كان يركض فهمي الميدنة داخل مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة بالبالطو الأبيض يستقبل الإصابات، ويده ملطخة بالدماء. استدار إلى اليمين، فرأى شقيقه مسجّى على الأرض بين الشهداء مجهولي الهوية. تجمّد في مكانه، ثم مشى ببطء نحوه، ليقع أمام عينيه وجه شقيقه البشوش. 

في لحظةٍ واحدة، تحوّل من طالب طبٍ وجد نفسه مضطرًا للبقاء في الميدان، إلى أخٍ يودّع أخاه ويكفّنه بيديه، قبل أن يعود إلى قسم الطوارئ ليواصل عمله، من دون أن يُمنح وقتًا للحزن.

في اليوم الأول من الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وجد الميدنة نفسه طبيبًا مسؤولًا عن إنقاذ حياة الجرحى، رغم أنه كان لا يزال في سنته الخامسة في كلية الطب. انتقل فجأة من مقاعد الدراسة إلى الميدان، ليشهد أقسى لحظات حياته بين الحصار والتجويع والفقد. 

بعد صمتٍ قصير، قال: "واجهت خلال عملي إصاباتٍ لأقاربي ومعارفي، وإصاباتٍ بليغة لم أعرف كيف أتعامل معها، خصوصًا في الأشهر الأولى للحرب حين كانت الاتصالات مقطوعة، ولا وسيلة للاستشارة أو التواصل مع أي طبيب في جنوب القطاع أو الخارج".

يرتدي ردائه الطبي ويواصل حديثه: "بعد أشهر من الحرب عدنا إلى الجامعة. صار وقتي مقسومًا بين الدراسة والعمل. أنهيت سنتي الدراسية السادسة خلال النزاع، وكنت من العشرة الأوائل على الدفعة، وفي المقابل كنت أعمل أيامًا بلا راحة، أستقبل عشرات الإصابات يوميًا، وكل ذلك تطوعًا دون مقابل".

حُوصر الميدنة خلال الحصار الأول لمستشفى الشفاء، مرّ أمام الجنود ونجا من الاعتقال والإصابة. كانت الأوامر بالنزوح جنوبًا، لكنه توجّه إلى مستشفى الأهلى العربي “المعمداني” ليواصل العمل، ثم اضطر إلى مغادرته إلى مشفى آخر داخل المدينة مع اقتراب آليات الاحتلال.

يقول: "من أصعب المواقف التي مررت بها أنني كنت في زيارة سريعة لعائلتي. أثناء مغادرتي المنزل، وأنا على الدرج، مرّ صاروخ بجانبي وانفجر في الطابق الأول حيث تقطن عائلتي. نجوت، وركضت إليهم لأجدهم بين مصابٍ وشهيد".

في ذلك اليوم، خلع دور الابن وارتدى دور الطبيب. أسعف والديه أولًا، ثم راح يوقف نزيف الآخرين واحدًا تلو الآخر. فقد شقيقه وزوجته وابنتهما ذات الأشهر الستة، وأخته وزوجها، وشقيقيه. ومع ذلك، عاد إلى عمله.

لم يكن الميدنة وحده. عشرات من خريجي كليات الطب وطلبتها الذين لم يُكملوا دراستهم وجدوا أنفسهم داخل المشافي، يؤدون مهام تفوق مستوى تدريبهم الأكاديمي، مضطرين لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بحياة الجرحى، في ظلّ شحٍ حادّ في الإمكانات. ومع الاستهداف الواسع للمنظومة الصحية في غزة، واعتقال واستشهاد أعداد كبيرة من الكوادر الطبية، وسفر بعضهم، برزت فجوة واضحة في أعداد الأطباء، فيما كان عدد الإصابات يفوق قدرتهم على الاستجابة. صار تواجد طلبة الطب خيارًا اضطراريًا لسدّ هذا الفراغ.

تقول وزارة الصحة الفلسطينية إن برنامج البورد الفلسطيني في قطاع غزة خرّج نحو 170 طبيبًا، بينما استشهد أكثر من 13 طبيبًا خلال انتسابهم إليه، في حين أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بمقتل 1580 من أفراد الطواقم الطبية خلال الحرب (2023-2025).

صورة تجمع طلبة طب من قطاع غزة مارسو المهنة خلال الحرب: على اليمين عدنان سكيك، سماح حرارة، فهمي الميدنة، ودنيا أبو موسى.

طالبة الطب البشري دنيا أبو موسى عاشت تجربة مشابهة، وما تزال تجلس حتى اليوم تعاني من أثرها، إذ تضع وجهها بين كفيها من حينٍ لآخر محاولة إسكات صرخات الجرحى وذويهم التي لا تغادر رأسها. تقول بصوتٍ مثقل: "منذ الشهر الثاني للحرب تطوّعت في مستشفى ناصر الطبي جنوب القطاع. كنت مذهولة من طبيعة الإصابات. تعلمنا في الكتب كيف ننقذ الحياة في ظروف مثالية، لكننا لم نتعلم كيف نفعل ذلك وسط الدم والحرب".

