مع اقتراب شهر رمضان، تتحسس الأرملة الفلسطينية أماني عبد الهادي (37 عاماً) جيوبها، حيث تعجز عن توفير مونة رمضان لأيتامها الأربعة الذين تتولى مهمة تغطية احتياجاتهم بعد فقدان المعيل في نيسان/إبريل 2024.

لم تشاهد عبد الهادي التلفاز منذ عامين، وتحظى بين وقت وآخر بفرصة مشاهدة المقاطع المرئية عبر تطبيق إنستغرام، ثم تعود لمتابعة المجموعات التعليمية عبر واتساب، والتي أصبحت الوسيلة الوحيدة لتعليم الأطفال في غزة بعد تدمير المقارّ التعليمية.

تستذكر السيدة التي تعيش وأسرتها داخل خيمة غرب مدينة غزة طقوس رمضان قبل عامين، وتقول: "كان لدينا شقة سكنية جهزها زوجي بعد كدّ سنوات من العمل، كنا نعيش فيها أياماً جميلة ونتابع مسلسلات رمضان، ننتقل من شاشة إلى أخرى، أما اليوم فكل ما يحيط بنا هو اللون الرمادي"، كنايةً عن الدمار.

لم تتابع الأرملة عبد الهادي الأعمال الفنية منذ عامين، بعد أن كانت تحفظ أحداث المسلسلات عن ظهر قلب، وتسردها على جاراتها اللواتي كنّ يتابعن الأحداث معها. أما الآن، فتقول: "الأخبار فقط هي ما يستحوذ على اهتمامنا"، ولا تنوي متابعة مجريات أي مسلسل عبر الإنترنت، حيث تستثمر شراء بطاقات الوصول للإنترنت عبر الشبكات العشوائية في تعليم أطفالها.

وفي الإجابة على سؤال: هل تعرفين أن هناك مسلسلاً عربياً يحمل اسم "أصحاب الأرض" يعكس تجربة النزوح وويلات الحرب سيعرض في رمضان؟، قالت: "أشك أصلاً أن يكون هناك أحد خارج غزة يعرف شيئاً عن عمق معاناتنا".

ويتحول الاهتمام عادة في رمضان، إلى الأعمال الفنية الكوميدية أو المسلسلات العاطفية، لكن مسلسل "أصحاب الأرض" يسير عكس هذا التيار. العمل الجديد، الذي يعرض بعد عامين من اندلاع الحرب في غزة، يضع المهمشين الفلسطينيين في قلب الموسم الدرامي الأكثر مشاهدة في العالم العربي.

في الوقت الذي يستعد فيه ملايين المشاهدين لمتابعة دراما رمضان 2026، يبرز اسم مسلسل "أصحاب الأرض" كعمل مختلف. يأتي هذا المسلسل بعد عامين من معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، محاولاً تسليط الضوء على ويلات الصراع من منظور المدنيين المهمشين.

تدور الأحداث حول شخصية سلمى شوقي، التي تجسدها الممثلة المصرية منى شلبي، وهي طبيبة مصرية تعمل في قسم الحالات الحرجة داخل قطاع غزة ضمن قافلة الإغاثة المصرية. في المقابل، يقدم النجم إياد نصار شخصية رجل فلسطيني يعيش صراعاً وجودياً قاسياً، مدفوعاً بغريزة النجاة والتمسك بالحياة وسط أهوال الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023.

تمنح أصول إياد نصار الفلسطينية الأردنية مساحة إضافية للتعبير بصدق عن تفاصيل المعاناة اليومية داخل القطاع، في امتداد لمسيرته الفنية التي سبق أن تناول خلالها قضايا الصراع، من بينها مشاركته اللافتة في فيلم "الممر". تتقاطع رحلة الطبيبة المصرية مع مسار الرجل الفلسطيني الساعي لإنقاذ ابن شقيقه من تحت القصف، لتنمو بينهما علاقة إنسانية عميقة تكشف وجوهاً متعددة للألم والأمل في زمن الحرب.

سخرية القدر: أبطال المسلسل لا يستطيعون مشاهدته

في مفارقة لافتة، لن يتمكن الغزيون أنفسهم من متابعة هذا العمل الذي يجسد واقعهم، بسبب الانقطاع المزمن للكهرباء وغياب مصادر الطاقة. يأتي رمضان 2026 في وقت ينصب فيه تركيز الفلسطينيين على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وتحسين ظروف الحياة والبدء في إعادة الإعمار، أكثر منه التفاتاً إلى الأعمال الدرامية.

لكن أهمية هذا العمل، وفقاً لنقاد ومتابعين، تكمن في كونه يشكل فرصة لإبراز دور الدراما في نقل صورة الفلسطينيين الذين يعيشون للعام الثاني على التوالي ويلات الحرب والنزوح والحرمان من المسكن ومقومات الحياة الآدمية.

