في منزلها القديم بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، قبل عامين، كانت نائلة حبوش (45 عامًا) تستقبل رمضان بشراء فوانيس ملوّنة لأطفالها الخمسة قبل رؤية الهلال، وتبدأ التحضيرات مبكرًا لأجواء اعتادت عليها الأسرة. أما اليوم في خيمتها بمدينة دير البلح وسط القطاع، فقد أعادت الحرب تعريف المنزل والمائدة، وغيّرت معنى الشهر الكريم في وعيها.

تحاول إشعال بضع قطع من الخشب المبلّل لغلي لتر واحد من الماء. تقول: "قديمًا كان سؤال العائلة الصباحي: ماذا سنتناول في إفطار اليوم؟ أما الآن فالسؤال هو ماذا نوفر لنا اليوم؟ هل يوجد طعام تكية أم لا؟".

وتستعيد حبوش أول أيام رمضان حين كانت "جمعة ولادي عندي" حسب تعبيرها، وطاولة سفرة كبيرة تضم المقلوبة أو المفتول، الشوربة الساخنة، السمبوسك، وحلويات القطائف المعتادة. الآن تكتفي بطبق رئيسي، بعد أن غابت الخضراوات الطازجة.

رمضان في غزة هذا العام لا يشبه سوى نفسه تحت الحرب، حيث تقلّصت طقوس الحياة الاجتماعية إلى أدنى حدودها. كانت الرمضانات قبل الحرب تشهد العزائم والزيارات، واليوم لم يعد لدى الناس مكان لاستقبال أحد ولا ما يقدّمونه للضيف، وصِلة الرحم أصبحت محصورة بالمكالمات الهاتفية التي غالبًا تنتهي بالسؤال عن الطعام ومياه الشرب. 

تشير الوقائع إلى أنّ رمضان الثالث يأتي على سكان قطاع غزة وسط تدّاعيات النزاع وفي ظلّ أسعار مرتفعة، ومنازل مدمرة، ووجوه بائسة، ونزوح غيّر معالم المدينة، حتى الشوارع التي كانت تعج بالزينة والفوانيس صارت ركامًا صامتًا، لتصبح قدرة الناس على الاحتمال يومًا بيوم المؤشر الأبرز لهذا الشهر.

غياب المظاهر الرمضانية التقليدية صار واضحًا: الزينة، الفوانيس، أناشيد الأطفال، وعادات العزائم العائلية اختفت أو تراجعت بشكل كبير. اختفى المسحراتي، الطقس الذي يعود لخمسة قرون من التراث الشعبي، واستُبدلت نداءاته بمنبّهات صامتة داخل الخيام، وتغيب عن الشوارع والأحياء ملامح أحد أقدم رموز رمضان الشعبية في غزة. 

هذا الغياب لا يعكس مجرد اختفاء طقس واحد، بل تغيّر كامل في شكل الشهر، حيث اختفت ملامح التواصل الاجتماعي والبهجة الرمضانية، ليصبح رمضان تجربة يومية للصبر والتحمّل أكثر من كونه مناسبة للعادات والطقوس الجماعية.

المواطنة فوزية عجور (55 عامًا) اعتادت أن تستقبل شهر رمضان في بيتها بهدوء وبساطة، وتقول إن الشهر كان يُعرف بانتظامه: مواعيد ثابتة، مائدة متواضعة لكنها مكتملة، وزيارات عائلية لا تنقطع.

وتضيف: "كنا نعرف رمضان من اللَّمّة، ومن الزيارة بعد الإفطار، ومن الجلسة البسيطة. اليوم كلٌّ منشغلٌ بنفسه، ليس لأننا لا نريد، بل لأن القدرة لم تعد متاحة."

في رأيها، لم يفقد رمضان معناه الديني، لكنّه فقدَ ملامحه الاجتماعية. تردف: "العبادة موجودة، لكن الطمأنينة غائبة". في توصيف يلخص تجربة كثيرين يعيشون الشهر بثقل غير مرئي، لكنّه حاضر في كل تفصيلة.

على نحوٍ مشابه، يصف هشام العكلوك (35 عامًا)، الذي يعيش غرب مدينة غزة بين مشاهد دمار لم تعد استثناءً في يومه، طقوس الشهر الكريم الحالية، بقوله: "رمضان الثالث الذي يأتي علينا ونحن نعاني من آثار النزاع، من دون معالم واضحة للشهر، ولا أي ملامح تشبه ما كان يعرفه سابقًا".

يشير إلى البيوت المهدّمة والشوارع الخالية من الزينة أو الحركة، قائلاً: "لم يبقَ ما يدلّ على أنّه رمضان. في السابق، كنا نعلّق فانوسًا أو نشتري حلوى بسيطة. اليوم، لا بيت موجود، ولا قدرة، ولا حتى نفس".

ويضيف: "رمضان هذا العام بات يمرّ كأيّ شهر آخر، بلا تحضيرات ولا انتظار. الصيام حاضر، لكن ما حوله غائب: لا لقاءات، ولا تراحم، ولا شعور. الحرب جعلت رمضان يأتي ويمضي من دون أن نشعر به".

