على سرير العناية المُركّزة، تجلسُ السيّدة نوال، التي استخدمنا لها اسمًا مُستعارًا بموافقة ذويها، لحساسية وضعها الصحيّ، فجسدُها الهزيل موصولٌ بالأجهزة الطبية بلا حراك منذ 10 أيامٍ، ليس بفعل غارةٍ إسرائيليةٍ مباشرة، بل نتيجة سقوطها عن "عجلاة" كانت تستقلّها للتنقّل في محافظة خانيونس جنوبي قطاع غزة.
يقول طبيب العناية المركّزة المُشرِف على حالتها عز الدين شاهين، وصلَت نوال مستشفى ناصر في غيبوبة وبحالة حرجة؛ كسور في الجمجمة ونزيف في الدّماغ، وأجرت العديد من العمليّات لكنّ الضرر كبير، وعند سؤال ذويها عن سبب الإصابة تبيّن أنها كانت تستقلّ العجلاة حين وقع قصف قريب تسبّب بإسراع مفاجئ من السائق فسقطت السيدة".
هذه الحادثة ليست فردية، وفق الطواقم الطبية، انها جزء من نمط إصابات يتكرر يوميًا مع تغيّر شكل النقل في القطاع.

كيف انهار قطاع النقل في غزة؟
تُسجّل المُسوح الأوّلية قيمة خسائر قطاع النقل في غزة بنحو 3.2 مليار دولار أمريكي، وتتقاطع هذه البيانات مع رصد خدمة الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، التي وثقت تدمير حوالي 1511 كيلومترًا من الطرقات، أي نحو 77% من إجمالي شبكة الطرق بغزة.
وتُقدِّر البيانات الصادرة عن وزارة النقل والمواصلات بغزة، نسبة الدمار العام في قطاع المواصلات، منذ أكتوبر 2023 بفعل الحرب الإسرائيلية، بنحو 80% إلى 85%، يشمل هذا المركبات التي خرجت عن الخدمة، وتتراوح بين 70% إلى 75% من إجمالي الأسطول، الذي كان موجودًا في القطاع قبل النزاع، ما جعل الحركة والتنقّل عملية معقّدة وخطيرة للغاية.
وبحسب قانون المرور الفلسطيني رقم (5) لسنة 2000 ولائحته التنفيذية، تخضع المركبات المخصصة لنقل الركاب لشروط ترخيص وفحص فني ورقابة تحددها وزارة النقل والمواصلات.
إلا أن الأحداث وما رافقها من تدمير واسع للبنية التحتية ونقص الوقود أديا إلى انتشار وسائل نقل بديلة، مثل "العجلاة"، خارج الأطر التنظيمية المعتادة.
وكان المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات أنيس عرفات قد أقرّ في تصريحات سابقة لـ "آخر قصة" بأن جرّ المركبات لعربات خارجية "ممنوع قانونيًا"، لكنه أوضح أن الوزارة لا تطبق ذلك حاليًا بسبب الظروف الاستثنائية التي فرضها النزاع وتدمير معظم أسطول المركبات.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن تدمير 77% من شبكة الطرق، وخروج نحو 80% من المركبات عن الخدمة، والعجز الحاد في إمدادات الوقود، لم يقتصر أثره على تعطيل الحركة؛ بل أعاد تشكيل أنماط التنقل اليومية في غزة، عبر زيادة زمن الرحلات وكلفتها، ودفع آلاف المواطنين إلى المشي لمسافات طويلة أو الاعتماد على وسائل نقل بديلة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة.
كيف تغيّرت وسائل التنقل؟
"العجلاة"، هي مقطورة حديدية بدائية كانت تستخدم سابقا في نقل المواشي، وتُجرّ بواسطة مركبة- تتصلان بواسطة مسمار- ابتكرها السائقون في شوارع القطاع بعد أشهر من اندلاع الحرب، كشكلٍ قسريّ للمواصلات، للحدّ من أزمة الوقود والدَّمار الكبير الذي لَحِق بقطاع النقل.
يوضّح المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات أنيس عرفات لـ"آخر قصة"، أنّ عدد المركبات العاملة حاليًا في قطاع غزة لا يتجاوز 18,000 مركبة، بمختلف أنواعها: ملاكي، وأجور، وتجاري، وشاحنات، مُبيّنًا أنه "قبل الأحداث، كان إجمالي عدد المركبات العاملة في القطاع يتجاوز 80,000 إلى 90,000 مركبة، وهذا يعني نسبة عجز عام في المركبات تصل 80%".
