"لقد تم حظرك وشطب الحصّة الخاصة بك". لم تكن هذه الرسالة ما توقّعه محمود عبد الحميد (38 عامًا)، حين لمح الإشعار الذي وصل على هاتفه من "نظام توزيع الغاز"، بعد أكثر من شهريْن على نفاد أسطوانته، ومعاناة الطّهي على نار الحطب، التي اختنق صوته وهو يصف مشقّتها.

لم تتضمّن الرسالة توضيحًا لسبب الشطب، ما دفعه لتسجيل شكوى، وصل ردّها بعد أيامٍ بأنّه لم يعُد يستوفي الشروط وفق قرارات حكومية جديدة تستثني المُطلّقين دون أبناء من نظام الغاز، ما اعتبره محمود ظلمًا، لوقوعه خارج هذه الفئة، فلديه طفلة لكن تتواجد خارج البلاد. ويتساءل: "أليس الاستحقاق هو المعيار؟ لماذا يُحرَم شخصٌ من حقّه لأنه مطلق؟".

يعيش محمود مع أفراد من عائلته، بلا مصدر دخل، وعند انقطاع الغاز لا يستطيع شراءه من السوق السوداء لارتفاع سعره، فيلجأ للطهي على نار الحطب. وتكلفة هذا البديل ليست المشكلة الأكبر بالنسبة للشاب، بل الأزمة الصدريّة المُزمنة التي يُعاني منها، وتُضاعف عليه خطر التعرّض لدخان النار. 

مقابل الحرمان المباشر بالشطب، تقف عائلاتٌ أخرى في طابور انتظارٍ يطول، تواجه حرمانًا من نوعٍ آخر. فثلاثة أشهرٍ بالتمام والكمال، هي المدة التي قضتها نجوى العيلة* (33 عامًا) في انتظار رسالةٍ تبلغها بالتوجّه لتعبئة أسطوانة الغاز، التي فرغت بعد أسبوعين من تعبئتها في الدورة السابقة، لتجد الأم نفسها أمام خيارين كلاهما مرّ.

يعتمد زوج نجوى على عملٍ يومي لا يوفر للعائلة المكونة من 4 أفراد سوى دخلٍ زهيد، ما يجعل شراء الغاز خيارًا مُستحيلًا. تقول بنبرةٍ يمتزج فيها العجز بالقهر: "لا يكفي أن تكون أسماؤنا في كشوف الغاز، فنحن مظلومون بانتظارنا أشهرًا لنحصل على جرّة الغاز 8 كيلو، لو أردنا شراءها سندفع دخلنا كله، لذا أضطرّ للطهي على الحطب الذي يخنق دخانه أطفالي".

بين أسرةٍ تُحرم كليًا من حقّها بالغاز، وأخرى تحصل عليه بعد انتظارٍ طويل تدفع ضريبته من صحّة أفرادها، في ظل وجود كميات من الغاز في السوق السوداء تتجاوز أسعارها 10 أضعاف السعر الرسمي، تبرز تساؤلاتٍ تتعلّق بإدارة هذا الملف الحيوي والرّقابة عليه. لذا ينطلق تقرير المُساءلة هذا من فرضيةٍ أنّ إسقاط آلاف الأسماء من نظام الغاز، والضعف المُحتمل في الرقابة على سلاسل التوريد والسوق، أوجدا فجوات استحقاق حرمت فئاتٍ عدّة من حقّها في غاز الطهي. ونُسائل هيئة البترول، باعتبارها الجهة الرسمية الوحيدة التي تدير ملف الغاز بغزة.

لا تعلم نجوى السبب الحقيقي وراء تأخر دورها في استلام حصّتها، لكن تتساءل: "لماذا ننتظر بالشهور مع وجود كميات كبيرة من الغاز في السوق السوداء؟". وما تتحدّث عنه السيّدة ليست سوقًا مخفية عن الأنظار، بل نقاط مخصصة للغاز تصطفّ فيها عشرات الأسطوانات من مختلف الأحجام، تبيع وتشتري الغاز جهارًا بأسعار غير مخفيّة.

