من شرفة الشقة المستأجرة التي لجأ إليها بعد تدمير منزله في حيّ الرمال وسط مدينة غزة، يقف أبو محمد الكردي (45 عامًا) متأملًا حياة لم يكن يتخيلها قبل الحرب. كان البيت مساحة أمان لعائلته، قبل أن تتحول أيامه إلى حسابات يومية للإيجار ونفقات النزوح القسري التي لا تنتهي. لم يسلبه الدمار منزله فحسب، بل دفعه إلى التفريط بأحد أهم ممتلكاته، وأدخل العائلة في قلق دائم حول القدرة على تأمين أساسيات الحياة.

يقول الكردي إن الإيجار الشهري يستهلك جزءًا كبيرًا من الدخل، فيما تتراكم الديون ومتطلبات المعيشة من طعام واحتياجات أساسية، "من دون أي أفق واضح للتعويض من أي جهة مع مرور الوقت". ومع ذلك، تغيّر حديث العائلة من إعادة بناء البيت إلى البحث عن سبل تأمين الحد الأدنى من العيش.

أمام هذا الواقع، اتخذ قرارًا يصفه بالأصعب في حياته: بيع قطعة أرض احتفظ بها سنوات طويلة، وكانت تمثل مستقبل أبنائه وضمانهم في أوقات الشدة. يقول: "لم يكن القرار استثمارًا ولا رغبة في البيع، بل محاولة لتأجيل الانهيار وتأمين أشهر إضافية من الاستقرار المؤقت".

رغم الدمار الواسع، والانكماش الاقتصادي الحاد، وغياب أي أفق سياسي أو خطط واضحة للإعمار، يشهد سوق العقارات في قطاع غزة حركة بيع وشراء تبدو للوهلة الأولى نشطة على نحو مفارق. غير أن هذا النشاط لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا بقدر ما يكشف عن سوق منقسمة بين إقبال محدود على الشراء من فئة تمتلك القدرة على الدفع والالتزام المالي، وبين موجة بيع قسرية تدفع إليها آلاف الأسر تحت ضغط الديون وارتفاع تكاليف المعيشة وغياب التعويض، لتتحول الممتلكات من أصول مستقبلية إلى وسيلة أخيرة للبقاء.

خارج قطاع غزة، وتحديدًا في جمهورية مصر العربية، وجد أبو أيهم عرفات (60 عامًا) نفسه أمام خيار مشابه. لم يكن وجوده خارج القطاع قرارًا اقتصاديًا، بل فرضته ظروف الحرب. ومع مرور الوقت، بدأت تكاليف المعيشة في الخارج ترتفع بما يفوق قدرته على الاحتمال، لتتحوّل الممتلكات التي تركها خلفه إلى المورد الوحيد المتاح.

يقول عرفات: "الإيجار ومصاريف الحياة اليومية ومتطلبات الاستقرار خارج غزة جعلت استمرار الحياة دون دخل ثابت مستحيلاً". ومع غياب أي مصادر دعم منتظمة، اضطر إلى بيع منزلين يملكهما في غزة بسعرٍ يقلّ كثيرًا عن قيمتهما الحقيقية، من 120 ألف دولار إلى 45 ألفًا فقط. ويضيف أن البيع عن بُعد لم يكن سهلًا، في ظلّ الإجراءات القانونية المعقدة، ومتابعة التفاصيل من خارج البلاد، والقبول بأسعار متدنية.

داخل غزة، لم يكن سامر الحايك (44 عامًا) يتصور أن يغادر البيت الذي نشأ فيه في حيّ الرمال نازحًا بعد إخلاء قسري فرضته الحرب. وبعد تدمير عمله التجاري الصغير وفقدانه مصدر دخله الوحيد، بدأت الديون تتراكم سريعًا من دون بدائل حقيقية.

يروي: "حاولت تجاوز الأزمة بالاستدانة من الأقارب، وبعت ذهب زوجتي وسيارتي، لكن ذلك لم يكن كافيًا في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة وتوقف فرص العمل وقلّة المبيعات". ومع اشتداد الضغوط، وجد نفسه مضطرًا لبيع المنزل الذي ورثه عن والده لسداد الالتزامات المالية المتراكمة.

يصف القرار بأنّه فقدان مضاعف متحدثًا عن شعور بالعجز يتجاوز الخسارة المادية: "المنزل الذي لم أفقده في القصف أفقده اليوم بيدي، بعد أن كان مستقبلًا لأبنائي وشقا عمر أهلي".

أما أبو العبد المصري، فلم تكن الحرب وحدها ما هددت منزله بل ما تلاها من غياب أفق واضح للإعمار أو التعويض. بعد تضرر البيت جزئيًا وخروجه عن الخدمة، عجزت العائلة عن ترميمه أو العودة إليه في ظلّ شح الإمكانيات وارتفاع تكاليف البناء. يقول: "بقاء المنزل مدمّرًا جعله عبئًا بدل أن يكون مأوى". 

وأضاف أن دفع الإيجار في شقق أخرى، وتصاعد الحديث عن تأخر الإعمار وعدم وضوح آليات التعويض، دفعه إلى بيع البيت بسعر أقل من قيمته الحقيقية، خشية أن يضيع من دون مقابل. يتابع: "لم يكن القرار رغبة في البيع، بل خوفًا مستمرًا على المستقبل".