في حي الرمال وسط مدينة غزة، يقف أيهم لظن (25 عامًا) أمام بسطته الصغيرة المخصصة لزينة رمضان، والتي كانت تعجّ بالحركة قبل حلول الشهر. أما الآن، فرفوف الزينة شبه فارغة، والإقبال شبه معدوم. 

يقول لظن: "كان رمضان موسمي الأساسي. كنا نجهّز الفوانيس والزينة قبل أسابيع، وكانت الناس تنتظرها بفارغ الصبر. أما هذه الأيام، فلا أحد يسأل عنها. الناس منشغلة بكيفية العيش، لا بكيفية التزيين".

ويضيف: "حين تختفي الزينة، فهذا يعني أن الناس لم يعد لديهم مجال حتى للزينة أو للاحتفال. بالكاد يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية. البضاعة عندي موجودة منذ أسبوعين، لكن المبيعات ضعيفة للغاية".

وفق أحدث التقارير الإحصائية المحلية، انكمش الاقتصاد إلى أقل من سدس ما كان عليه قبل الحرب، وتعرّض القطاع الخاص والزراعة والبنية الإنتاجية لتدمير واسع، ما أدى إلى انخفاض النشاط الاقتصادي بنحو 80٪ أو أكثر منذ بداية الصراع، وارتفعت معدلات الفقر لتطال تقريبًا كل السكان. 

انعكس هذا الوضع مباشرة على أسواق رمضان، التي صارت مسرحًا للبحث عن لقمة العيش أكثر من البحث عن بهجة الشهر، فيما تتقلص الموائد وتتضاءل فرص الاحتفال.

تشير بيانات أخرى إلى أن أكثر من 93٪ من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويواجه أكثر من 96٪ منهم نقصًا شديدًا في الموارد الأساسية، فيما يقف مئات الآلاف على حافة الحرمان الكامل. مع ارتفاع الأسعار المستمر ونقص المواد الضرورية، لم يعد رمضان موسم إنفاق أو لقاءات اجتماعية، بل أصبح امتحانًا يوميًا للصبر والتحصّل على ما يسدّ الرمق.

المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر يصف الوضع بأن نحو 95٪ من الأسر باتت تعتمد على المساعدات الإنسانية، وكأن الاقتصاد تحول إلى ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الضرورة" الذي يحكمه توفير الحدّ الأدنى من الأساسيات. 

ويُفسر أبو قمر غياب العادات الرمضانية بأن الأولويات انقلبت؛ فالطقوس لم تتلاشى نتيجة تغيّر الثقافة، بل لأن الطبقة المتوسطة، التي كانت تشكل عماد الاستقرار النسبي، فقدت قدرتها على العيش كما كانت، ما وسّع الفجوة الاجتماعية حتى في شهر اعتاد الناس أن يعيشوه بروح جماعية.

ويعكس هذا التحول انهيار البنية الاقتصادية التقليدية في غزة، حيث أدّت الحرب وتدمير البنية الإنتاجية إلى تقليص فرص العمل وانخفاض الدخل الفردي بشكل حاد، ما دفع معظم السكان للاعتماد على المساعدات الخارجية. 

بالإضافة إلى ذلك، يشير أبو قمر إلى أنّ الاقتصاد في غزة أصبح مرتبطًا بالضرورة اليومية للبقاء، وليس بالإنتاج أو الاستهلاك، وهو ما يضعف دورة رأس المال الاجتماعي والاقتصادي، ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، مع تراجع قدرتها على المشاركة في الفعاليات الرمضانية أو أي أنشطة جماعية تقليدية.

المختصة الاجتماعية والنفسية، أنوار أبو زايدة، ترى أنّ رمضان في غزة منذ اندلاع النزاع قبل عامين لم يعد يُقاس بالطقوس، بل بقدرة الناس على مواجهة الحياة اليومية. تقول: "مع قدوم رمضان الثالث في هذه الظروف القاسية، أصبح الشهر اختبارًا للصبر؛ لم يعد الصيام مجرد امتناع عن الطعام، بل محاولة للحفاظ على الكرامة وسط الخراب"، مشيرة إلى أنّ القلق بشأن الاحتياجات الأساسية للأسرة يثقل كاهل الكبار.

وتوضح أبو زايدة أنّ المناسبات الرمضانية فقدت دورها في تعزيز الروابط الاجتماعية، وأصبحت اللقاءات محدودة بالضرورة، مع بروز نوع جديد من التضامن بين الغرباء يرتبط بالبقاء أكثر من الاحتفال. وتصف هذا الواقع بأنه "رمضان الصمود": شهر يجد الناس فيه معنى في لقمة خبز، أو تواصل هاتفي مع قريب، أو لحظة هدوء بين الخيام، لتصبح هذه اللحظات الصغيرة معالم للحياة وسط الظلام والدمار.

الفوانيس انطفأت، والمسحراتي صمت، والشوارع خالية من البهجة، لكن الصيام مستمر، والإيمان حاضر، ليصبح رمضان في غزة شهرًا يُقاس بالصبر والقدرة على التحمل، سلسلة من الأيام يُكشف فيها عُرّي قسوة الحياة وضنكها، أكثر من كونه موسمًا للعبادة أو للتلاقي الاجتماعي.