بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لا يزال اقتصاد غزة عالقًا في حالة من الشلل شبه التام. ورغم عودة بعض المنشآت الصناعية إلى العمل، فإن الأرقام الرسمية تكشف أن 11% فقط من المنشآت الصناعية في القطاع - ضمن عينة مؤشر الإنتاج الصناعي البالغة 114 منشأة - استأنفت نشاطها خلال أغسطس 2026، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

لكن هذه النسبة لا تكشف وحدها حجم الإنتاج الفعلي الذي تمكنت تلك المنشآت من استئنافه، ولا تعكس واقعًا أوسع حيث أن 89% من المنشآت لا تزال متوقفة، ومعها توقفت مصادر رزق آلاف العائلات.

تُظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" حجم التراجع الذي طال مختلف القطاعات الاقتصادية. ووفقًا لتقرير المنظمة حول التطورات في اقتصاد الأرض الفلسطينية المحتلة، تضررت أو دُمّرت نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بنسبة 94% لكل منهما، وقطاع البناء بنسبة 99%، مقارنة بمستويات عام 2022.

وانعكس هذا التراجع على الأوضاع المعيشية؛ إذ بلغ معدل البطالة في غزة 78% خلال عام 2025، فيما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 212 دولارًا سنويًا. وتقدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.5 مليار دولار، بحسب تقدير مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أوردته أونكتاد.

اقتصاد معطّل

في قلب تلك الإحصاءات تقف قصص عمال وأصحاب منشآت لم يفقدوا أعمالهم فحسب، بل فقدوا مهنًا أمضوا سنوات في بنائها ويواجهون الآن استحالة العودة إليها.

على مدار أكثر من 12 عامًا، عمل سفيان يوسف (45 عامًا) فنيَّ تشغيل وصيانة لخطوط الإنتاج في مصنع للمواد الغذائية في غزة. كان راتبه الشهري، البالغ 2,200 شيكل، يشكّل مصدر دخل أسرته المكوّنة من ستة أفراد، ويساعده على تغطية احتياجات المنزل ومصاريف تعليم ابنه الجامعي.

لكن في منتصف أكتوبر 2023، ومع اشتداد القصف الإسرائيلي على المنطقة الصناعية التي يقع فيها المصنع، توقف العمل. يقول يوسف: "إن المنشأة خرجت من الخدمة، وإن العمال وجدوا أنفسهم بلا عمل أو تعويضات، فيما لم يعد المصنع قادرًا على استئناف نشاطه".

لم يفقد راتبه وحده، بل خسر عملًا رآكم فيه خبرة تزيد على عقد من الزمن. ومع انقطاع مصدر دخله، بدأ يبحث عن فرص عمل يومية في الأسواق ونقاط تفريغ البضائع، حيث ينتظر مع عمال آخرين وصول شاحنة تحتاج إلى من يفرغ حمولتها، أو شخص يحتاج إلى مساعدة في نقل بعض الأمتعة.

يعقد حاجبيه بأسف ويوضح: "العمل أصبح متقطعًا، إلى حدّ أن دخلي الأسبوعي قد لا يتجاوز 50 إلى 80 شيكلًا في الأسابيع التي تتوفر فيها فرص عمل، وهو مبلغ لا يُقارن براتبي السابق، ولا يكاد يكفي لتأمين بعض الاحتياجات الأساسية لأسرتي".

ويضيف أن هذا التحول انعكس مباشرة على أسرته؛ إذ اضطر ابنه الأكبر إلى تعليق دراسته الجامعية لعدم قدرته على تسديد الرسوم، فيما تواجه الأسرة صعوبة في تأمين احتياجاتها اليومية، بما فيها الدواء اللازم لعلاج زوجته من ارتفاع ضغط الدم.

أما خليل عبد الله (55 عامًا) الذي أمضى سنوات في ورشة النجارة التي يملكها في حي الزيتون بمدينة غزة، يصنع الأثاث ويجهّز بيوت المقبلين على الزواج، فوجد نفسه بلا ورشة ولا معدات بعدما تعرضت المنطقة للقصف في أواخر أكتوبر 2023.

