بينما لا تزال غزة تنتشل نفسها من تحت الأنقاض، يطفو على السطح عمل ثقافي لا يكتفي بتوثيق الماضي، بل يرفع صوته كفعل مقاومة ضد محو الهوية الجماعي. كتاب "أرشفة غزة في الحاضر: الذاكرة، الثقافة والمحو" الذي حرّرته دينا مطر وفينيتيا بوتر، يصدر في لندن عن دار الساقي بلغة عالمية هي الإنجليزية، وبعنوان "Archiving Gaza in the Present: Memory, Culture and Erasure" حاملاً بين دفتيه همسًا أخيرًا لحضارة على حافة الاختفاء.
هذا الأرشيف الورقي، الذي يجمع أصوات فنانين ومعماريين وباحثين من داخل فلسطين وخارجها، يحاول يائسًا تجميع شتات ذاكرة ثقافية نابضة سبقت الدمار، وكأنه يخاطب العالم بسؤال مركزي واحد: كيف تُمسح من على خريطة الوجود حياة بكاملها في أقل من عامين؟

تبدأ الرحلة من قلب الإبداع الإنساني المتحدي، حيث يتحول الفن التشكيلي الغزي إلى فعل وجودي خالص. هنا، اللوحة والمنحوتة والأداء تصبح وسائل للتنفس والمقاومة. تتكشف أمام القارئ مئات التجارب الفردية والجماعية التي ازدهرت في ظروف مستحيلة، مثل معارض "التقاء" التي جمعت أعمالًا لفنانين شباب مثل مريم الحلو، محمد أبو شقرة، نور عابدين، ومبادرات محترف شبابيك التي أسسها الفنان شريف سرحان، حيث تُحوّل كل زاوية في المقر إلى مساحة تعليمية للأطفال للتعرف على الفن كأداة تعبير عن تجربتهم اليومية.
تتجول بين لوحات علي الزهيري التي تجسد الأزقة الضيقة والأبواب القديمة المحطمة، وتشاهد منحوتات أمينة درويش المصنوعة من خامات محلية، كل قطعة منها تحكي قصة النساء الغزيات اللواتي قاومن الظروف الصعبة بصمت. هنا، الفن ليس مجرد تعبير، بل صرخة وجودية، ونبض يومي يرفض أن يُمحى، رغم أن النصوص نفسها تعترف بظلال من الغياب، خاصة بالنسبة للفنانات اللواتي ظللن في هامش السرد الذكوري غالبًا.

ومن رحم الفن الحي، ينتقل السرد إلى صمت الحجارة المنهوبة: الآثار والتراث المعماري. تتجول بين دير البلح، خانيونس، ومدينة غزة القديمة، تلمس آثار تمثال زيوس الضخم المكتشف عام 1879، وتشهد أماكن تعرضت للسرقة والحفر غير القانونية منذ عام 1967. هنا يبرق سرد أشبه بالمعجزة: جهود خبير الآثار السويسري مارك أندريه هالديمان الذي نقل 530 قطعة أثرية إلى جنيف عام 2007، لتكون هذه القطع الوحيدة الناجية من متحف غزة الأثري الذي تحول لاحقًا إلى غبار. كما يسرد الكتاب تجربة خبير الآثار الفلسطيني فضل العطل، الذي نجح مع عائلته في النجاة أثناء الحرب، قبل أن يجد نفسه في المنفى مضطرًا لرعاية آثار غزة، كأن الحياة والمعرفة أصبحت محصورة بين أرض مهجورة ومكان بعيد.