وخلال جولةٍ شملت 4 نقاط، رصدنا أسعار الغاز على فترات متفرّقة خلال شهريْ سبتمبر وأكتوبر، لتبلغ بمتوسط الرصد الميداني 100 شيكلٍ للكيلو الواحد، فيما لا يتجاوز سعر أسطوانة الغاز المعبأة عبر نظام الغاز الحكومي بوزن 8 كيلو 75 شيكلًا. فكيف تصل الأسعار لهذا الحدّ؟ ومن الذي يُتحكّم بها؟

للإجابة على هذا التساؤل، نستعرض واقع غاز الطهي في غزة، والذي يسري عليه ما يُطبق على بقية السلع الأساسية والحيوية في القطاع، من القيودالإسرائيلية على التوريد خلال الحرب الاسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر 2023، ووصلت هذه القيود في فتراتٍ إلى الحظر الكامل على دخول الغاز للقطاع. وبعد اتفاق وقف النار في أكتوبر 2025، كان المسموح به، بحسب هيئة البترول، إدخال نحو 10 شاحنات يوميًا من غاز الطهي، وهذا لا يحدث.

وعن الكمّيات التي تدخل غزة حاليًا من غاز الطهي، تُفيد الهيئة بأنها تقتصر على 4 إلى 5 شاحنات يوميًا، في أيام عمل معبر كرم أبو سالم التجاري، بمتوسط يصل سقفه إلى 400 طن أسبوعيًا (نحو 1600 طن شهريًا)، ويتوقف التوريد بالكامل مع كل إغلاق للمعابر. وقياسًا بالاحتياج الشهري الأدنى لسكان القطاع، الذي تقدّره الهيئة بنحو 260 طنًا يوميًا (نحو 8 آلاف طن شهريًا)، يصل العجز إلى 80% على الأقل.

على إثر شُحّ الإمداد أوجدت هيئة البترول نظام توزيع الغاز، الذي تتوّلّى هي إدارته حصرًا، للتخفيف من أثر العجز الهائل. وهو آلية حكومية معتمدة لتوزيع غاز الطهي على الأسر تبعًا لمعايير محددة، ولذلك فإنّ قاعدة بيانات النظام مرتبطة بالسجل المدني المعتمد من وزارة الداخلية، والذي يضمّ حاليًا 508 آلاف أسرة، تزيد شهريًا بحدود 5 آلاف أسرة جديدة. فيما يُغطّي البرنامج للدورة الواحدة حوالي 50 ألف أسرة.

إقصاء

وأمام المعادلة الصعبة بين شح الوارد والنموّ الطبيعي للأسماء على قوائم الانتظار الإلكترونية، لجأت الهيئة إلى قراراتٍ إدارية، أعلنت أنّها تهدف إلى تقليص دورة التوزيع، و"ضمان وصول الخدمة لمُستحقّيها" إلّا أنّ القرارات أثارت جدلًا بين المواطنين حين اتّجهت الهيئة لإسقاط آلاف الأسماء من المنظومة تحت تبرير "إعادة التنظيم، وتوجيه الدعم للأسر المستقلّة".

القرارات تشمل: إيقاف استفادة فئة المُطلقين/ات دون أبناء، تحت سنّ 50 عامًا، ويبلغ عددهم حوالي 8000 اسم. وأحالت السبب، وفق توضيح صحفي، صدر في 6 أغسطس، إلى انتفاء صفة الأسرة المستقلّة عن هذه الحالات، التي أضافت- بصياغة حاسمة- أنّهم "يعيشون ضمن عائلات ويستفيدون من مخصّصاتها". فيما صدرقرارثانٍ، في 14 أكتوبر، يتضمّن آلية جديدة لتوزيع حصص الأسر حسب عدد أفرادها، يهدف إلى "ضمان استهداف الأسر بناءً على احتياجها الفعلي، ولتخفيف تداعيات الأزمة".