ويقول إن الحريق دمّر محتويات الورشة، بما فيها الماكينات وألواح الخشب، ولم يتمكن من إنقاذ معداته أو استرداد المواد الخام التي كان يجهزها لتنفيذ طلبات الزبائن.

قبل النزاع، كان دخله الصافي يتراوح بين 3,000 و3,800 شيكل شهريًا، وقد يصل إلى 4,000 شيكل خلال مواسم الزواج والصيف، بحسب إفادته. وعلى مدار 16 عامًا اعتمد على مهنته في النجارة لبناء مشروعه وتأمين احتياجات أسرته المكوّنة من خمسة أفراد.

ومع تعذّر استئناف عمله في النجارة، بدأ يجمع الأخشاب المكسورة وبقايا الصناديق والمنصات الخشبية من الشوارع والأسواق، ثم يحوّلها إلى حزم حطب يبيعها للأسر التي تحتاج إلى الوقود للطهي والتدفئة.

يتراوح دخل عبد الله من هذا العمل بين 30 إلى 60 شيكلًا في الأسبوع العادي، وقد تمر أيام دون أن يتمكن من بيع شيء. وبينما كان دخله سابقًا يمكّنه من تغطية تكاليف الورشة واحتياجات أسرته، بات يعتمد على عمل متقطع لا يضمن له تأمين الضروريات.

ويقول إن من أصعب ما واجهه بعد خسارة عمله عجزه عن توفير الحليب والحفاضات لطفله البالغ من العمر عامين، موضحًا أن الأسرة اضطرت إلى تقليص احتياجاتها الغذائية والاعتماد على الوجبات التي توفرها التكيات الخيرية عندما تتاح.

وبينما اضطر خليل عبد الله إلى الاستعاضة عن مهنته في النجارة بجمع الأخشاب وبيعها حطبًا، فقد إياد الشوا (41 عامًا) مصدر دخله المرتبط بالقطاع الزراعي، بعد سنوات من العمل في صيانة وتشغيل أنظمة الري والتحلية داخل الدفيئات الزراعية.

ظلّ الشوا تسع سنوات يعمل في بيت لاهيا شمالي غزة، وكان راتبه البالغ 2,400 شيكل في الشهر يغطي احتياجات زوجته وبناته الثلاث، وهنّ في أعمار بين السادسة والثالثة عشرة، أي خمسة أفراد يعيشون على دخله وحده.

المنشأة الزراعية التي كان يعمل فيها الشوا خرجت عن الخدمة بعد تدمير الدفيئات الزراعية وشبكات الري ومحطة التحلية، ما أدى إلى توقفه عن العمل وفقدانه وظيفته، إلى جانب 14 عاملًا وفنيًا آخرين كانوا يعتمدون عليها مصدرًا للدخل.

ولم يكن توقف العمل بالنسبة إلى الشوا فقدانًا للراتب وحده؛ فقد ابتعد عن مهنة اكتسب خبرتها على مدار سنوات، في وقت أصبحت فيه فرص العمل في مجاله محدودة. ومع انقطاع دخله المنتظم، بدأ يبحث عن أعمال يومية مختلفة، من بينها نقل المياه على عربة يدوية بين تجمعات الخيام، أو مساعدة الباعة في تفريغ البضائع ونقل الصناديق مقابل أجر متواضع.

ويقول إن ما يحصل عليه في اليوم الذي يجد فيه عملًا يتراوح بين 15 و30 شيكلًا، بينما لا يتجاوز دخله الأسبوعي، في الأسابيع العادية، 40 إلى 70 شيكلًا ليذهب معظمه إلى شراء الخبز وبعض الاحتياجات الغذائية الأساسية، فيما يعتمد هو وأسرته على المساعدات والوجبات التي توفرها التكيات الخيرية عندما تتاح.

