في قاعة واحدة بجامعة الأزهر غرب مدينة غزة، جلس قرابة 500 طالب أمام امتحان القدرات الذي يحدد نصف علامة المفاضلة على مقاعد الطب، بحسب الطالبة علياء زياد، الحاصلة على معدل 98.6%.
تقول: "كنا نحو 500 طالب في قاعة واحدة، النت سيء جدًا ولا أحد يجيبك على أسئلتك، ممنوع الحاسبة والورقة والقلم، ولكي يصلك ورقة وقلم تنتظر دور طويل، والوزارة بينما نحن في ضوضاء وازدحام كانت قد فتحت برنامج المودل للامتحان وهذا كله من وقتنا، وللانتقال من سؤال لسؤال يتطلب دقيقة انتظار، أنهيت الامتحان وعدت للبيت محبطة."
ويحمل هذا الامتحان نصف وزن المفاضلة على مقعد في كلية الطب، فمعادلة القبول المعتمدة تحتسب 50% من علامة اختبار القدرات و50% من نتيجة الثانوية العامة.
أرقام الوزارة
ووفقًا لوزارة التربية والتعليم العالي في بيان لها في 23 سبتمبر 2026، بلغ عدد المتقدمين للامتحان 4261 طالبًا وطالبة، منهم 2891 للطب البشري، و653 لطب الأسنان، و717 للصيدلة. غير أن أرقام الوزارة نفسها لا تستقر عند رقم واحد: ففي بيانها الصادر في 30 سبتمبر ذكرت أن المتقدمين بلغوا 4259 في الجلسة الأولى و777 في الثانية، أي نحو 5036، بينما تحدث بيانها الأحدث عن قرابة 6000 دون أن يفسر الفارق.
ونظرًا لحالة علياء والعشرات من الطلبة الذين يطالبون الوزارة بإعادة النظر في ملفاتهم بعد استبعادهم من كلية الطب البشري، مع أحقية بعضهم بدخول تخصصات أخرى كالصيدلة وطب الأسنان، أصدرت الوزارة بيانًا أحدث في 4 أكتوبر 2026 أكدت فيه أن سبب عدم قبول بعض الطلبة هو محدودية المقاعد قياسًا إلى الأعداد الكبيرة للمتقدمين، إذ بلغ عددهم قرابة 6000 طالب وطالبة مقابل أعداد محددة تستوعبها البرامج وفق متطلبات الجودة، وأن ذلك غير مرتبط بالحكم على قدراتهم أو إمكاناتهم.
وقالت في بيانها: "تم تشكيل لجنة مُشتركة من الوزارة والجامعات الأربع للإشراف على مُختلف مراحل العملية، بدءًا من إعداد الاختبار وتنفيذه، وانتهاءً باستخراج النتائج وترتيب الطلبة (...) وتم تنفيذ المرحلة الأولى من الامتحان لنحو 4000 طالب/ة (...) وتم قبول الطلبة أصحاب أعلى متوسطات وفق الأعداد التي تسمح بها الطاقة الاستيعابية للبرامج، وبلغ عدد المقبولين في المرحلة الحالية نحو 1500 طالب/ة."
وأضافت: "ونظرًا للظروف الاستثنائية التي يعيشها طلبة قطاع غزة، وعدم قدرة العديد منهم على مغادرة القطاع للالتحاق بجامعات أخرى، فقد تمت زيادة أعداد القبول بنسبة 20% فوق الطاقة الاستيعابية الأساسية للبرامج (...) سيتم كذلك النظر في زيادة إضافية تصل إلى 10% لكل برنامج لاستيعاب أعداد أخرى من الطلبة الذين حالت الظروف الراهنة دون مغادرتهم القطاع."
وأقرت الوزارة في البيان ذاته بأن الامتحان رافقه انقطاع في الكهرباء والإنترنت وتعذر وصول عدد من الطلبة إلى القاعات، فنظمت جلسة إضافية لمن لم يتمكنوا من التقدم في الجلسة الأولى. وبذلك تظل الزيادة الإضافية المحتملة احتمالًا بلا حجم أو موعد معلنين، فيما تقف الأرقام عند نحو 1500 مقبول مقابل قرابة 6000 متقدم، أي أقل من ثلث المتقدمين في برامج الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة مجتمعة.
يقف مئات الطلبة وعائلاتهم اليوم أمام مفترق طرق حاسم بعدما حُرموا من الالتحاق بالتخصصات التي طالما حلموا بها، في واقع معقد يتجاذبه طموحهم المشروع من جهة، ومعايير الوزارة والجامعات من جهة أخرى. فبينما يرى الطلبة وأولياء أمورهم أن نظام المفاضلة المعمول به، الذي يعتمد مناصفة 50% لمعدل الثانوية العامة و50% لاختبار القدرات، غير عادل، تؤكد الوزارة والجامعات الشريكة أن محدودية الطاقة الاستيعابية للكليات الطبية والبنية التحتية المجهدة هي ما استدعى هذا الإجراء، ويضيف اقتصاديون اعتبارات سوق العمل، كما يرد لاحقًا في هذا التقرير.