فهل تقلّصت المدّة الزمنية لدورة التوزيع؟ وهل توجّه الدعم فعلًا وحصرًا للأسر المُستقلة؟ وأين حقّ المواطن بما يضمن حقّها الذي يكفله قانون حماية المستهلك، في عدّة مواد، منها المادة 2 منه التي تنصّ على "حماية وضمان حقوق المستهلك بما يكفل له عدم التعرّض لأية مخاطر صحية أو غبن أو خسائر اقتصادية، وتوفير السلع والخدمات ومنع الاستغلال والتلاعب في الأسعار، وتأمين شفافية المعاملات الاقتصادية". وكذلك المادتان 9 و10 من القانون الأساسي، اللتان تؤكدان على أنّ "حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام"، دون تمييز.

هذه النصوص، وعلى وضوحها التام، تتعارض أحيانًا مع القرارات التي تصدر في حالات الطوارئ، كحرب غزة، إلّا أن التزام الجهات المسؤولة بصون حقوق المواطنين وتوفير الحدّ الأدنى من مقومات الحياة الكريمة- خاصة للفئات شديدة الاحتياج- لا يسقط.

وجّهنا الأسئلة إلى هيئة البترول، التي ردّت كتابةً عبر جهة اتصال رسمية دون ذكر اسم متحدث، وكرّرت الدوافع المُعلنة في بياناتها، خاصة لقرار شطب 8000 اسم، الذين صنّفتهم جميعًا بأنّهم "لم يعودوا مستحقين لأنهم ليسوا عائلات مُكتملة". مُضيفةً أن المشطوبين "فئة بسيطة، وهي أعشار (1.6%) من نظام الغاز".

والحديث عن كون الفئة بسيطة، يُوحي بتناقضٍ بين ما يبدو تخفيفًا لأثر الشطب، والهدف المُعلن للقرار- وفق التوضيح الصحفي- بأنّه سيُقلص التوزيع. وهو ما دفعنا لسؤال الهيئة، بعد مضيّ أكثر من شهرين بعد قرار الشطب، هل تقلّصت دورة التوزيع؟ لتردّ بأنّ الأثر لم يتّضح، لأنّ تنفيذ قرار الشطب تزامن مع إغلاق المعبر عدّة أيام، فضلًا عن زيادة العدد الإجمالي للأسر المستفيدة بنفس عدد تلك المُستبعَدة، تقريبًا.

وعرضنا على الهيئة حالاتٍ مُتضررة من القرار، ومستحقّة لحصتها في الغاز- منهم الأب محمود- ما يطعن في تصريحها القطعي، بأنّ الشطب أقصى أفرادًا غير مُستحقين ويعيشون مع عائلاتٍ لديها حصصٌ في النظام. وعند مراجعتها في هذا التناقص، تُقرّ الهيئة بوقوع الضرر. وتُضيف: "شكاوى عديدة وصلت في هذا الإطار وبعد فحصها تأكّدنا من صحّتها". 

القرارات المُعلنة تخلق فجوة حرمان وإقصاء، وفق ما يراه المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، وإن مثل هذه الإجراءات تتطلّب معايير أكثر عدلًا في الإدارة والتوزيع. وأشار إلى أنّه حتى قرار التوزيع على عدد أفراد الأسرة، جاء متأخرًا نحو عام، فلم يكُن من العدل أن يحصل الفرد على ذات الحصة التي تصل العائلة المكونة من 10 أفراد على سبيل المثال. وهو قرارٌ اعتبره غير مكتمل ويتسبب بفوضى خلال عملية التوزيع.

وعن مصير شكاوى المواطنين في هذا السياق، تكشف هيئة البترول لـ "آخر قصة" أنها بصدد تشكيل لجنة خاصة لدراسة هذه الحالات الإنسانية المُستحقّة، خاصة من فئة المُطلقين الذين أسقطهم النظام بقرار الشطب، ويُمكن إعادة النظر في قرار استثنائهم وإعادتهم لنظام الغاز. لكن الآن لا يوجد قرار مباشر بإرجاعهم حتى مع تأكد استحقاقهم.

احتكار

إذن وجود حالات مستحقّة يُسقطها النظام لم يعُد محل شكّ، بإقرار الهيئة. لكن الإقرار لا يكفي، فالإقصاء يتزامن مع احتياجٍ شديد، ترك عائلاتٍ في حالة هشاشة وعوَز، وعجزٍ حتى عن استخدام البدائل، كالطهي على الحطب، الذي تبلغ تكلفته 5 شواكل للكيلو الواحد. يُقابل هذه الصورة مشهد أسطوانات الغاز المكدّسة على المفترقات بأسعار باهظة.