في المقابل، يروي حسام النجار (47 عامًا) أنه خسر جميع ممتلكاته داخل ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" خلال الحرب، بما في ذلك منزل العائلة ومخزن تجاري كان يشكّل مصدر دخله الأساسي. يقول: "كل ما أملكه على الأرض انتهى، الشيء الوحيد الذي نجا كان ما تبقّى لي في البنك".

بعد أشهر من النزوح واستنزاف الإيجارات، قرر النجار شراء شقة سكنية صغيرة في مدينة غزة عبر التزامات بنكية، ليس بدافع الاستثمار أو الثقة بالوضع القائم، بل كخيار لتقليل النزيف المالي. يضيف: "الشراء لم يكن رهانًا على الاستقرار، بل محاولة لإعادة تثبيت الحد الأدنى من الحياة بعد خسارة كل شيء".

في المقابل، تروي رنا أبو زيد (39 عامًا) تجربة شراء قسرية في سوق تصفه بـ"الباهظ وغير المنطقي". بعد استنزاف مدخراتها في الإيجارات خلال النزوح، اضطرت لشراء شقة صغيرة في مدينة غزة مقابل نحو 85 ألف دولار، رغم أن سعرها قبل الحرب لم يتجاوز 50 ألفًا. تقول: "الشراء لم يكن استثمارًا، بل هروبًا من نزيف الإيجار"، معتبرة أن غلاء العقارات الحالي يعكس ضغط الحاجة أكثر مما يعكس أي استقرار في السوق.

وبالنظر إلى الانخفاض الحاد في عدد الوحدات السكنية المتبقية في قطاع غزة بعد الحرب، حيث تشير تقديرات أممية حتى عام 2026 إلى تدمير أو تضرر نحو 436 ألف وحدة سكنية، أي ما يقارب 92% من إجمالي المساكن، مقابل طلب قسري ومتزايد على السكن، يبرز اختلال واضح في معادلة العرض والطلب. هذا الاختلال، في ظل غياب أي تنظيم أو تسعير مرجعي للسوق، خلق بيئة مفتوحة لارتفاعات سعرية لا تعكس القيمة الحقيقية للعقار أو مستوى الخدمات، بقدر ما تعكس ضغط الحاجة والخوف من فقدان المأوى، ما يضع سوق العقارات في دائرة الاشتباه بممارسات تسعير مبالغ فيها.

من داخل سوق العقارات نفسه، يصف زاهر الهندي، وهو سمسار عقارات يعمل في غزة منذ سنوات، المشهد القائم بأنه بعيد عن أي سوق طبيعية. يقول: "أغلب عمليات البيع ليست بدافع الربح، بل بدافع الحاجة". 

ويوضح أنه لا توجد أسعار ثابتة للعقارات في هذه المرحلة،إذ تحكم ظروف البائع الصفقة أكثر من القيمة الفعلية للعقار أو أسعاره المعروفة سابقًا. ويتابع: "الناس تبيع للإيجار، أو للعلاج، أو لتسديد ديون، والسعر نعدّله حسب وضع صاحب البيت والضغط الواقع عليه".

يشير الهندي إلى أن كثيرًا من الصفقات تُنجز بأسعارٍ أقل من القيمة الحقيقية، وأن جزءًا كبيرًا من البائعين هم نازحون فقدوا منازلهم أو أشخاص خارج غزة يحتاجون إلى السيولة لتغطية تكاليف المعيشة. أما المشترون، فهم غالبًا من فئة محدودة تمتلك القدرة على الدفع والالتزام المالي. يضيف: "هذا ليس سوق تعافٍ، هذا سوق ضغط"، معتبرًا أن النشاط الظاهر يعكس عمق الأزمة أكثر مما يعكس أي استقرار اقتصادي.

ولا تقتصر هذه الوقائع على حالات فردية، بل تأتي في سياق أزمة اقتصادية أوسع تضرب قطاع غزة. فبحسب بيانات أممية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 80%، فيما تجاوزت معدلات البطالة 70–80%، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وأي أفق واضح للتعويض أو الإعمار.

ويوضح المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن سوق العقارات في غزة كان يشكّل قبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 نحو 8% من مجمل الناتج المحلي، لكنه توقف بنسبة تُقارِب 95% خلال فترة النزاع التي امتدّت لعامين وما بعدها. 

ويشير إلى أن أسعار العقارات تأثرت بشدة نتيجة الدمار الواسع، فانخفضت في البداية إلى أقل من نصف قيمتها الحقيقية. أما الارتفاع اللاحق، فلا يعكس تعافيًا اقتصاديًا، بل هو نتاج ضغط معيشي حاد دفع الأسر إلى بيع ممتلكاتها تحت وطأة ظروف قاسية.

ويضيف أبو قمر أن الاقتصاد الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، سجل خلال العام الماضي انكماشًا بنسبة 7.8%، ما أفرز استجابة قسرية لأزمة اقتصادية خانقة انعكست بوضوح على سوق العقارات.

في غزة، تبدو الحركة الظاهرة في سوق العقارات واجهة تخفي خلفها واقعًا اقتصاديًا هشًا، حيث تُباع البيوت تحت الضغط، لا بدافع الاستثمار، بل خوفًا من ديون تتراكم ومستقبل بلا ملامح. ومع استمرار الغموض حول الإعمار والتعويض، يبقى السؤال الاقتصادي معلّقًا: إلى متى سيواصل الناس دفع ثمن الحرب من ممتلكاتهم، قبل أن يلوح أفق حقيقي للاستقرار؟