في خيمة نزوح في خانيونس جنوب قطاع غزة، جلس وسام النجار أمام دفتر قديم علاه الغبار. اقتطع صفحته الأولى ليشعل بها نارًا أرهقته حتى اشتعلت، لكنه لمح قبل أن يلتهمها اللهب جدول مصروفات شهر فبراير/شباط 2023. عندها، لم يعد الدفتر مجرد أوراق، بل صار مرآة لزمن قريب كان فيه يملك دخلًا ثابتًا قدره 800 شيكل شهريًا، ينظم على أساسه نفقاته ويشتري احتياجات أسرته. لكنه منذ أن فقدَ مصدر رزقه الوحيد قبل عامين أصبح يعيش اليوم بلا دخل، معتمدًا على المساعدات الإغاثية.
يقول وهو ينظر إلى صورته في المكتبة التي كان يعمل فيها: "فكرة ألا يكون لك مصدر دخل ثابت مرهقة جدًا. أُفضّل التنظيم المالي، لكنني منذ عامين أعاني أزمة مالية وأعيش على ما يتيسر من رزق يومي. لا مدخرات تُذكر سوى مبلغ بسيط أقتطع منه عند الحاجة، ولا راتب ولا أي شيء آخر".

جرّاء اندلاع النزاع، فقدَ آلاف الغزيين مصادر دخلهم، وتلاشى الأمان الوظيفي الذي كان يوفّر راتبًا شهريًا منتظمًا. ومع انهيار الاقتصاد، تراجعت القدرة الشرائية للسكان بشكل حاد، لتجد أسرٌ كثيرة نفسها بلا دخل ثابت يلبّي احتياجاتها الأساسية أو يتيح لها أبسط مقومات الحياة الكريمة.
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تجاوز معدل البطالة في صفوف الغزيين 80%، وتضررت 90% من المشاريع الصغيرة، فيما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 83% خلال عام 2024، وتخطى التضخم في أسعار السلع الأساسية 108% بحلول منتصف 2025؛ ما يعكس انهيارًا حادًا في الاقتصاد المحلي انعكس مباشرة على معيشة السكان، حيث فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها وتراجعت قدرتها الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.

هذا الواقع تعيشه شرائح واسعة من سكان قطاع غزة الذين فقدوا مصادر دخلهم، بينهم حرفيون ومزارعون خسروا حرفهم وأراضيهم. في دير البلح وسط القطاع، يجلس المزارع نائل معروف داخل خيمته، مستعيدًا اللحظة التي اضطر فيها إلى مغادرة بيته في بيت لاهيا شمال القطاع بعدما حاصرته الدبابات الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، راحت خسائره تتراكم؛ فالأرض التي كانت رأس ماله ومصدر رزقه، وتبلغ مساحتها 13 دونمًا، جُرِفت بالكامل، ليخسر نحو 300 ألف دولار.
يقول واضعًا رأسه بين كفيه: "كان لي بيت وأراضٍ ودخل شهري مستقر. الآن ليس لدي مصدر رزق آخر، ولا أعرف عملًا سوى الزراعة، بالكاد أوفر أساسيات الحياة".
خسارة مصادر الدخل طالت شرائح أخرى أيضًا، من بينهم عاملون في مجال الخدمات الرقمية والعمل عن بُعد. من هؤلاء لينة حسين، التي كانت تعمل ككاتبة محتوى في شركة عربية، قبل أن تفقد عملها إثر الحرب.
كانت حسين تعتمد على دخلٍ ثابت تنظّم مصروفاتها على أساسه، وتساعد عائلتها بجزءٍ من راتبها؛ لكن الآن، أصبحت تحسب كل نفقة بدقة. تقول: "انتقلت من مرحلة أعيش فيها بارتياح وأشتري ما أريد، إلى مرحلة أراجع فيها كل شيكل. وحتى لو عدتُ للعمل، فإنّ نصف ما سأجنيه سيذهب إلى كلفة مساحة العمل اليومية ومصاريف المواصلات".