كما أنّ المركبات التي لا تزال قادرة على السير، تعمل غالبيتها في ظروف فنّية متدهورة جدًا، من تهالك الإطارات وانعدام قطع الغيار وزيوت المُحرِّكات، بحسب عرفات، فضلًا عن أزمة شحّ الوقود وارتفاع أسعاره إلى معدّلات غير مسبوقة منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم.
تروي حنين- 32 عامًا- لـ "آخر قصة" ما حدث لها في يوليو 2025، وكأنّها تستذكر كابوسًا، تقول "كنت بالكاد تمكّنتُ من شراء 2 كيلو طحين، وأمشي بحثًا عن وسيلة نقل للعودة إلى مكان نزوحي، في وسط المجاعة، ولم أجد أمامي سوى العجلاة، فما أن شغّل السائق المركبة بينما لم أكُن مكّنت بعد جلستي، فسقطت مباشرة على الأرض. أُصِبتُ في ركبتي واستغرقتُ أسابيعَ للتعافي".
ماذا حدث لزمن وكلفة التنقل؟
هذا الشلل اللّوجستي ترَك الناس أمام بدائل خطيرة للتنقّل، وحوّل شوارع غزة إلى مسارات إجبارية للمشي القسري، حيث يضطر عشرات آلاف المواطنين والموظفين يوميًا إلى قطع كيلومترات طويلة على أقدامهم.
"أضطر للمشي يوميًا مسافاتٍ طويلة تحت الشمس؛ من مكان نزوحنا في مخيم الشاطئ، نحو الشوارع الرئيسية بحثاً عن وسيلة نقل." هكذا تصف رزان البرش (22 عامًا) رحلتها اليومية الشاقة، التي لم تعد تقتصر على التعب، بل وصلت إلى حدّ الإصابة بـ "ضربة شمس" في الأيام الماضية.
صدامٌ يوميّ مع شوارع مدمرة، ومواصلات مشوّهة خطيرة، وشمس حارقة، ولا يجد الطلبة أنفسهم إلّا أمام خيارين: الغياب عن المحاضرة/ الامتحان، أو دفع ثمن الوصول من صحتهم وعرَقهم.
تضيف رزان لـ "آخر قصة": "لمّا يكون عندي محاضرة، أضطر للمشي مسافة ثلاث إلى أربعة كيلو وأنا أبحث عن مواصلات". كذلك يفعل الطالب الجامعي محمد الخالدي، الذي قال لنا "خرجت من البيت 7 صباحًا مشيًا، لألحق اختبار الساعة 9، إذ لا توجد مواصلات، ولو وجدتها تكون ممتلئة بالركّاب".
بين حيلة المُضطّر، ومحاولة التماشي مع الواقع الوعر، بدت غُفران (29 عامًا)، أكثر سخطًا من رداءة المواصلات، فتقول عنها "هذه بعض خردة من حديد تسير على عجلات، لا تُسمى مواصلة!"، وتُضيف "إذا طلعت مشوار على غزة أرى العذاب بعينه، الناس تلقى في السيارة في الحرّ، والاكتظاظ، ويهدر وقتها بالساعات".
كما يروي لنا غازي المجدلاوي (28 عامًا)، ما يواجهه يوميًا خلال ذهابه للعمل وعودته "نضطّر إلى أن نستقلّ العجلاة، بنسبة أمان صفر، ونسبة راحة صفر، وبسبب دمار الشوارع، بتظلّ العجلاة طول الطريق طالعة نازلة تضرب بظهرك، وهذا يجعلني أحيانًا أفضّل المشي!".
تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي مسارٍ يعرقله الركام وتهالك الشوارع والازدحام، يقطع غازي 4 كيلومترات يوميًا للوصول إلى عمله مُستقلًا "العجلاة"، لتتحول رحلة الخمس دقائق (قبل الحرب) إلى ساعتيْ عذاب، يقول: "لم نعُد نعيش رفاهية إيجاد مواصلة فورًا أو أن يُوصلك السائق إلى وجهتك بدقّة، فأضطّر يوميًا لأكمل المسافة مشيًا".
