كان المثل الدارج في غزة قديماً يردده المتسولون بعد يوم شاق من جمع الصدقات: "الجيبة عمرانة". لكن بعد أكثر من عامين من الحرب، تراجع هذا المصطلح الشعبي ليحل محله آخر: "المحفظة مليانة".
هذا التحول من "الجيبة" إلى "المحفظة" يعكس تغييراً جذرياً في مفهوم المال وكيفية تداوله في القطاع المنكوب. فمع تدمير البنوك، وتعطل أجهزة الصراف الآلي، ووقف إسرائيل إدخال الأوراق النقدية الجديدة منذ بداية الحرب، وجد سكان غزة أنفسهم مجبرين على خوض تجربة قسرية في التعاملات الرقمية.
وفي شوارع القطاع المدمر، وُلد شكل جديد من التسول يمكن أن نسميه "التسول الشيك". المشهد بات مألوفاً: أحد المارة يمد يده ليجد عذره في جيبه الخالي من النقود، فيقول للمتسول: "ما معي فكة". ليفاجأ برد غير متوقع: "معي محفظة إلكترونية، إذا بتحب تحول".
يقول محمد الزميلي، إنه يومياً يتعرض لمثل هذا النوع من التسول، ووقتما يتعذر دفع الصدقة النقدية خصوصا في نهار رمضان، للمتسول، يبادر الأخير لعرض رقم المحفظة الإلكترونية.
واستعرض عبد الله، قائمة طويلة من أرقام الهواتف التي ترتبط بالمحافظة الإلكترونية، قائلاً "هذه قائمة متسولين يعتمدون الآن على تلك المحافظ في الحصول على المال، في ظل شح السيولة النقدية".

هذا التحول الرقمي القسري لم يأتِ من باب الحداثة أو التطور التكنولوجي، بل كان نتيجة حتمية لانهيار المنظومة المالية التقليدية في القطاع. فخلال عامين من الحرب على غزة، أدى الحصار والإغلاق إلى شلل تام في الجهاز المصرفي، وازدهرت بدائل رقمية اضطر السكان لاستخدامها في حياتهم اليومية.
وتفرض المادة رقم 389 من قانون العقوبات الفلسطيني رقم (16) لسنة 1960م، عقوبة على التسول، وجاء في نص المادة، استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرعاً إلى ذلك بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأية وسيلة أخرى، سواء أكان متجولاً أو جالساً في محل عام، أو وجد يقود ولداً دون السادسة عشرة من عمره للتسول وجمع الصدقات أو يشجعه على ذلك. يعاقب في المرة الأولى بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو أن تقرر المحكمة إحالته على أية مؤسسة معينة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات.
ومن الواضح، أنه ليس هناك محلاً من الإعراب لمثل هذا القانون، في ظل انهيار المنظومة القانونية كاملةً، بالتوازي مع فقر مدقع ناتج عن الحرب وويلاتها، لما يزيد عن 24 شهراً.
هذا ما يطلق يد المتسولين لمواصلة هذه الظاهرة، حسبما اتضح من خلال عدد من الأشخاص الذين قابلناهم في سياق هذا التقرير. ويقول الفتى محمد خليل (اسم مستعار)، إنه فقد بيته في شمال قطاع غزة، ويعيش رفقة أسرته داخل خيمة ومنذ نحو عامين وأسرته تفتقد إلى مصدر دخل ثابت، وأصبحت تعتمد اعتمادا رئيسيا على القليل من المساعدات والتسول ايضاً.
وأوضح الفتى، الذي توقف عن التعليم منذ أكتوبر 2023، إن عدم توفر السيولة لدى المواطنين، جعله يجبر والدته على تفعيل محفظة إلكترونية، ومن ثم أصبح يعتمد عليها في طلب الحاجة. وقال: "عندما يتعذر الدفع النقدي، أعرض فورا على المتصدق وجود محفظة الكترونية".

وتعتمد أعداد متزايدة من سكان غزة على تطبيقات مثل "PalPay" و"Jawwal Pay" لإجراء مدفوعاتهم اليومية، وحتى لتلقي المساعدات من المنظمات الدولية مثل اليونيسيف التي ساعدت حوالي مليون شخص عبر هذه المنصات. هذا الاعتماد الواسع على المحافظ الإلكترونية هو ما أوجد أرضية خصبة لظهور "التسول الشيك"، حيث أصبح رقم المحفظة الإلكترونية هو الأداة الجديدة لطلب المال.
لكن هذا التحول نحو الاقتصاد الرقمي في غزة لا يخلو من مخاطر. فهناك مخاوف من أن تكون هذه الأنظمة الرقمية، إذا لم تكن تحت سيادة فلسطينية كاملة، أدوات جديدة للسيطرة المالية يمكن تجميدها أو تقييدها بناءً على اعتبارات أمنية. كما أدت أزمة السيولة إلى ظهور وسطاء يفرضون عمولات تصل إلى 40 بالمئة لتحويل الأموال الإلكترونية إلى نقد ورقي نادر.
من جانبه، اعتبر الباحث الاقتصادي أشرف إسماعيل، أن المحافظ الرقمية، ساعدت إلى حد كبير سكان قطاع غزة في تجاوز أزمة السيولة النقدية، مؤكدا في الوقت ذاته أن التسول الرقمي، هو أيضا واحدة من إفرازات الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السكان منذ عامين.
وأوضح الباحث إسماعيل، أن التسول محظور قانونا، لكن تعقيدات الحالة الاقتصادية في غزة وتضخم نسبتي الفقر والبطالة قد قادت إلى أوجه مختلفة من التداعيات، بما في ذلك التسول الإلكتروني وطلب المساعدة عبر الانترنت وغيرها من وسائل.
لكنه عبر في الوقت ذاته عن خشيته من التداعيات السلبية لهذه الظاهرة. مؤكدا أن التسول عموما يهدر الموارد المالية للمجتمع، ويزيد من نسبة الإعالة والبطالة المقنعة، بالإضافة إلى تشويه الصورة الحضارية، عدا عن أن المتسولين يمثلون طاقة بشرية معطلة لا تساهم في الناتج المحلي الإجمالي، مما يرفع معدلات الفقر.
في النهاية، لم يتحول سكان غزة إلى التعاملات الرقمية لأنهم يريدون ذلك، بل لأنهم أجبروا على ذلك. وظاهرة "التسول الشيك" ليست سوى وجه واحد من أوجه أزمة إنسانية ومالية أوسع، حيث تغيرت فقط الأداة التي يمد بها الجائعون أيديهم، من كف مفتوح إلى هاتف محمول.