من الناحية الاقتصادية، يقول المختص الاقتصادي عمر صلوحة إنّ هذه التحولات أدت إلى تراجع هائل في قدرة الناس على تلبية احتياجاتهم اليومية واستنزاف لمدخرات الناس، رافقه "إعادة توزيع قسرية" للدخل لمصلحة فئات احتكارية في ظلّ قيود حركة السلع والأموال وتعطل السحب النقدي.
ويضيف صلوحة أن السوق الغزي شهد ممارسات احتكارية تمثلت في التلاعب بتسعير السلع وإخفاء متعمد للبضائع، ما وضع أصحاب الدخل غير الثابت في ورطة عميقة وأفقد كثيرين قدرتهم الشرائية.
وبحسب دراسة محلية يستند إليها صلوحة، بلغ إجمالي ما أنفقته الأسر حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025 نحو 3,739.1 مليون دولار، مقابل 1,069.1 مليون دولار قبل الحرب، ما يعني تآكلًا في القوة الشرائية للمبالغ المنفقة على الاستهلاك يُقدّر بـ 2,670 مليون دولار، وبنسبة خسارة 71.4% خلال فترة الحرب.
ويشير إلى أنّ هذا التآكل جرى تعويضه عبر السحب من مدخرات سابقة، ومساعدات عينية ونقدية، وتحويلات من أقارب، وتبرعات محدودة، إضافة إلى الاقتراض وتقليص الاستهلاك بشكل كبير؛ لكن هذه الأدوات، بطبيعتها، مؤقتة.
قانونيًا، ينصّ قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 على أن العمل حق لكل مواطن قادر، وتلتزم الدولة بتوفيره على أساس تكافؤ الفرص ومن دون تمييز. وتنص المادة (25/1) صراحة على أنّ "العمل حق لكل مواطن وهو واجب وشرف وتسعى السلطة الوطنية إلى توفيره لكل قادر عليه"؛ لكن بين النص القانوني والواقع مسافة تتسع مع استمرار الأزمة.

وبين واقع اقتصادي منهك وخطط تعافٍ ما تزال في مراحلها الأولى، تشير جهات اقتصادية إلى وجود محاولات لدعم بعض القطاعات المتضررة. وفي هذا السياق، يقول عضو الغرفة التجارية حسام الحويطي إن هناك خططًا قصيرة ومتوسطة المدى لإنعاش النشاط الاقتصادي للفئات التي فقدت مصادر دخلها، تقوم أساسًا على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنفيذ برامج تشغيل مدفوعة الأجر بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية ووكالة الأونروا.
ويضيف أنّ الغرفة التجارية تمارس منذ أكثر من عامين جهود مناصرة وضغط للسماح بإدخال المواد اللازمة لعملية التعافي، مثل الوقود والطاقة الشمسية والمواد الخام، التي دخلت حتى الآن بكميات محدودة، إلى جانب التنسيق مع جهات رسمية ومؤسسات دولية لدعم القطاعات المتضررة.
وبحسب الحويطي، فإن أكثر من 116 ألف عامل في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات فقدوا أعمالهم، إضافة إلى نحو 19 ألف عامل في مجالات الزراعة والصيد والثروة الحيوانية. كما تعرضت أكثر من 88% من المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة، أي نحو 50 ألف منشأة، لأضرار متفاوتة، دُمّر 64% منها بشكل كامل، فيما تُقدّر الخسائر بنحو 12 مليار دولار.
في غزة، لم يعد فقدان الدخل الثابت تفصيلًا عابرًا. فغيابه حرم آلاف العائلات من القدرة على التخطيط لمستقبلها، ودفعها إلى الاعتماد على المساعدات لتغطية أبسط الاحتياجات. وبين اقتصاد منهك وقدرة شرائية متراجعة، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة بناء مصادر دخل مستدامة تعيد للناس قدرًا من الاستقرار المالي.