فما مصدر هذه الأسطوانات؟ للإجابة، سألنا هيئة البترول: ما مسارات توزيع الكمّيات الواردة لغزة من غاز الطهي؟ لتحسم الردّ بأنّها تُوزّع حصرًا في مساريْن؛ الأول: الأسر المستفيدة ضمن نظام توزيع الغاز، والثاني: حصص تُوزّع على محطات ومُوزّعين. وعن المسار الأخير، تشرح الهيئة أنّ "لكل محطّة نحو 30 أسطوانة كاملة (12 كيلو) عن كل شحنة، وللموزّعين أسطوانة مثلها عن كل عملية تعبئة"، وتقدّر هذه الحصص مُجتمعةً بنحو 1-2% من قيمة نظام الغاز، كما تُحصّل المحطات نسبة من ثمن الغاز، حوالي 6 شواكل عن كلّ جرة.

وترى الهيئة أنّ حصص الغاز التي تذهب للمحطات والموزعين لا تؤثر فعليًا. وحين عرضنا عليها شهادات تفيد بأنّ التسريب إلى السوق السوداء يمرّ عبر قنوات داخل المنظومة، نفت الهيئة قاطعةً، بالقول: "لا يُوجد أي حصص تصل للسوق السوداء من هيئة البترول". مُشيرةً إلى أنّ الفاقد الفنّي في نظام الغاز منذ بداية العمل به لا يتجاوز 1%. غير أنها تُقرّ في الردّ ذاته بأن بعض حصص المحطات والموزّعين تُباع هناك. 

في السياق ذاته، تمكنّا من الوصول إلى تاجرٍ يُدير نقطة غاز في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وافق على الحديث إلينا شرط إخفاء هوّيته لحمايته من التبعات. ويروي كريم أحمد* أنّ بضاعته تأتي من مُستفيدين يبيعون حصصهم، لأسباب متباينة، لتجارٍ مُحتكرين، يشترونها منهم بسعرٍ بخس مقارنةً بالأسعار التي يفرضونها لاحقًا.

ويستبعد التاجر التسريب من المحطات، لوجود الرقابة من هيئة البترول. ويقدّر هامش ربحه بحوالي 80 شيكلًا في الأسطوانة الواحدة، فيما يتجاوز الربح الصافي لدى كبار التجار 350 شيكلًا، وتزيد هذه الأرقام في أوقات إغلاق المعابر وتوقّف التوريد.

ويُفسّر المختص الاقتصادي أبو قمر الاحتكار بأنّه نتيجة مُتوقّعة: إمداداتٌ شحيحة تخلق عجزًا هائلًا، بلا بديل آمن للأسر، وطلبٌ لا يتراجع مهما ارتفع السعر كون الغاز سلعة إستراتيجية أساسية، فيغدو التخزين والمُضاربة مُجزيَيْن؛ وكل إغلاق للمعبر فرصةً لرفع السعر. ورغم منطقية هذه المعادلة اقتصاديًا، لم يعتبرها أبو قمر مبررًا لعدم اتخاذ إجراءات للحد منها.

ويُقرّ بوجود تراخٍ في الرقابة العامة على الأسواق- بما فيها سوق الغاز- تجعل قطاعات عديدة تنزلق إلى السوق السوداء. ويقول: "هذا التراخي، إلى جانب شحّ الوارد، يسمحان بمظاهر من فرض النفوذ الاقتصادي والاحتكار ورفع الأسعار دون سقف". وبينما يُقرّ بصعوبة السيطرة الفاعلة على الأسواق- لأسباب متباينة تتعلّق باستمرار النزاع والانهيار الاقتصادي- يرى أن الحلّ لإشكالية الاحتكار والغلاء هو بالدرجة الأولى زيادة الكميات المتدفقة من الغاز لغزة.

