قبل سنوات كنا على يقين مرعب. افترضنا أن الكتاب الورقي يموت بهدوء. العاصفة التكنولوجية كانت تغمرنا بلا مقاومة. وظننا أن لا شيء سيمنع انقراض الكتاب الورقي الذي شبهناه بمصير عربة الأحصنة إزاء السيارة. وها هي: شاشة خفيفة نضعها في جيبنا، ومكتبة كاملة يمكن حملها في جهاز لا يتجاوز وزنه بضع مئات من الغرامات، وإمكانية شراء أي كتاب تقريباً في ثوانٍ، ثم قراءته من دون ورق أو حبر أو رفوف أو مكتبات. بدا الأمر، في لحظة ما، محسومًا: الكتاب الإلكتروني هو المستقبل، والكتاب الورقي مجرد ذكرى لزمن ينصرم.
مع ذلك، لم أقرأ كتاباً الكترونياً إلا في حالات نادرة (وغالباً نسخة PDF يرسلها صديق). وفي السنوات الثلاث الأخيرة زادت وتيرة قراءتي للكتب الورقية. اعتقدت أن الأمر شخصي، ويرتبط بتبرمي من العمل اليومي المرهق على الكمبيوتر، ونفوري من هذا الإدمان العمومي على شاشات الهاتف. لكن، صديقتي الناشرة أكدت أن سوق الكتاب الورقي ينتعش، وعدد زوار معارض الكتاب في العالم العربي يرتفع، ودور النشر ما زالت حيّة رغم الكثير من الأزمات، وبالأخص "وباء" تزوير الكتب في الدول العربية. بل أن هذا التزوير نفسه يدل على ربحية طبع الكتب.
كل الأرقام لا تقول إن الكتاب الورقي مات. في الولايات المتحدة، حيث يُفترض أن التحول الرقمي هناك يبلغ ذروته، بيع762.4 مليون نسخة ورقية عام 2025، بزيادة للسنة الثانية على التوالي، وبقيت المبيعات أعلى من مستويات ما قبل كورونا. أيضاً، دراسة حديثة نشرتها جامعة كامبريدج عام 2026، استندت إلى مسحين وطنيين شَمِلا أكثر من أربعة آلاف شخص من الجيل Z، وجدت مفارقة واضحة: هؤلاء الشباب يكتشفون الكتب عبر المنصات الرقمية والخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم يميلون في القراءة نفسها إلى الكتاب المطبوع. وفي بحث آخر عن تفضيلات القراء، قال 67.9% من المشاركين إنهم يفضلون الورق لأن الكتاب المطبوع "أكثر متعة في التعامل والاستخدام"، وارتفعت النسبة إلى 81.3% بين القراء الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و25 عاماً.
في العالم العربي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، إذ قال الأمين العام لاتحاد الناشرين العرب في 2025 إن مبيعات الكتب الرقمية لا تتجاوز في أفضل الحالات نحو10% من مبيعات الكتب الورقية. وهذا يعني أن التحول الرقمي لم يزح الكتاب المطبوع عن مركز السوق العربية، وإن كان يغير طرق اكتشافه وتسويقه وقراءته.
يبدو أن تنبؤاتنا المستقبلية كانت ساذجة. فبعد سنوات طويلة من الثورة الرقمية، لا يزال الكتاب الورقي حاضراً، بل إن مؤشرات عديدة في الأسواق الغربية والعربية تظهر أن حضوره لم يتراجع بالسرعة التي كان يتوقعها البعض. وفي العالم العربي، حيث لا يزال الكتاب المطبوع يشكل الجزء الأكبر من سوق النشر، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: الهاتف الذكي الذي كان يُنظر إليه بوصفه خصم الكتاب، صار في أحيان كثيرة الطريق الذي يقود إليه.
ويبدو أننا أمام قارئ جديد يستطيع أن يعيش مع الوسيطين معاً. يقرأ مقالاً على الهاتف، يستمع إلى كتاب صوتي في السيارة، ويشتري رواية ورقية ليقرأها قبل النوم. وربما هذا هو التحول الأهم: الكتاب الورقي ليس فقط للقراءة، إنما عاد ليكون "تجربة" في حد ذاته.
فالكتاب الذي يمكن لمسه وتقليب صفحاته ووضعه على الطاولة ثم العودة إليه بعد سنوات، يملك شيئاً لا توفره الشاشة بسهولة. هناك غلاف، ورائحة ورق، وهوامش، وثنيات، واسم مكتوب على الصفحة الأولى. هناك أيضاً ذاكرة المكان: الكتاب الذي قرأناه في مقهى، أو في رحلة، أو في بيت قديم، أو خلال فترة معينة من حياتنا. الشاشة تخزن النص، أما الكتاب فيخزن، معظم الأحيان شيئاً من حياتنا معه.
