في غرفةٍ متواضعةٍ داخل حي النصر غرب مدينة غزة، حيث لا تزال آثار الحرب تتسلل إلى أدقّ التفاصيل، يجلس طرفان متقابلان على مقاعد متباعدة، يتجنبان تبادل النظرات. الهواء مثقلٌ بما يكفي لتحويل أي كلمة إلى شرارة، والصمت لا يبدو حياديًا بقدر ما هو توترٌ مؤجَّل.
في المنتصف، تتقدم المختارة فاتن حرب لتؤدي دورًا يتكرر يوميًا تتنقل على إثره في مختلف محافظات قطاع غزة، يتمثل في نزاعٌ جديد، بوزنٍ مألوف، يحتاج إلى احتواءٍ في ظل غياب أدوات العدالة الرسمية، وتوقف شبه كامل للمنظومة القضائية الرسمية التي تضرر منها أكثر من 90% من مباني المحاكم والمرافق العدلية في القطاع.
حول طاولةٍ بسيطة، تفصل بين موقفين لا يجمعهما سوى الخلاف، لا محكمة تُدير الجلسة ولا قاضٍ يملك قرار الحسم. ومع ذلك، يُفترض أن يخرج هذا المكان بشيءٍ يشبه الحل. في مدينةٍ تعطّلت فيها المؤسسات العدلية تحت وطأة حربٍ مستمرةٍ منذ عامين، لم تعد النزاعات تجد طريقها إلى أروقة القضاء، حيث تشير التقديرات إلى تراكم أكثر من 150 ألف قضية مدنية وجنائية عالقة دون بتّ قانوني، ما دفع المواطنين للجوء إلى فضاءاتٍ بديلة تُدار فيها الخلافات بوسائل أقلّ رسمية وأكثر التصاقًا بواقع الناس.

منذ سنوات تعمل فاتن حرب كمختارة لإدارة النزاعات المجتمعية واحتوائها في أوقات الأزمات. ومع تصاعد المعيقات خلال الحرب، ازداد اعتماد الأهالي عليها كمرجعيةٍ اجتماعيةٍ بديلة، في ظلّ غياب مؤسسات العدالة الرسمية وتدمير عدد كبير من مراكز الشرطة والقضاء عن الخدمة.
تقول حرب: "في ظلّ هذا الانهيار، لم يعد غياب المحكمة تفصيلًا إجرائيًا، بل تحوّل إلى فراغٍ كاملٍ في إدارة الخلافات العائلية. ومع غياب العدلية بشكلٍ كامل، كان اللجوء إلى رجال الإصلاح والمخاتير وكبار العائلات لإيجاد حلولٍ مناسبة والحفاظ على النسيج المجتمعي".
تتشابك أدوارها مع تفاصيل الحياة اليومية، فلا تقتصر تدخلاتها على نوعٍ واحدٍ من النزاعات. تمتد من خلافاتٍ عائليةٍ تتفاقم تحت ضغط النزوح وتغيّر أنماط السكن، إلى نزاعات السكن التي تفاقمت مع وجود أكثر من 1.9 مليون نازح يتكدسون في مساحات ضيقة، وكذلك نزاعاتٍ بين نازحين في المخيمات والمراكز المكتظة، وصولًا إلى خلافات الموارد وهي صراعات يومية على المياه والكهرباء والخدمات التي انخفضت مستوياتها إلى أقل من 10% عما كانت عليه قبل النزاع، في ظل الشحّ الحاد وتراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.

تعتمد حرب في عملها على الحوار المباشر كمدخلٍ رئيسي لاحتواء الخلاف، إلى جانب "الجاهة" كآليةٍ اجتماعيةٍ تقليدية ما تزال تحظى بقبولٍ واسع داخل المجتمع، في ظلّ غياب أدوات الإلزام أو السلطة القانونية.
وترى أن نجاح أي تدخلٍ لا يرتبط فقط بمنطق الحل، بل بمدى قبول الأطراف للوسيط، وقدرته على بناء مساحةٍ من الثقة تتيح الوصول إلى تسويةٍ ممكنة.
في هذا السياق المضطرب، تشير المختارة حرب إلى أن إدارة النزاعات في غزة اليوم تتطلب مرونةً استثنائية. فغياب المنظومة القانونية جعل من كل قضيةٍ حالةً قائمةً بذاتها، بلا قاعدةٍ يمكن تعميمها، خاصة مع تداخل الضغوط الإنسانية مع الأعباء النفسية والمعيشية.
توضح أنها تتبع مسارًا تفاوضيًا مختلفًا لكل حالة، يقوم على تفكيك أسباب التوتر بهدوء، والانتباه للتفاصيل الحياتية الدقيقة التي غالبًا ما تكون المحرك الخفي للنزاع.

في تجربتها، يبرز البعد النسوي كعاملٍ حاسمٍ في فهم ديناميكيات فض النزاعات داخل المجتمع يضم عشرات الآلاف من الأسر التي تعيلها نساء حالياً (نتيجة الفقد أو الاعتقال)، فكونها امرأةً لا يمنحها فقط شرعية التعامل مع القضايا النسوية، بل يفتح لها باب الوصول إلى تفاصيل أعمق، خاصة في النزاعات داخل الأسرة أو بين النساء، وهي قضايا غالبًا ما تبقى خارج مسارات الحل التقليدية التي يهيمن عليها الرجال.
لكن المهمة ليست سهلة إذ تواجه المختارة حرب تحدياتٍ معقدة في عملها، في مقدمتها غياب أدوات القانون وضعف المنظومة الرسمية، ما يجعل التدخلات مرهونةً إلى حدٍّ كبير بالقبول الاجتماعي.
وتضيف أن الواقع الإنساني الضاغط في ظل الحرب يفرض أعباءً إضافية على أطراف النزاع، ويقلّص فرص الوصول إلى حلولٍ متوازنةٍ ومستقرة. كما أن محدودية الصلاحيات، وأحيانًا عدم تقبّل الحل أو حتى الوسيط نفسه، تبقى عوائق دائمة أمام تحقيق تسوياتٍ قابلةٍ للاستمرار.
تستعيد إحدى المواقف من ذروة النزوح: "لم تكن الخلافات تحتاج وقتًا طويلًا كي تتفاقم. ازدحام الأماكن وضيق الموارد كانا كفيلين بإشعال توتراتٍ صغيرة تتحول سريعًا إلى نزاعاتٍ أكبر. في أحد هذه المواقف، تدخلت لاحتواء خلافٍ بين عائلتين داخل مساحة نزوحٍ مشتركة، حيث كان التوتر يتصاعد بسبب تقاسم المكان والخدمات الأساسية".
وتختصر رؤيتها بوضوح: "دوري ليس ثانويًا، بل هو حجر الزاوية في بناء السلام المجتمعي". وترى أن دخول المرأة إلى هذا المجال يغيّر قواعد التعامل مع النزاعات، إذ تمتلك قدرةً أكبر على استيعاب البعد الإنساني، والعمل على تفكيك الخلاف من جذوره، لا الاكتفاء بإنهائه.
في ظلّ غياب أدوات القانون في غزة منذ عامين، تبرز فاتن حرب كنموذجٍ يعكس كيف يمكن للاحتواء والفهم أن يتحولا إلى أدواتٍ بديلةٍ للعدالة، وكيف يصبح دور النساء في صناعة الاستقرار مسارًا أساسيًا لحماية النسيج المجتمعي من التمزق تحت ضغط الحرب.