وخلال حديثه، قدّم أبو قمر من واقع متابعته، نماذج لحصص تُباع لأنها لا تذهب لمن يحتاجها. منها حالة لعائلة يقرؤها النظام كثلاث أُسر، وهم في الواقع 5 أفراد: أبٌ وأمٌّ وابنتان شقيقتان فقدتا زوجيهما شهيدين، ويقيمون معًا، فيحصلون على 24 كيلو من الغاز (ثلاث حصص بوزن 8 كيلو) ويبيعون جزءًا منها.

يتوافق هذا مع حالة الشاب أدهم مصطفى* (24 عامًا)، وهو خاطبٌ عقد قرانه مؤخرًا ويحصل على حصّة 8 كيلو في كل دورة، رغم أنه يعيش مع عائلته المكوّنة من 9 أفراد، وتحصل على 12 كيلو. يقول: "حين علمتُ بأن حصة الغاز تصدر حتى للخاطبين عجّلت بعقد القران لأحصل على حصة. وأقوم ببيعها بسعر جيد فأنا لا أُحصِّل من عملي سوى أجرًا زهيدًا".

سألنا الهيئة: لماذا يحصل خاطبون لا يشكّلون عائلات مستقلّة على حصصٍ تُزاحِم مستحقين شديدي الاحتياج، لتُحيل السبب إلى أنّ نظام الغاز مرتبط بسجلّات المحاكم الشرعية، لذا يقرأ كل زواج جديد باعتباره أسرة جديدة أُضيفت.

وما يُمكن وصفه بالخلل الإداري في نظام الغاز، تُبرره الهيئة بقولها: "لا نملك حتى اللحظة وسيلةً للتحقق من كل أسرة جديدة، وما إن كانت انتقلت لمسكنٍ مستقل أم هو مجرد عقد قران". وتُشير إلى حالات احتيال شُطبت أسماء أصحابها بعد التحقق منها، منها تزوير أوراق طلاق أو حُجج هجران.

وفي سياق التحقق من الحالات، يُقدّم المُختص أبو قمر بديلًا وصفه بأنّه قابلٌ للتطبيق بسهولة، وهو التدقيق الميداني لحالات الخُطاب والمتزوجين الجُدد، ومن يثبت استقلاله ضمن عائلة جديدة يكون مُستحِقًا لحصته من الغاز، ويُشطب غير المُستقلّين بصفتهم غير مستحقين. مُقرًا بصعوبة الوصول إلى العدالة الكاملة، لكن اتباع معايير مدروسة وفق الاحتياج يُتقدّم بالنظام بأقرب نقطة ممكنة من العدالة. 

مَن يُراقب؟ 

وانطلاقًا من تصريحها بأنّها هي الجهة الرسمية الحصرية التي تتولى إدارة نظام الغاز، وجّهنا لها سؤالًا حول الأسعار والرقابة على نقاط غاز السوق السوداء. لتُجيب: "شحّ الكميات هو سبب الاحتكار لأنه يفتح المجال للسوق السوداء". مشيرة إلى أن رقابة الهيئة تتركّز على المحطات والموزّعين، مع وجود عقبات أمام المتابعة الميدانية لأسعار السوق، بسبب صعوبة الحركة والتنقّل في ظل الاستهداف.

وتُضيف أن الرقابة على أسعار الغاز في الأسواق مسؤوليةٌ مشتركة مع عدة جهات حكومية، منها وزارة الاقتصاد (وفيها إدارة حماية المستهلك) ومباحث التموين.

غير أنّ وزارتيْ الاقتصاد والداخلية نفتا ذلك. فعند سؤالهما عن الرقابة على أسعار الغاز، قالتا في تصريحات متوافقة لـ "آخر قصة" إنّ ملف الغاز في هيئة البترول بالكامل، ولا دور إداريًا أو رقابيًا لهما فيه. وأوضحت "الداخلية" أنّ وجود عناصر شرطية عند المحطات ونقاط التعبئة يقتصر على التأمين. فما تصفه الهيئة بمسؤولية مشتركة تشمل وزارة الاقتصاد ومباحث التموين، تنفي وزارتا الاقتصاد والداخلية أي دور لهما فيها.