وهذه واحدة من مفارقات العصر الرقمي. كلما ازدادت الأشياء افتراضية، ازدادت قيمة الأشياء التي يمكن لمسها.
نحن نعيش وسط عالم من الصور والرسائل والتنبيهات والمحتوى الذي يختفي بعد لحظات. كل شيء قابل للمحو والاستبدال والتمرير إلى الأسفل. الكتاب الورقي يفعل العكس تماماً. إنه يطلب من القارئ أن يجلس، وأن يبقى، وأن يقلب صفحة بعد أخرى. لا يوجد زر "تمرير"، ولا إشعار أو إعلان يصل فجأة في منتصف الفقرة، ولا خوارزمية تقترح عليك بعد دقيقتين شيئاً آخر.
ربما لهذا السبب يبدو الكتاب الورقي أكثر حداثة مما نظن. أو أكثر احتياجاً إليه. إنه يقدم اليوم شيئاً نادراً: الانقطاع عن العالم. فالواحد منا الذي يقضي ساعات أمام الهاتف والكمبيوتر يريد أحياناً حياة أخرى لا تصله فيها إشعارات، ولا رسائل، ولا إعلانات، ولا خوارزميات.
أيضاً، الكثير منا يقرأ عن روايات عبر الفايسبوك أو انستغرام، فنذهب لشراء نسخة. هكذا، صارت التكنولوجيا -وعلى عكس المتوقع- أداة لتسويق الورق!
في العالم العربي، تبدو المسألة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والثقافة معاً. تكشف الحشود التي تتدفق إلى معارض القاهرة والرياض والشارقة وأبوظبي أن الكتاب ما زال يمتلك قدرة كبيرة على صناعة الحدث الاجتماعي والثقافي.
فمعرض الكتاب ليس مجرد مكان لشراء كتاب. إنه مناسبة للقاء الكتّاب، والتقاء سكان المدينة مع بعضهم البعض، والتقاط الصور، والبحث بين الرفوف، ومشاهدة العناوين، والعودة إلى المنزل بأكياس ثقيلة.
في لبنان تبدو الصورة أكثر التباساً. فالكتاب يواجه هنا ظروفاً أكثر قسوة من الكتاب الإلكتروني: الأزمة الاقتصادية، ارتفاع الأسعار، تراجع القدرة الشرائية، صعوبة التوزيع، والحروب المتكررة. ومع ذلك الكتاب يرفض الاختفاء.
ربما لأن الكتاب يمثل النقيض تقريباً لكل ما يعدنا به الذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي يختصر، والكتاب يطيل. الآلة تجيب فوراً، والكتاب يؤجل الإجابة أحياناً مئات الصفحات. الخوارزمية تريد أن تعرف ما نحب، أما الكتاب الجيد فيفاجئنا بما لم نكن نعرف أننا نريده.
وفي زمن يمكن فيه توليد النصوص والصور والأفكار خلال ثوانٍ، قد تزداد قيمة الشيء الذي استغرق وقتاً في كتابته وطباعته وحفظه وتداوله.
ربما لا تكون قصة الكتاب الورقي قصة عودة من الموت، بل قصة إعادة اكتشاف. على الأرجح، أخطأنا حين تصورنا أن التكنولوجيا تستبدل الوسائط القديمة واحداً بعد آخر. الراديو لم يقتل الصحيفة، والتلفزيون لم يقتل السينما، والإنترنت لم يقتل الكتاب. ما يحدث في كل مرة هو أن الوسيط الجديد يعيد توظيف الوسيط القديم في نسق آخر.
لم يعد الكتاب الورقي أسرع وسيلة للحصول على المعلومات، ولا أرخصها، ولا أكثرها عملية. لكنه قد يكون، لهذا السبب تحديداً، أكثرها قدرة على منحنا شيئاً نفتقده: البطء.
في عالم يتسارع إلى درجة أننا بالكاد نلحق به، يصبح الجلوس مع كتاب ورقي نوعاً من المقاومة الهادئة. أن تقلب الصفحة بيدك، وأن تضع الهاتف بعيداً، وأن تقرأ عشرين صفحة من دون أن تقاطعك شاشة، فهذا ليس فعلاً من الماضي. قد يكون، على العكس تماماً، واحداً من طقوس المستقبل.