50 مريضًا يوميًا، أصبح المعدل الشهري للإجلاء عبر الآلية الجديدة لا يتجاوز 70 مريضًا فقط في بعض الفترات.
هنا يتجلى المشهد الأكثر مأساوية: المرضى المسجلون للإخلاء يموتون بأعداد هائلة أثناء الانتظار. بحلول يناير/كانون الثاني 2026، أكدت وزارة الصحة في غزة أن 1,268 مريضًا لقوا حتفهم وهم على قائمة الانتظار.
وتزايدت الأزمة تعقيدًا، مع تدمير إسرائيل 81% من مباني القطاع، ومقتل حوالي 1,700 من الطواقم الطبية. وحتى فبراير/شباط 2026، لا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته في غزة؛ فقط 18 من أصل 36 مستشفى تعمل بشكل جزئي.
ويظهر تحليل المعطيات التي جمعتها "آخر قصة" أنه قبل الحرب، كان هناك حوالي 350,000 مريض مزمن يحتاجون إلى رعاية مستمرة. ولكن مع انقطاع الكهرباء والوقود والأدوية، تحولت أمراضهم المزمنة إلى حكم إعدام فوري، وهذا الواقع لا يعكس انهيارًا صحيًا عاديًا؛ بل تفكيك ممنهج للمنظومة الصحية برمتها.

انهيار القطاع الصحي


تتوقف القواعد العامة عندما تبدأ المعاناة الفردية. فقضية الطفل زاهر، ذو الخمسة أعوام، مريض السرطان، تكشف قمة العنف الممارس بحق المرضى.
وتنقل "آخر قصة" عن أسرة زاهر أنه كان يعيش أصلاً في الضفة الغربية لتلقي العلاج، وعنوانه مسجل في غزة. وعندما احتاج علاجًا مناعيًا منقذًا للحياة في إسرائيل، رُفض طلبه.
ويشير أقرباؤه إلى أن "قرار المحكمة الإسرائيلية كان صادمًا، حيث رفضت علاجه لأن وجود أقارب له في غزة قد يعرضه لـ "ضغوط". إن منطق القاضي فينوغراد يحول كل فلسطيني إلى قنبلة موقوتة لمجرد أن عائلته تعيش تحت القصف".
وبالمثل، الطفل "وحيد" الذي اطلعنا على قصته، انتظر عامًا كاملًا كي يُسمح لوالدته بمرافقته، بعد أن رفضت إسرائيل خروجها "لأسباب أمنية" لم تُذكر، لتتراجع عنها بعد ضغط قانوني.
وكذلك المريض "نمر" الذي علمنا بحاجته لتلقي العلاج هو وابنه البالغ 17 عامًا، وكلاهما يعانيان من مرض السرطان، غير أنه فقد ابنه أثناء انتظار الإجلاء، ليُسمح له في يناير/كانون الثاني الماضي بالخروج إلى الضفة الغربية، وهي المرة الأولى التي يُسمح فيها بذلك منذ اندلاع الحرب. وهذا الأمر من منظور "مسلك" يشكل شرخًا في سياسة المنع الإسرائيلية.

وجوه العالقين - قصص من المأساة


وبالغوص في تفاصيل النظام البيروقراطي، نجد أن التعقيد ذاته هو الهدف، وليس مجرد نتيجة ثانوية. لا تنظر إسرائيل إلى السماح بإجلاء المرضى إلى دولة ثالثة كواجب، بل كمنّة ومبادرة حسن نية، وهو أمر يناقض ما نصت عليه القوانين الدولية، وفقًا لما قاله مستشارون قانونيون في أحاديث منفصلة لـ"آخر قصة".
ويحمي القانون الدولي الإنساني المرضى والجرحى بغض النظر عن انتمائهم، ويعد إعاقتهم عن تلقي الرعاية انتهاكًا جسيمًا.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يوجب القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف) على أطراف النزاع البحث عن الجرحى والمرضى وإجلائهم وتوفير الرعاية لهم، ويحظر استهدافهم أو استهداف المنشآت الطبية. ويجب أن تكون عمليات الإجلاء طوعية وآمنة، وتُعتبر استثناءً، ولا يجوز استخدامها كعقاب جماعي.
غير أن كل تلك النصوص القانونية، لم تقف حائلًا أمام السياسات الإسرائيلية المتبعة في التعامل مع سكان قطاع غزة – الذين يزيد عددهم على مليوني إنسان، نصفهم من الأطفال – والتي تتعامل معهم باعتبارهم خطرًا أمنيًا.
وعلى الرغم من إعادة فتح معبر رفح في فبراير/شباط 2026، فإن وتيرة 50 مريضًا يوميًا تبدو كقطرة في محيط. تتبعت "آخر قصة" كشوفات المغادرين خلال الأيام الأربعة الأولى، فتبين أنه سُمح بخروج 36 مريضًا فقط بدلاً من 200.
وبالمقارنة، يحتاج 18,500 مريض إلى الإجلاء الفوري، أي أن الأمر سيستغرق عامًا كاملاً بمعدل 50 مريضًا يوميًا لإخلاء القائمة الحالية فقط، بافتراض عدم وجود مرضى جدد، وهو افتراض مستحيل في ظل استمرار عمليات خرق قرار وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