تُكلّفه هذه الرحلة القسريّة في المواصلات 100$ (دولار أمريكي) شهريًا، يُضاف عليها كُلفة استئجار مساحة العمل، بحسب غازي، الذي يُضيف "قبل الحرب كانت تكلفني المواصلات 15$ أصل بها إلى مكان عملي بكل أمان وراحة".
"حتى عندما تُقرّر المشي، لا شيء يمكنه تخفيف الحرّ الذي يجلد رأسك"، يُتابع غازي "هذا الضغط والاستنزاف في المال والوقت- أكثر من 10 ساعات يوميًا فقط من وإلى العمل- لا يُبقي لي أيّة طاقة لاجتماعيات أو التزامات أخرى".
إذا واجهتَ حالةً طارئة في غزة، فلن يكون أمامك سوى الاتصال بمكتب سيارات ليُرسل إليك سيارة أجرة بناءً على طلب هاتفي "تاكسي طلب". مقابل مشوار قصير داخل المدينة، ستدفع أجرة الذهاب والعودة التي تصل إلى نحو 30 دولارًا، بعدما كانت قبل الحرب لا تتجاوز 3 دولارات.
ماذا فعل انهيار الوقود بالمشهد؟
لم يكن ابتكار بدائل المواصلات في غزة رفاهية، بل نتاجًا للحصار الإسرائيلي المستمرّ، إذ لا يدخل القطاع حاليًا سوى 15% من احتياجه الفعلي من الوقود، ما شلّ الحركة والشكل المعتاد للمواصلات، وعبّأ الشوارع ببدائل مشوّهة وخطيرة.
بيّن مصدر مسؤول في هيئة البترول بغزة، لـ"آخر قصة" أنّ العجز في إمدادات الوقود والمحروقات، منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 يصل تقريبًا إلى ما نسبته 92%، و"الكميات التي يسمح الاحتلال بإدخالها إلى القطاع لا تتجاوز شهريًا 120 شاحنة (8%) فقط ممّا ينصّ عليه الاتفاق، وهو 50 شاحنة مخصصة للوقود، من إجمالي 600 شاحنة يُفترض أن تُورّد للقطاع يوميًا، وتتقاطع هذه البيانات مع تقارير أممية أكدت تسجيل فترات منع شبه تام مؤخرًا (وصلت إلى 14 يوميًا متواصلة) صعّد خلالها الاحتلال الإسرائيلي من قيوده على إدخال المساعدات لغزة، بما فيها المحروقات.
وتُقِر كلٌّ من الهيئة والوزارة بأن المسموح إدخاله من الوقود يُورَّد عبر المعابر للمؤسسات الدولية فقط، لأغراض الإغاثة، ولا يدخل أي وقود تجاري للمواطنين، وما يتوافر في السوق السوداء من محروقات (وقود وزيوت)، بأسعار غير مسبوقة، هو نتاج تسريبات أو كميات شحيحة للغاية تدخل بظروف استثنائية.
وبحسب إفادات سائقين في غزة، يتجاوز سعر اللتر الواحد من زيت السيارات حاليًا 2000 شيكل (700$ تقريبًا)، فيما لا يزيد ثمنه خارج القطاع عن 25 شيكل (8$)، واعتبر السائقون أن اختفاء الزيت هو ما فاقم أزمة المواصلات في الأشهر الأخيرة، فضلًا عن ارتفاع أسعار الوقود، التي وصلت 35 شيكلًا للّتر الواحد 5.5 شيكل/ ليتر قبل الحرب)، ووفق هيئة البترول، هذه الأسعار متفاوتة، لافتة إلى صعوبة تحديد الأسعار ومراقبتها.
لماذا لا تُوجد تسعيرة ثابتة للمواصلات؟
تُجيب الوزارة على لسان أنيس عرفات: "إن كلفة تشغيل المركبات ارتفعت إلى حدّ غير مسبوق، بسبب ارتفاع أسعار الوقود والزيوت والإطارات وتكاليف الصيانة، وهذا رفع تسعيرة المواصلات"، مُضيفةً "لا يمكن في هذه الظروف الاستثنائية والانهيار الاقتصادي الشامل، فرض تسعيرة موحدة في غزة تجنبًا للتوقّف التام لما تبقّى من مركبات، لذا يُترك الأمر للتوافق المرن بين السائق والمواطن بناءً على الكلفة اليومية لتشغيل المركبة".
