يمشي الحاج محمود الطويل (60 عامًا) ببطء في شوارع النصيرات وسط قطاع غزة، تتنقل عيناه بين بسطات الدجاج واللحوم المعروضة حديثًا. يقترب أحيانًا ليتفحص اللون والملمس، كأنما يزن بعينيه صلاحيتها. ورغم أنه لا يشتري سوى من محال اعتاد التعامل معها، إلا أنه يتفحص جميع البسطات في المدينة، مدفوعًا بالفضول والخبرة معًا.

يصل إلى المحل الذي يثق به، يرى لحومًا ودواجن نظيفة، فلا يشك في جودتها. لكن ما جرى مؤخرًا من عملية ضبط أطنان من الدواجن الفاسدة قبل دخولها الأسواق جعله أكثر حذرًا في الاختيار. يقول، ممسكًا بكيس بلاستيكي فيه دجاجتان اشتراهما من "محله الموثوق": "طوال الطريق وأنا أراقب بسطات الدجاج واللحوم في كل مكان، أخشى أن يكون شيء فاسد قد دخل السوق. لكن خبرتي تساعدني على التمييز بين الجيد والمنتهي الصلاحية".

مؤخرًا ضُبط في غزة نحو 44 طنًا من الدجاج الفاسد، جرى إتلافها، ما أثار جدلًا واسعًا بين المواطنين. وُجهت أصابع الاتهام إلى تجار بعينهم، فيما تبادلت الأطراف النفي، وتضاربت الروايات حول المسؤول الأول عن استيراد الشحنة. في الشارع تصاعد الغضب إذ شعر كثيرون أن التجار تعاملوا معهم كمستهلكين فقط، دون اعتبار لصحتهم أو آدميتهم.

فاطمة مرتجي (59 عامًا) كانت من بين هؤلاء. تقول إنها منذ أن رأت صور الدجاج بحالته السيئة ولونه الغريب، لم تعد قادرة على تناوله. تقول: "انتابني الشك، وقفت أتفحص الدجاجة التي أحضرتها ابنتي، خشيت أن تكون عليها علامات تلف فرفضت شراءها، لكن أولادي أصروا على طبخ المقلوبة، فوافقت، لكنني لم أستطع تذوقها".

القضية أثارها الصحافي عبد الحميد عبد العاطي، الذي قال، استنادًا إلى معلومات وصلته، إن التاجر أحمد حدايد الموقوف بتهمة إدخال الدجاج الفاسد إلى غزة ربما تعرّض لعملية نصب من المصدر الذي ورد له البضاعة، ولم يكن على علم بفسادها. وأوضح أن الشحنة جاءت من "مذبح عيد" في رهط، الذي يمتلكه تامر وياسر القديري.

بعد توجيه الاتهامات إلى أحمد حدايد المكنى بـ "أبو شوقي" وتحميله مسؤولية إدخال 44 طنًا من الدجاج الفاسد، تلقى عبد العاطي اتصالًا من التاجر تامر القديري من رهط، نفى فيه مسؤوليته الكاملة. وقال: "عملية الشراء تمت بناءً على طلب من حدايد قبل عشرة أشهر، ودوري اقتصر على تنفيذ الشراء والنقل فقط، دون تدخل فيما بعد". مشيرًا إلى أن تجار غزة يطلبون أصنافًا رخيصة ومنخفضة الجودة، وأن إدخال البضاعة تم رغم العلم بانتهاء صلاحيتها من قبل حدايد.

وتابع: "أبو حدايد حاول عدة مرات إدخال هذه البضاعة سابقًا، لكنه تمكن من ذلك خلال الأيام الماضية بعد فتح باب التنسيق. كما أن عملية التجميد تمت بشكل خاطئ، وبناءً على طلبه تم شراء دجاج رخيص من نوع (طريف وجناح بيت)" وكان طالب عبد العاطي بتوقيف حدايد وتجميد حساباته البنكية حتى انتهاء التحقيق، ومحاسبة كل من له يد في إدخال الدجاج الفاسد إلى غزة.

وردًا على ذلك، أصدرت عائلة حدايد بيانًا قالت فيه: "إن ابننا أحمد حدايد اشترى هذه البضاعة من (مذبح عيد) في مدينة رهط، وتحديدًا من التجار تامر القديري وياسر القديري وأبو عادل القديري، على أساس أنها بضاعة سليمة ومطابقة للمواصفات وذبح جديد (طازج). لكنه اكتشف لاحقًا تلفها، ولم يكن على علم بسوابق هؤلاء في الاحتيال. وقد نسّق مع وزارة الاقتصاد لإتلاف الكمية بالكامل فورًا".