السيناريوهات المستقبلية لواقع المرضى في قطاع غزة


ومع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، في الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، أُغلق المعبر الذي يشكل الأمل الوحيد أمام المرضى الذين ينتظرون على قوائم الإجلاء. ومنذ ذلك الوقت لا يُسمح بالدخول أو الخروج من القطاع.
وما يزيد الأمر تعقيدًا، أن المستشفيات القليلة العاملة في القطاع تفتقر إلى أجهزة الفحص الإشعاعي، الأمر الذي يعقّد تشخيص الأمراض.
يقول زاهر الوحيدي، رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة، إن القطاع يعاني انعدامًا كاملًا لأجهزة الرنين المغناطيسي، موضحًا أن سبعة أجهزة كانت موزعة سابقًا بين المستشفيات والعيادات، لكنها خرجت جميعها عن الخدمة بالكامل. هذا الغياب، كما يوضح الوحيدي، حرم المرضى من وسيلة التشخيص الأهم، لا سيما في الحالات الدقيقة التي تمس الدماغ والأعصاب والعمود الفقري والمفاصل، حيث يصبح التصوير المغناطيسي ضرورة لا ترفًا.
ويضيف الوحيدي أنّ الأزمة لا تتوقف عند هذا الحدّ؛ فعدد أجهزة الأشعة المقطعية العاملة تراجع إلى سبعة فقط بعد أن كانت سبعة عشر قبل الحرب، بينما انخفض عدد أجهزة الأشعة الملونة من سبعة إلى جهازين، وكذلك أجهزة تصوير الثدي (الماموغرام) من سبعة إلى جهازين فقط.
ويؤكد الوحيدي أنّ الاحتلال يمنع دخول الأجهزة والمعدات الطبية بحرية إلى القطاع منذ ما قبل الحرب، مشيرًا إلى أنه لم يُدخل أي جهاز طبي جديد منذ عامين، بينما دُمّرت الأجهزة الموجودة نتيجة استهداف المشافي، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية.
في المقابل، توضح المحامية ماجدة شحادة أن المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تُلزم الاحتلال بتوفير الأدوية والإمدادات الطبية الضرورية، وضمان استمرار الخدمات الصحية بما يتناسب مع احتياجات السكان. كما تؤكد أن المادة 18 تحظر مهاجمة المستشفيات أو عرقلة عملها تحت أي ظرف، وتُلزم القوة المحتلة بحمايتها واحترام طواقمها الطبية.
لكن الواقع في غزة، كما تقول شحادة، يكشف عن نمطٍ متكرر من الانتهاكات سبق الحرب الأخيرة بسنوات طويلة. فمنع دخول الأجهزة الطبية الحديثة، وتأخير التصاريح الخاصة بإخراج المرضى، أصبح سياسة دائمة تخنق النظام الصحي من الداخل وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان.
وتضيف المحامية: "هذه القيود ليست فقط انتهاكًا قانونيًا، بل جريمة إنسانية عندما تُترجم إلى موتٍ بطيء لمرضى ينتظرون علاجًا كان يمكن إنقاذهم به لو أُتيح لهم جهاز أو دواء".
وتؤكد أنّ استمرار هذه الممارسات ينقل مسؤولية التدهور الصحي من خانة الكارثة الإنسانية إلى خانة المساءلة القانونية، إذ يُعدّ الحصار المفروض على القطاع شكلاً من العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي. فحين تُمنع الأجهزة التشخيصية الحيوية من الدخول ويُمنع المرضى من السفر، لا يتضرر النظام الصحي فحسب، بل تُنتزع أبسط حقوق الإنسان في البقاء على قيد الحياة.