وبين الوصف والنّفي تبقى أسعار غاز الطهي بلا رقيب. بل وتُباع الأسطوانة منه علنًا بنحو عشرة أضعاف سعرها الحكومي.

وعند الاحتكام إلى القانون، نجد نصوصًا صريحة. فالمادة (22) من قانون حماية المستهلك تحظر على المزوّد "إخفاء أية مادة أو سلعة مخزونة لدى المزود عن أي شخص يود شراءها دون سبب مشروع»، و«بيع سلعة أو تقديم خدمة بسعر أو بربح يزيد عن السعر المعلن عنه". وتُعرّف المادة (1) من القانون "الوزارة" بأنها وزارة الاقتصاد الوطني، فيما تنص المادة (2) على أن من أهداف القانون توفير السلع والخدمات ومنع الاستغلال والتلاعب بالأسعار.

كما تفرض المادة (27) من القانون، بعد تعديلها بموجب المادة (2) من القرار بقانون رقم (27) لسنة 2018، في البندين (6) و(7)، عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنة، وغرامة لا تقل عن ألف دينار أردني ولا تزيد على عشرة آلاف دينار، على من يمتنع عن عرض أو بيع السلع التموينية، أو يخالف التسعيرة المعلنة، وفق الحالات المحددة في كل بند.

لكن كيف تُطبّق هذه النصوص في سوق يصفه خبراء اقتصاديون بأنه يعاني انهيارًا تحت وطأة الأزمات التي خلّفتها الحرب وفاقمتها، وفي ظل غياب تحمّل الجهات المعنية لمسؤولياتها؟

وبحسب ما يُوصّفه الأكاديمي والاقتصادي سمير أبو مدللة، فما يحدث في أسواق غزة "اقتصاد حرب في مرحلة انهيار جزئي للسوق؛ بفعل النزاع والانهيار اللّوجستي، وشحّ الوارد للقطاع من مختلف السلع الإستراتيجية الحيوية، وضعف الرّقابة بفعل تضرّر الإمكانات البشرية والمؤسسية". لكن الانهيار لا يعفي جهات المُساءلة من مسؤولياتها.

وفي مسار المحاسبة، سألنا الهيئة عن إجراءاتها بحق المخالفين والمحتكرين، وهل تنشر تقارير شفافية ومتابعة أداء مُعلنة للمواطنين؟ لتكتفي في هذا السياق باستعراض ما نفّذته من إجراءات محاسبة تضمّنت وقف عمل موزّعين ومحاسبة محتكرين وفرض غرامات مالية بعد تحقيقات أعقبت شكاوى مواطنين ومتابعة داخلية.

وتقول إنّ لديها نظام شكاوى جديدًا مدمجًا بنظام الغاز وأرقامًا معلنة للتواصل، تُتابَع فيه الشكوى وفق طبيعتها والجهة المعنية، وتُتخذ الإجراءات العلاجية والتصحيحية عند ثبوت التظلّم. ولم تدعم الهيئة ردّها بسجلّات تُوثّق إجراءات المحاسبة، كما لم تذكر شيئًا عن تقارير الشفافية المُعلنة. 

بهذا، تُظهِر المعطيات أن الأزمة ليست في شحّ الغاز وحده، بل في إدارته: نظامٌ يُقصي مستحقين ويُبقي من لا يستحق فيبيع حصته، وسوقٌ تبلغ فيها الأسطوانة عشرة أضعاف سعرها الرسمي دون جهةٍ تتبنّى فعليًا مسؤولية مراقبتها. وتدفع العائلات الثمن من صحتها، إذ يحلّ دخان الحطب مكان الغاز.

وبين محمود الذي خرج من النظام ونجوى التي تنتظر دورها، تقرّ هيئة البترول بوجود مستحقين بين المشطوبين، لكنها لا تملك حاليًا قرارًا بإعادتهم. فأين تذهب حصص من شُطبوا؟ ومتى تعود أسماء المستحقين؟ وإلى حينه، من يراقب السوق الذي بات يتحكم فيه المحتكرون؟

 

(*) حالات طلبت إخفاء أسمائها الحقيقية لحماية خصوصيتها أو تجنبًا لتبعات.