امتد أثر فقدان الشوا لدخله إلى تفاصيل حياة بناته، قائلًا: "بعد أن كنت قادرًا على توفير مستلزماتهن المدرسية، أصبحت عاجزًا عن شراء الدفاتر والأقلام اللازمة لمتابعتهن مبادرات التعليم داخل الخيام. كان عجزي عن تلبية هذه الاحتياجات البسيطة من أكثر المواقف التي كشفت لي حجم التغيير الذي طرأ على حياة أسرتي".

لا تقتصر خسارة العامل لمصدر رزقه، أو توقف صاحب منشأة عن العمل، على تجارب فردية منفصلة، بل تعكس جانبًا من الانكماش الواسع الذي أصاب اقتصاد غزة، حيث تراجعت القدرة على الإنتاج وتوليد الدخل وتوفير فرص العمل. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس ماذا فقد الناس؟ بل لماذا لا يستطيعون استعادة ما فقدوه؟

شروط التعافي

إزاء ذلك يقول، المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن تدمير أكثر من 90% من القطاع الصناعي لم يؤثر على المصانع وحدها، بل انعكس على فرص العمل ومصادر دخل الأسر، وزاد اعتماد كثيرين على المساعدات.

وتتطلب عودة المنشآت إلى العمل، وفقًا لأبو قمر، توفير مستلزمات الإنتاج، من الآلات والمواد الخام إلى الطاقة والسيولة، إلى جانب تسهيل دخول هذه المواد وإتاحة المجال أمام المصانع لتسويق منتجاتها. ويتابع أن أثر توقف المنشآت لا يقتصر على العاملين فيها، بل يمتد إلى أعمال أخرى مرتبطة بها، مثل النقل والخدمات وغيرها.

في الأثناء، رأى الدكتور سمير أبو مدللة، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة، أن تضرر 92% من المنشآت وانخفاض نصيب الفرد من الناتج إلى 212 دولارًا يعنيان أن الأزمة تجاوزت الفقر والبطالة إلى تآكل الأساس الذي يقوم عليه أي تعافٍ.

 وأوضح أبو مدللة في مقال رأي نشره مطلع أكتوبر أن إعادة الإعمار وحدها لن تعيد الاقتصاد إلى العمل ما لم تُعطَ الأولوية لإعادة تشغيل المنشآت وتوفير الطاقة والمواد الخام والتمويل، وإشراك المنتجين والعمال المحليين في مشروعات الإعمار، وفتح المعابر أمام مستلزمات الإنتاج.

وللحصول على تعليق من وزارة الاقتصاد في غزة بشأن واقع القطاع الصناعي واحتياجاته للتعافي، تواصلت معدّة التقرير مع المدير العام المكلف للدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية في الوزارة، محمد بربخ، لكنها لم تتلقَّ ردًا حتى موعد إعداد التقرير للنشر.

في نهاية المطاف، لا تعني خسارة المنشآت مجرد توقف العمل، بل فقدان العمال وأصحاب المنشآت مصدر دخل ومهنة أمضوا سنوات في بنائها. ومع اضطرارهم إلى البحث عن أعمال يومية لا توفر دخلًا ثابتًا، بات تأمين احتياجات أسرهم تحديًا مستمرًا.

لكن ما تكشفه الأرقام بعد ثلاث سنوات هو أن المشكلة لم تعد في فقدان الوظائف، بل في استحالة استعادتها. فمع بقاء 89% من المنشآت الصناعية متوقفة، وتقدير احتياجات إعادة الإعمار بـ71.5 مليار دولار، وعدم توفر الطاقة والمواد الخام والسيولة، تتحول عودة العمال إلى أعمالهم السابقة إلى حلقة مفقودة في معادلة التعافي.

فلا إعمار بلا تشغيل المنشآت، ولا تشغيل بلا إعمار، ودون كسر هذه الحلقة، يبقى اقتصاد غزة عالقًا بين أنقاض الماضي واستحالة المستقبل.