وفي تطور لاحق، أفادت قنوات محلية بأن مباحث التموين أوقفت التاجر محمد شوقي أحمد أبو حدايد، وجرى احتجازه في سجن أصداء جنوب قطاع غزة، على خلفية قضية ضبط نحو 44 طنًا من الدجاج الفاسد. ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي مفصل يوضح طبيعة التهم أو مسار التحقيقات.

وسط هذا المشهد المعقد من الاتهامات المتبادلة، تتصاعد الأسئلة في الشارع الغزي: ما حجم الكمية المضبوطة فعليًا؟ هل دخلت كميات أخرى إلى الأسواق؟ كيف تمت عملية الضبط؟ ومن هي الجهات التي اكتشفتها وأتلفتها؟ ومن المسؤول عن إدخال الدجاج الفاسد إلى غزة؟

للإجابة، توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى وزارة الاقتصاد، حيث قال القائم بأعمال مدير عام الدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية، محمد بربخ: "وصلتنا معلومة تفيد بوجود بضاعة عُرضت على تاجر من غزة، لكن تواريخها كانت مغيرة. تلقينا صورًا من المعبر، إلى جانب فيديو لسيارة التحميل. تعاملنا مع المعلومة فورًا، وتم توقيف سيارتين تحملان 52 مشطاحًا".

وأضاف: "بعد الفحص تبين أن 45 مشطاحًا كانت تالفة بسبب الفساد وتغيير التواريخ والتلاعب بها". وأوضح أن التاجر أحمد حدايد يدعي أنه اشترى من الداخل من مذبح عيد أولاد القديري، وأنه لا يعلم بالأمر، بينما يؤكد أولاد القديري أنه كان على علم بفساد الشحنة. كما أشار إلى وجود حديث عن سيارة ثالثة، لكنها لم تدخل ولم يصلوا إلى معلومات واضحة حول مصيرها.

وأشار بربخ إلى أن الكمية المضبوطة بلغت نحو 44 طنًا من المجمدات الفاسدة والمنتهية الصلاحية. وتم ضبطها عند نقطة تفتيش بالقرب من منطقة "فش فرش" جنوب قطاع غزة، حيث جرى التحفظ عليها ونقلها إلى إحدى الثلاجات، ثم فحصها وإتلافها وفق الأصول، بالتعاون مع وزارة الصحة.

من الناحية القانونية، لا يُعد تداول الدجاج الفاسد مجرد مخالفة؛ إذ يقول المحامي حماد ظهير إن ذلك يشكل جريمة غش وفق قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936 النافذ في قطاع غزة، إلى جانب مخالفته الصريحة لقانون الصحة العامة رقم 20 لسنة 2005، الذي يحظر تداول أو بيع أي مواد غذائية فاسدة أو غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

ويضيف أن قانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005، وبحسب المادة (27)، يحظر بيع أو عرض سلع تموينية فاسدة أو التلاعب بتاريخ صلاحيتها، مع عقوبات تصل إلى السجن لمدة 10 سنوات، وغرامة تصل إلى 10 آلاف دينار أردني، أو كلتا العقوبتين، إلى جانب إتلاف البضاعة على نفقة المتهم.

ويشير ظهير إلى أن المسؤولية القانونية لا تقع فقط على التجار، بل تمتد إلى الجهات الرقابية المختصة، وعلى رأسها وزارة الاقتصاد الوطني ووزارة الصحة، إضافة إلى البلديات والجهات الضبطية. ويؤكد أن أي تقصير في أداء هذه الجهات لمهامها قد يُعد إخلالًا بالواجبات الوظيفية، وقد يفتح باب المساءلة القانونية أو الإدارية إذا ثبت أن الإهمال ساهم في وقوع الضرر.

في ظل تضارب الروايات وتبادل الاتهامات، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة نتائج التحقيقات الرسمية في حال خرجت إلى العلن، في سياقٍ يعاني من الفوضى. وبين كل ذلك، يظل المواطن الغزي الحلقة الأضعف، يدفع ثمن كل خلل في السوق، ولا يطلب أكثر من حقه في غذاء آمن وسلامة لا تخضع للمساومة.