تشير الفلسطينية حنين العمصي إلى جبل من الخرسانة المهشمة والحديد المتلف، وتقول: "تحت هذا الجبل ترقد عشرات المؤلفات والكتب، هنا كان مقر عيون على التراث"، المكان الذي حوّلته هي وثماني فتيات أخريات قبل عشر سنوات إلى ورشة عمل دؤوبة، بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة غزة المكتوبة.

 على أطراف حي الرمال غرب مدينة غزة، حيث كان يرتفع برج الغفري ذات يوم، تقف العمصي وهي ترمق أكوام الركام المتراصة، محاولة استعادة معالم المكان الذي قضت فيه سنوات من عمرها. 

المقر المدمر كان يأوي مخطوطات نادرة تعود لثلاثة قرون خلت، كتب ومجلات ودوريات طُبعت في فلسطين قبل نكبة عام 1948، وصور فوتوغرافية ووثائق تعود إلى أواخر العهد العثماني. كان المكان أشبه بمتحف سري، يحفظ نبض المدينة التي كانت تخضع للحصار، لكن الحرب الأخيرة لم تترك منه سوى الغبار وقصاصات متناثرة.

وعلى الرغم من وقع الفاجعة التي تعيشها العمصي، إلا أن العمصي أثرت أن تواصل مشوارها في البحث وجمع المخوطات والكتب والمراجع، متسلحة بإرادة صلبة. 

تغير العمصي وجهتها وتنتقل إلى الشرق حيث أنقاض المسجد العمري الكبير (مسجد تاريخي يتوسط مدينة غزة)، تقف اليوم هنا وإلى جانبها زميلاتها، ينبشن بأيديهن بين الشظايا والغبار لأجل إعادة ترميم المكتبة التي جاءت عليها الحرب. 

تظهر فجأة صفحة من مخطوطة قديمة، مزقها القصف لكن حبرها لا يزال شاهدًا على عمرها. تتلقفها الأيدي ثم تبدأ رحلة الترميم والجمع. تقف الفتيات الفلسطينيات الأخريات إلى جانب العمصي وهي المديرة التنفيذية لمؤسسة "عيون على التراث"، ويبحثن كما يفعل رجال الدفاع المدني عن الأحياء بين الأنقاض. يتقربن بعيونهن وايديهن للنبش بين الركام، كما لو أنهن يسألن هل من مخطوطة حية هنا؟.

"مجلات كاملة، أرشيفات فوتوغرافية، وصور نادرة، جميعها اختفت"، تقول رنيم، إحدى عضوات الفريق، وهي تمسك بواسطة القفازات بطرف ورقة ممزقة : "لو ضاعت هاي المخطوطات وما انتشلناها، راح نفقد ذاكرتنا وهويتنا، لأن من لا يملك تاريخه لا مستقبل له".

وهذا الجهد هو ثمرة تعاون بين "عيون على التراث"، و المجلس الدولي للأرشيف، ضمن مشروع "إنقاذ عاجل لمجموعة "الشيخ محمد عواد" في سياق الجهود المتواصلة التي تبذلها المؤسسة لإنقاذ التراث الثقافي الفلسطيني المكتوب، والحفاظ على ما تبقى من الموروث الثقافي الفلسطيني في مدينة غزة وحمايته من الاندثار.

قبل أيام فقط من هذا الدمار، وتحديدًا في أكتوبر 2023، كان المشهد مختلفًا تمامًا. كانت ورشة الترميم نفسها في مقر "عيون على التراث" تبدو مثل مختبر التحليل العلمي. الأجواء هادئة، مفعمة بالتركبز والصبر. هناك، جلست الباحثة آلاء دويمة، ممسكة بريشة ناعمة مصنوعة من مواد طبيعية، تنفض بكل عناية الأتربة العالقة على كتيب قديم للعلامة الغزاوي الشيخ أحمد بسيسو. 

في زاوية أخرى، كانت حنين السرساوي تحدق عبر مكبرها لتبحث عن حشرات دقيقة قد تتغذى على صفحات كتاب من أواخر العهد العثماني. كانت تستخدم إسفنجة من ألياف الفينيل، البديل المتاح عن الإسفنج الطبيعي الذي يمنعه الحصار عن غزة منذ 19 عامًا.

بجانبها، كانت جمانة جبر تعمل بصمت أمام شاشة حاسوب، تحوّل المخطوطات القديمة إلى صور رقمية، لترسلها إلى موقعي المكتبة البريطانية ومتحف "هيل" الأمريكي. كانت هذه الأرشفة بمثابة شريان حياة للذاكرة الفلسطينية، وتأكيد على أن غزة ليست مجرد بقعة محاصرة تحتاج مساعدات، بل مدينة أنجبت علماء وأدباء أثروا الحياة الفكرية.

تقول العمصي، وهي تروي فلسفة عمل الفريق في ذلك الوقت: "المرمم إن لم يكن لديه ثقافة لن ينجح في عملية الترميم". لهذا اختار الفريق أن يكون طاقم الترميم من النساء فقط. فالعملية، كما تصفها، معقدة وحساسة وتحتاج صبرًا طويلاً قد يمتد لست أو سبع ساعات لمخطوط واحد. كانت تشرح آنذاك طموحها للوصول إلى مراحل متقدمة من الترميم باستخدام الورق الياباني، وحلمها بإنشاء متحف دائم في غزة يجذب السائحين والباحثين من العالم.

اليوم، بعد الدمار، تعود حنين العمصي وزملاؤها إلى النبش تحت الأنقاض ليس فقط لترميم المخطوطات، بل لإنقاذ ما تبقى حياً بين الانقاض. تقول سماح، إحدى عضوات الفريق، وهي تقف بجانب كومة صغيرة من المخطوطات التي انتُشلت: "لو ما أنقذنا جزء من اللي طلعناه من تحت الركام، كنا خسرنا حكايتنا". 

بين مشهدي أكتوبر 2023 واليوم، تتكشف قصة متصلة الحلقات: حلقة من البناء والصبر في الورشة، وأخرى من الخسارة والبحث تحت الركام. لكنه في النهاية، الخيط الرفيع نفسه الذي يربط امرأة فلسطينية بأخرى، يحفرن بأظافرهن في التراب ليقلن للعالم: هذه ذاكرتنا، ولن نتركها تموت.