تجلس مجموعة من النساء في دائرة ضيقة داخل إحدى المساحات الآمنة، تتداخل أصواتهن بين حكايات الفقد والقلق، بينما تقود إحداهن تمرينًا بسيطًا للتنفس العميق. لا شيء في المكان يوحي بالهدوء الكامل، لكن شيئًا ما يتشكل بصمت: محاولة جماعية للتماسك.

هنا، نفّذ مركز شؤون المرأة في قطاع غزة 180 ورشة توعوية حول "الأهمية الصحية النفسية في ظل الطوارئ"، استهدفت النساء والفتيات، ضمن مشروع "توسيع نطاق الخدمات المتكاملة المنقذة للحياة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي في فلسطين"، الممول من UNFPA-ECHO.

في تلك الورش، لم تكن الصحة النفسية مفهومًا نظريًا، بل تجربة يومية تُناقش عبر تفاصيل الحياة: القلق، الخوف، فقدان الأمان، وأعباء النزوح.

تقول اعتماد وشح، منسقة المشروع في المركز لمراسلة "آخر قصة": تهدف هذه الورشات إلى تمكين النساء والفتيات من التعرف على مصادر الضغوط النفسية وآليات التكيف الإيجابي في ظل الظروف الصعبة، إلى جانب تطوير مهارات التواصل الفعال والتفريغ النفسي وتعزيز الثقة بالنفس".

قبل هذه الورش، كانت حوالي ثلاثة آلاف من النساء هن مجمل المشاركات في الورش يواجهن مشاعرهن بصمت. لكن اليوم تغير المشهد تدريجيًا، وتشير وشح إلى أن تنفيذ 180 ورشة أظهر تغييرات واضحة، ليس فقط نفسيًا، بل سلوكيًا داخل الأسرة والمجتمع.

تقول المنسقة: "أصبحت المشاركات أكثر قدرة على التعبير عن آرائهن والدفاع عن حقوقهن، مع انخفاض ملحوظ في مستويات التوتر والقلق، وزيادة الشعور بالأمان الداخلي، وفهم أفضل للمشاعر وكيفية التعامل معها."

هذا التحول لم يأتِ بسهولة. فغزة، التي يعيش فيها مليوني نازح، تفرض واقعًا يوميًا ضاغطًا، حيث تتقاطع الأزمات النفسية مع تحديات البقاء.

في إحدى الجلسات، تتحدث "ربا" التي فقدت معيل أسرتها، بينما تجلس بجانبها سيدة أخرى نجت من العنف، فيما تشترك كلاهما في تجربة النزوح، لكن لكل واحدة قصة مختلفة من الألم.

وتوضح وشح أن جميع النساء والفتيات النازحات تأثرن بشكل كبير، لكن بعض الفئات بدت أكثر هشاشة، مثل الأرامل وزوجات الأسرى والمفقودين، إلى جانب الناجيات من العنف، في ظل ارتفاع وتيرة العنف بمختلف أشكاله.

وتضيف: “واجهت النساء ضغوطًا هائلة تمثلت في الحزن والقلق والاكتئاب، إلى جانب ضغوط تأمين الاحتياجات الأساسية، وتحمل أدوار إضافية بشكل مفاجئ، والقلق من المستقبل، خاصة مع اتساع الفجوة التعليمية لدى الفتيات”.

داخل تلك الورش، لم يكن الحديث كافيًا. كانت هناك أدوات عملية: تمارين استرخاء، تقنيات تنفس، جلسات دعم فردية وجماعية، ومحاولات مستمرة لإعادة بناء الشعور بالسيطرة على الحياة.

كما عمل المركز من خلال تلك التدريبات على ربط النساء المشاركات بخدمات متعددة: قانونية، صحية، نفسية، وإغاثية، في محاولة لتقديم استجابة متكاملة لاحتياجاتهن.

تتابع منسقة الدعم النفسي والاجتماعي في مركز شؤون المرأة: "نحاول خلق مساحة آمنة للنساء للتعبير عن مشاعرهن ومشاركة تجاربهن، وتعزيز شبكات الدعم الاجتماعي بينهن".

لكن الطريق لم يكن ممهدًا، فالإقبال الكبير على الورش شكّل تحديًا بحد ذاته، إلى جانب الاكتظاظ في مراكز الإيواء. تبين اعتماد وشح: تغلبنا على ذلك من خلال تنظيم الوقت وتكييف الورش حسب احتياجات المشاركات، والعمل ضمن فريق لضمان استمرارية الدعم."

ورغم هذه الجهود، لا تزال الفجوة بين الحاجة الفعلية والخدمات المتاحة واسعة. تردف وشح: "هناك فجوة كبيرة جدًا بين الاحتياج للدعم النفسي والخدمات المتوفرة، بسبب النزوح المتكرر، وصعوبة الوصول إلى المراكز، وانعدام المواصلات."

في إحدى الزوايا، تتحدث مجموعة من المشاركات عن شيء لم يكن سهلًا قوله سابقًا، وهو الصحة النفسية. تشير نادية (55 عامًا) إلى أن هذه الورش ساعدت في تصحيح مفاهيم خاطئة ترسخت لديها بفعل العادات والتقاليد، وكسرت جزءًا من الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

في المقابل تؤكد وشح أن التغيير لم يقتصر على الوعي، بل امتد إلى السلوك، حيث أبدت المشاركات استعدادًا أكبر لطلب المساعدة، مع تحسن واضح في القدرة على التعبير عن المشاعر، وانخفاض مستويات التوتر، وحتى تراجع في وتيرة العنف الممارس ضد النساء.

اليوم، لا تنتهي القصة بانتهاء الورشة. تروي المنسقة: "نحن نعمل على تدريب السيدات والفتيات على مهارات إدارة الضغوط ومنع الانتكاسة، وتزويدهن بخارطة الخدمات وكيفية طلب المساعدة عند الحاجة".

وفي سياق يتقاطع فيه الدعم النفسي مع منظومة الحماية القانونية داخل المساحات الآمنة، يشير الاستشاري القانوني ماهر أبو طه، إلى أنّ "التدريب الواعي ليس ترفًا، بل هو خط الدفاع الأول لحماية الكرامة الإنسانية وصون حقوق المستفيدين من أي شكل من أشكال الاستغلال أو الانتهاك. كل خطوة نحو التأهيل والمعرفة هي خطوة نحو بيئة أكثر أمانًا وعدالة، حيث تُحترم الحدود وتُحمى القيم ويُصان الإنسان قبل كل شيء".

بين جلسة وأخرى، تتشكَّل حكايات صغيرة من التعافي. ليست نهاية للأزمة، بل محاولة للاستمرار داخلها. وكما في كل مرة، تجلس النساء في دائرة، يتبادلن الحكايات، يتنفسن ببطء، ويحاولن الإمساك بخيط رفيع من التوازن. في مكان لا يمنحهن الكثير من اليقين، يصنعن لأنفسهن مساحة تقول: يمكننا أن نصمد، ولو قليلًا.