تتحدث عن صراعها النفسي، خصوصًا عند بتر الأطراف، وعن خوفها الدائم من أن ترى أحد أفراد عائلتها في هذه الحالة. وفي إحدى المرات، حوصرت وهي الطبيبة الوحيدة داخل مشفى الهلال، بينما كانت القنابل والرصاص تتساقط حولهم. 

تقول وهي تصف المشهد بيدها: "لم يكن معي سوى حقيبة إسعاف فيها شاش ويود ومحلول طبي. كانت الإصابات كثيرة، وتوفيت حالة خطرة أمامي، وأخبرت عائلته بذلك. كانت تلك أول مرة يموت فيها مريض بين يدي".

ماذا فعلت بكِ الحرب؟ تجيب: "وجدت نفسي فجأة مسؤولة عن حالات حرجة تتطلب تدخلًا فوريًا. اضطر عقلي إلى استحضار كل ما تعلمته وتطبيقه خلال ثوانٍ تحت القصف وصراخ المصابين. تعلمت كيف أكون كادرًا طبيًا بما هو متاح. غياب الأدوات أجبرنا على ابتكار حلول بديلة لإنقاذ الأرواح".

أما عدنان سكيك، الطالب حديث التخرج، فانتقل إلى أقسام الإسعاف والطوارئ بفعل الحرب التي جاءت وقد أنهى عامه الدراسي الرابع حديثًا. لم يتدرّب بما يكفي ليكون طبيبًا في زمن حرب، لكن نقص الأطباء جعل نزوله إلى الميدان واجبًا أخلاقيًا.

يروي: "بدأت التطوع في قسم الطوارئ في مشفى الشفاء منذ الأشهر الأولى للحرب، وسط إمكانات شبه معدومة، وإصابات نراها للمرة الأولى، وخوف دائم من استهداف المشفى. اعتُقلت مرة بعد محاصرتنا، وأُفرج عني بعد ساعات".

بعد الإفراج عنه، واصل العمل في شمال قطاع غزة بين مشفيّ الشفاء و"المعمداني"، تحت ضغط نفسي هائل، إذ كان يخشى أن يرى أحد أفراد عائلته بين الجرحى، فلم يعمل بذهنٍ هادئ، وفي رأسه دوامة أفكار لا تهدأ. وخلال المجاعة، فقَدَ تركيزه مرارًا، وكان يعاني الدوار لكنه لم يملك ترف الخيارات وظلّ يواصل عمله.

يقول بصوتٍ مرهق: "أصعب ما واجهته الأطفال الذين اضطررنا لبتر أطرافهم وفقدوا عائلاتهم، والمصابون القادمون خلال المجاعة من نقاط وصول المساعدات في نتساريم وسط القطاع وزيكيم شمالًا. كانت إصابات الرصاص والدهس تصل بالعشرات يوميًا، وسط نقص الأدوات الطبية".

في تجربةٍ أخرى، وتحديدًا في مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع، أغمي على الطبيبة سماح حرارة بينما كانت تتخذ مع زملائها قرارًا ببتر قدمي طفل. لم يكن هناك خيار آخر. حاولت الثبات وهي تنظر إلى جسده الصغير، لكن جسدها خانها. 

تتذكر وهي تمسح دمعة: "لم أستطع الاستمرار في الطوارئ، فانتقلت إلى الباطنة. لم أحتمل رؤية الجرحى بإصابات بالغة. كنت بالأمس طالبة، فكيف أصبحت طبيبة تتخذ قرارات مصيرية؟ ما زلت أتعلم".

لا تنسى يومًا في مستشفى العودة بالنصيرات وسط القطاع، خلال المحاضرة الأولى للمساق الدراسي النساء والولادة، حين بدأت الطائرات الإسرائيلية إطلاق النار عبر النوافذ. "حُوصرنا ساعات. كان يومًا من أهوال يوم القيامة. الأصعب كان يوم تقدمنا للامتحان وخرجنا راضيين من أدائنا فيه ونوعًا ما سعداء، ثم فجأة أُصيبت صديقتي في اليوم نفسه، بُترت قدمها وفقدت عائلتها".

تعلمت حرارة أن ليس كل ما يتمناه المرء يُدرك. تتذكر طفلةً مصابة في رأسها، بلا إمكانات لعلاجها. أُغلق الجرح مؤقتًا، لكنها استشهدت بعد أيام. تقول: "هنا تعلمت معنى العجز الحقيقي".

في غزة، لم تسرق الحرب من هؤلاء الطلبة سنوات دراستهم فقط، بل اقتلعتهم من مقاعد التعليم إلى ساحة حرب لا وقت فيها للتردد ولا مساحة للخطأ. يواجهون إصابات لم يشهدها حتى الأطباء المخضرمون، وكبروا في الميدان وبين أروقة المشافي وسط الدم، من دون أن يُمنحوا فرصة التعلّم المتدرج.