هذه الكلفة المتزايدة ترتبط بعبء نفسيّ مُعقَّد تشرحه سجود المدهون، استشارية الصحة النفسية والتربية الخاصة، وتقول لـ"آخر قصة": المواصلات غدت استنزافًا جادًّا للناس بكلّ فئاتهم، ومنهم الموظف والطالب والأم والعامل الذين يعانون من التفكير الزائد في: وسيلة النقل، آلية الدفع، الفكّة، متى سيصل وجهتَه وأكثر من ذلك".
وتُضيف المدهون "نِصف طاقة الموظفين تضيع في الطريق"، وتُشير إلى أن الأمر لا ينتهي بالوصول للوُجهة “فالتأخير المستمرّ بسبب هذه العقبات، وتدنّي الإنتاجية المتوقّع نتيجة الإنهاك الدائم، يُهدد الموظف أو العامل بالخصومات المالية أو الفصل".

كيف انعكس ذلك على أجساد الناس؟
الإنهاك الحركي المرتبط ببيانات التنقّل القاسية التي جمعناها من فئات مختلفة خلال إعداد القصّة، انتقل من الشوارع إلى عيادات العظام وأقسام الطوارئ في المستشفيات؛ إذ يربط الأطباء بين هذه البيانات والشكاوى المتزايدة من الآلام الحادة في أسفل الظهر والعامود الفقري وتورّم الأطراف.
يوضّح رئيس قسم العظام في المستشفى الأهلي فضل نعيم أن "تكدّس الركاب داخل السيارات المتهالكة، أو اعتلاء مقدمتها ومؤخرتها، والركوب على منطقة الوصل الخطرة في (العجلاة) بات مسببًا رئيسًا لحوادث وانقلابات تركت إصابات بالغة تتراوح بين الرضوض الشديدة والكسور المضاعفة، وصولاً إلى حالات وفاة".
ويضيف الطبيب نعيم، لـ"آخر قصة" أنّ: إصابات العمود الفقري والآلام الهيكلية الناتجة عن المشي الطويل والارتجاج المستمر المصاحب للتنقّل في عربات متهالكة وبدائية في شوارع مدمّرة، باتت شكوى ملازمة لشريحة واسعة من المراجعين يومياً. مؤكدًا شهادة الطبيب عز الدين شاهين الذي أفاد بتصاعد ملحوظ في أعداد الإصابات التي تصل المستشفى يوميًا بسبب المواصلات، وبعضها خطير يصل إلى قسم العناية المكثفة.

الأثر النفسي "التنقل كضغط مزمن"
الأمر بات أشبه بصراعٍ يوميّ، هكذا تصفه الأخصائية النفسية السريرية في جمعية التأهيل الوطنية، هالة سكّر، وتُوضّح لـ"آخر قصة" أنّ رحلة المواصلات في غزة "ليست مجرد تنقّلٍ جغرافيّ، بل رحلة استنزاف للذّات"، ومواجهة يومية مع الغموض والتهديد تُنشّط مركز الإجهاد في الدماغ ليُفرز باستمرار هرمونات الطوارئ: الكورتيزول والأدرينالين، فيجد الشخص نفسه استهلك احتياطه العاطفي والمعرفي لمجرّد وصوله لمكان عمله أو دراسته".
وهنا نستعرض طبقة أخرى من تأثيرات أزمة المواصلات على المواطنين، تُفسّرها سكر "في سياق غزة حيث تتراكم الأزمات المعيشية والأمنية، بات الشخص يفقد إحساسه بالسيطرة على حياته. وهذا يُغذّي الشعور بانعدام الجدوى، ويُشكّل نمط يشبه العجز المكتسب".
توثّق دراسة نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (NLM) حول آثار الحرب في غزة، أن 79.3% من الأهالي يعانون من مستويات متوسطة إلى شديدة من القلق، و84.5% يُعانون من الاكتئاب، و88.2% لديهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. وتبرز أهمّية هذه الدراسة في تقاطعها مع ما تصفه سكر بالتأثير الخطير التراكمي لجُملة الضغوط المعيشية اليومية، ومن ضمنها الصدام المتكرر مع أزمة المواصلات، والذي يُفضي إلى عزلة اجتماعية، تُفقِد الشخص شبكة الأمان العاطفي، في اللحظة التي يحتاجها أكثر.