شهادة فنية: تجسيد واقع لا يحتمل

من جهته، يرى الفنان الفلسطيني كمال ناصر، المطّلع على عملية الإنتاج، أن مسلسل "أصحاب الأرض" سيكون واحداً من أبرز الأعمال الدرامية التي تجسد واقع معاناة الفلسطينيين في غزة بشكل واقعي بعيداً عن المبالغة أو الخيال خلال رمضان 2026.

ويشيد ناصر بقدرة بطلي العمل على تجسيد واقع لا يحتمل من خلال قدرتهما الإبداعية على الإحساس العالي بالشخوص ولعب الأدوار بواقعية كاملة. ويعرب عن امتنانه للدراما المصرية التي استطاعت، على حد قوله، تجسيد واقع مرير يعيشه الناس في غزة منذ عامين. 

قراءة نقدية: بين الطموح الإنتاجي والتحديات الدرامية

من ناحيته، يرى الناقد الفني باسم صادق أن الموسم الدرامي الرمضاني الحالي يشهد تحولاً نوعياً في الخريطة الدرامية التي تضم نحو 40 عملاً، مشيراً إلى أن مسلسل "أصحاب الأرض" يأتي في مقدمة الأعمال الأكثر أهمية هذا العام.

ويقول صادق إن المسلسل من تأليف عمار صبري وإخراج بيتر ميمي لا يحمل فقط بعداً إنسانياً وسياسياً واضحاً، بل يتميز بطموح إنتاجي هائل يجعله حدثاً درامياً استثنائياً بكل المقاييس. ويضيف أن العمل لا يطرح قضية إنسانية فحسب، بل يؤكد على الدعم التاريخي المصري للقضية الفلسطينية، ويشدد على أحقية الفلسطينيين في أرضهم وهويتهم.

تحديات الإنتاج: خلق غزة خارج غزة

وحول التحديات الإنتاجية، يوضح صادق أنه نظراً لاستحالة التصوير في غزة بسبب الأحداث المتصاعدة، تم تصوير المشاهد في القاهرة ومناطق مهجورة اختيرت بعناية لتحاكي الواقع. ويشير إلى أن التحدي الأكبر كان خلق صورة بصرية قادرة على إقناع المشاهد بأنه داخل قطاع غزة، وهو ما اعتمد على مهارة المخرج وفريق العمل في إتقان "الصراع البصري" وإيحاءات المكان.

وعن التحديات الدرامية، يشير صادق إلى صعوبة بناء هيكل درامي تقليدي ببداية ووسط ونهاية، لأن الأحداث المتغيرة على الأرض تفرض على الكاتب إعادة النظر في معطيات الكتابة باستمرار. كما يحذر من خطر الوقوع في فخ الوعظ المباشر والشعارات، مؤكداً أن الحل الأمثل يكمن في "أنسنة" الشخصيات، أي التعامل معهم كأشخاص يعيشون الألم يومياً وليس كرموز مجردة.

لغة الصورة: كاميرات واسعة وموسيقى جنائزية

في الجانب البصري، يلفت الناقد إلى التحدي المتمثل في خلق واقعية بصرية مقنعة رغم التصوير خارج أماكن الأحداث الحقيقية. ويستدل من خلال البرومو التشويقي على الحلول الذكية التي انتهجها فريق العمل، والتي شملت استخدام زوايا كاميرا واسعة للإيحاء بحجم الخراب، وكاميرات محمولة في مشاهد التوتر والصراع لإضفاء إحساس بالواقعية المباشرة، فضلاً عن توظيف موسيقى ذات طابع جنائزي حزين لتجسيد معاناة الشعب الفلسطيني.

كيمياء النجوم: مدرسة الإحساس الداخلي

ويختتم صادق تصريحه بالحديث عن ثنائي البطولة، مؤكداً وجود "كيمياء" واضحة بين منى شلبي وإياد نصار، إذ يعتمد كلاهما على مدرسة "الإحساس الداخلي" في التمثيل. ويوضح أن إياد نصار يعتمد على التصاعد التدريجي في الأداء المبني على الشعور، بينما تبرع منى شلبي في "الصمت المتفجر" كلغة أصدق للتعبير عن المشاعر بعيداً عن الصراخ الزائف. ويشير إلى أن هذا الثنائي حقق نجاحات كبيرة في أعمال سابقة، مما يعزز توقعات نجاح هذا العمل المرتقب.

في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع دراما رمضان، بطابعها الجماهيري الواسع، أن تنقل جزءاً من معاناة الغزيين إلى ملايين البيوت العربية؟ وما أثر ذلك في تشكيل وعي جمعي ربما يكون أكثر استعداداً للتفاعل مع معاناة ظلت لعقود غائبة عن الوعي العام؟