وبحسب الكتاب، لم يكن الدمار عشوائي، بل استهدف بوعي أي معلم يشير إلى هوية أو ذاكرة. إذ يشهد الكتاب تدمير المؤسسات الثقافية: متحفي القرارة ورفح، ومكتبات جمعت تراث قرون، وبيت السقا التاريخي، الذي كان منارة ثقافية غنية قبل أن يتحول إلى ركام. وفي موازاة الفقد المادي، يبرز سرد حول إنقاذ الذاكرة البصرية من خلال أرشيف المصور كيغام دجغاليان الذي وثّق غزة لأربعة عقود، لتصبح مهمة حفيده اليوم استعادة هذا الأرشيف معركة حية ضد النسيان، حيث كل صورة منقذة هي انتصار صغير.
الأرشفة هنا لم تكن حبيسة الماضي البعيد، بل امتدت لتلامس اللحظة الراهنة بكل هشاشتها. يأتي توثيق الحياة اليومية بلغة حميمة عبر محادثات واتساب وتيليغرام بين أصدقاء ومعارف أثناء الحرب، مسجلاً ليس الأحداث الكبرى فقط، بل نبض الحياة اليومية: الضحكات القصيرة، الدعابة السوداء، محاولات الطمأنة، وصف رائحة الخبز والبحر في الصباح الباكر، كل التفاصيل الصغيرة تشكل نسيج الإنسانية تحت ظروف غير مسبوقة. هذه الشهادات الحية تحول الأرشيف من مستند تاريخي إلى نبض حاضر يسمعك دقات قلب أناس حاولوا العيش رغم كل شيء.

تتوسع الجولة إلى المشهد السينمائي، حيث تعرض سينما غزة القديمة مشروع سينمائي هو "من المسافة صفر" للمخرج رشيد مشهراوي، ويضم 22 فيلمًا قصيرًا صُورت أثناء الحرب داخل القطاع. هذه الأفلام لا توثق فقط الحرب، بل تحافظ على قصص الناس وحياتهم اليومية، لتصبح السينما فعل مقاومة حي، موازيًا للفن التشكيلي والأرشيف التاريخي.
ورغم قوة هذا العمل، يحمل الكتاب آثار الظروف القاسية التي ولد فيها؛ فبعض الفصول، مثل تلك التي تتناول الأدب والسينما، تظهر طابع التسجيل العاجل الذي يخشى فوات الفرصة. يقدم لمحات سريعة لأعمال أدبية محدودة لشاعرات مثل ليلى خالد، رنا الحاج، محمود حمدان، في حين يغفل أسماء وأعمال صنعت المشهد قبل الحرب وخسرت حياتها خلالها. هذه اللمحات السريعة تعكس الرغبة اليائسة في تسجيل أي شيء قبل فوات الأوان، في لحظة كان فيها كل شيء ينهار بسرعة مروعة.

في الفصول الأخيرة، يتناول الكتاب القانون والمساءلة الدولية، حيث توثق الباحثة جوان أويديران آثار غزة المنهوبة منذ عام 1967، بما فيها 23 تابوتًا، 10 أغطية من مقبرة الكنعانيين، وفسيفساء الكنيسة البيزنطية المكتشفة جنوب الرمال، محذرة من خطورة السيطرة على القطع الأثرية والرواية التاريخية. كما يعرض سردًا حيًا للحياة اليومية أثناء الحرب عبر محادثات الناجين، موضحًا هشاشة وحميمية الواقع في الوقت نفسه.
وأخيرًا، يصل الكتاب إلى قلب الغناء والموسيقى في غزة أثناء الحرب. يسمع القارئ أغاني عاطف الشاعر الدينية والمقاومة، لكنه يلتقط أيضًا موسيقى حية من فرق مثل جراوند وألحان الحرية، لتؤكد أن الغناء في غزة كان فعل حياة، ومتعة، ومقاومة معًا.
هذا الإصرار على التوثيق لا يخفف من وطأة الفقد، بل يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع غزة التي كانت، ويترك الباب مفتوحًا على ذاكرة لا تُستعاد إلا بوصفها فقدًا. ينتهي الكتاب بنص شعري لمحمود درويش يعيد القطاع إلى رمزيته كمكان موجع، مستهدف، وجدير بالحب، ويترك القارئ أمام سؤال واحد: كيف يمكن لأرض وتاريخ وذاكرة أن تُمحى في أقل من عامين؟