وتُشير الأخصائية النفسيّة سكر إلى أن الفاتورة أكبر على الفئات الأكثر هشاشة، موضحةً أن "هذه الفئات مَنسيّة، وتطحنَتها كُلفة التنقّل ورداءة وسائله…، تصِلُنا يوميًا مناشدات لعائلات تعجز عن نقل أبنائها من ذوي الإعاقة أو المرضى والجرحى من مخيمات النزوح إلى المستشفيات لتلقي علاج أو دعم، لعدم امتلاكهم أجرة تاكسي الطلب المرتفعة، ما يُضاعف عزلتهم الصحية والنفسية".
وتبرُز الحاجة الماسّة للتعاطي الجاد مع هذه المناشدات، في ضوء إحصائيات حديثة توثّق ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الجرحى الذين تركتهم الحرب بإصابات مسببة لإعاقات، وعددهم حوالي 42,000، منهم 15,000 حالة إعاقة دائمة، بينها نحو 5000 حالة بتر، باتت أزمة التنقّل تحول بين معظمهم وبين تلقي العلاج التأهيلي اليومي.
وتشير تقديرات حديثة صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن كمية الركام المتراكمة في أنحاء القطاع تجاوزت 68 مليون طن متري، وسط بيانات توثق أن تكاليف إزالة وإدارة هذه الأنقاض الهائلة تتجاوز الـ 1.7 مليار دولار."
يُفاقِم واقع المواصلات سوءًا، أنّ وسائل النقل وبدائلها المتهالكة "تسير في شبكة طرق تعرّضت لتدمير شبه كامل خلال الحرب، ما جعل الحركة والتنقل عملية معقدة وخطيرة للغاية". بحسب عرفات، وهو ما تُظهره شهادات المواطنين عن التنقّل اليومي الذي صار رحلة استنزاف بدني شاقة فوق طرقات وعرة تملؤها الأنقاض.
ورغم غياب إحصاءات رسمية توثق حجم الإصابات المرتبطة بوسائل النقل البديلة، يؤكد أطباء في أقسام الطوارئ والعظام والعناية المكثفة أنهم يلاحظون بشكل متكرر وصول مصابين جراء السقوط من العجالات أو بسبب ظروف التنقل غير الآمنة التي فرضها انهيار قطاع المواصلات.
وفي نهاية المطاف، يتشابك الإنهاك البدني ليعيد صياغة السلوك العام والروابط الاجتماعية في القطاع؛ إذ تلفت هالة سكّر إلى أنّ الجسد لا يميّز بين الخطر الحقيقي والضغط المتراكم، فكلاهما يُنتج نفس الاستجابة البيولوجية؛ فالمشي القسري لمسافات طويلة، والانتظار تحت الشمس، والوقوف في الزحام يُراكم ما يُعرف بالثمن البيولوجي للضغط المزمن، والذي يتجلّى في الأرق الحاد واضطّرابات النوم المستمرة.
والضغط المزمن، كما تبين المدهون، يُترجَم جسديًا: بنوبات ضغط على الأسنان وفي الأطراف، وصداع، وآلام معدة وتورّم في الأقدام بسبب المشي، وينعكس سلوكيًا وعضويًا: عبر عصبية مفرطة، نوبات غضب، وفتور حاد تجاه المحيط. وتوضح سكّر أن هذا كله ينعكس على العلاقات حتمًا؛ ففي العمل يظهر كبرود أو عدم تعاون وهو في الحقيقة استنفاد، وفي البيت يظهر كحدّة مع الأطفال أو العائلة، وهو في الواقع صرخة شخص لم يُعطَ فرصة الاستشفاء، وتختم بأن هذا العبء يقع ثقله الأكبر على النساء اللّواتي يُواجهنَ ضغط العمل، داخل وخارج خيام النزوح.
تكشف البيانات والشهادات التي جمعتها "آخر قصة" أن أزمة المواصلات في غزة تجاوزت كونها مشكلة خدماتية، لتتحول إلى عبء اقتصادي وصحي ونفسي يومي، تغذيه خسائر واسعة في البنية التحتية، ونقص الوقود، وتراجع وسائل النقل الآمنة.
هذه المعاناة المُركَّبة لا تقفُ عند حدود الإنهاك الجسدي؛ بل تقضم تدريجيًا أبسط تفاصيل الحياة والروابط الإنسانية التي يتّكئ عليها الغزّيون للبقاء، وتتجاوز "المواصلات" كونها رحلة شاقة لتتحوّّل إلى استنزافٍ يوميّ، في واقعٍ يُسلَب فيه الحدّ الأدنى من حرية الحركة وكرامة التنقّل.