شهادات الطلبة
أما علياء فقد ظل الطب بالنسبة إليها رغبة عائلية أكثر منه حلمًا شخصيًا. وحين لم تصلها رسالة تفيد بقبولها في كلية الطب لم يعنها الأمر كثيرًا، وقررت أن تتجاوز وتبحث عن تخصص آخر.
تكمل علياء: "وبناء على الفوضى التي جرت قرروا إعادة الامتحان لدفعتنا تحديدًا، قدمناه في الجامعة الإسلامية، وهناك الفرق كان ظاهرًا، صف كبير به حوالي 20 طالب، نسمع ما يقوله المشرفين، وإنترنت بجودة عالية، لكن لم تصلني رسالة قبولي في كلية الطب، وبعدها وصلني رسالة تخيرني ما بين الصيدلة وطب الأسنان، فاخترت الثانية." وتختلف شروط الامتحان بين جلسة وأخرى بحسب روايتها، في وقت يمثل فيه اختبار القدرات نصف علامة المفاضلة.
أما الطالب كريم سيف، الحاصل على معدل 99.6% في الثانوية العامة، فقد صُدم حين أُبلغ بعد تسجيله في كلية الطب بوجود امتحان معياري يهدف إلى تقييم المهارات التحليلية، لكنه قرر مواجهته كما واجه الامتحانات الأصعب قبله، طامحًا إلى كلية الأحلام.
يقول وهو يستذكر تخيلات الطفل كريم بالرداء الأبيض وبلقب الدكتور: "منذ طفولتي وأنا أحلم بدراسة الطب البشري، لم أر نفسي سوى طبيبًا، وحصدت المعدل المطلوب الذي يؤهلني للالتحاق بالحلم، لكن جاء امتحان القدرات الذي اعتبره ظلمًا كبيرًا لكثيرين من الطلبة، إذ انعقد في ظروف غير مهيأة، وكانت الصعوبة الكبرى في الأسئلة التي تعتمد على التحليل السريع والمفاضلة بين إجابات متقاربة جدًا في وقت زمني ضيق، مما وضعني في توتر شديد."
ويكمل: "لا أرى غير تخصص الطب البشري أمامي، لا أدري ماذا سأفعل أنا الآن، هل أقبل بالتنسيق الذي وجهني لكلية طب الأسنان؟ كل ما أعرفه أنني أواصل مناشدة وزارة التربية والتعليم العالي وإدارة الجامعات باتخاذ قرار استثنائي يشمل زيادة الطاقة الاستيعابية لكلية الطب البشري."
في المقابل، قُبلت الطالبة تالا صلوحة في كلية الطب البشري بالجامعة الإسلامية بعد خضوعها لامتحان القدرات الذي أثبتت جدارتها فيه، وهي الحاصلة في الثانوية العامة على معدل 97.9%.
تقول: "الطب كان حلمي منذ الطفولة وحققته، رأيت ما حصل مع زملائي المتفوقين أيضًا، وشعرت بالحزن لابتعاد حلمهم عنهم، وآمل أن تتم إعادة النظر في الحاصلين على المعدلات المرتفعة جدًا ممن حُرموا من حلم الطب البشري." وتُظهر حالتها أثر معادلة المفاضلة: فمعدل 97.9% لم يحل دون قبولها في الطب البشري، في حين لم يضمن معدل 99.6% لكريم سيف المقعد نفسه.
الردّ الرسمي
توجهنا بسؤال إلى رئيس الهيئة الوطنية للاعتماد والجودة والنوعية لمؤسسات التعليم العالي، معمر شتيوي، حول امتحان القدرات: هل ترى الوزارة أن نتيجة اختبار واحد تكفي لتبرير عدم قبول طالب متفوق أكاديميًا؟ فأجاب: "إن الاستناد إلى التقييمات المعيارية لا ينطلق من مبدأ الاستغناء عن شهادة الثانوية العامة، بل يأتي استجابة للضرورات التربوية التي تفرضها أدبيات القياس عند التنافس في الشرائح العليا. فإن التقارب الكبير في المعدلات المرتفعة بين الطلبة المتفوقين استدعى إدخال أدوات تقييمية تخصصية ومكملة كاختبار القدرات لإبراز المهارات التحليلية الدقيقة المتصلة بالعلوم الطبية، بما يضمن حوكمة المفاضلة وتحقيق أعلى درجات العدالة بين المتقدمين على المقاعد المحدودة."
وأكد شتيوي أن عدم قبول بعض الطلبة يعود بالأساس إلى عجز هيكلي في الطاقة الاستيعابية والسريرية للمستشفيات والجامعات في قطاع غزة، إذ تدار العملية التعليمية حاليًا بنمط مدمج، وقد دُمر جزء كبير من المختبرات العملية والتطبيقية في الجامعات، وتراجعت قدرة المستشفيات الحكومية والخاصة على استقبال أعداد كبيرة من المتدربين للتدريب السريري والعملي الميداني، مؤكدًا أن الأمر غير مرتبط بعدم استحقاق الطلبة أو التقليل من جهدهم.
وتتقاطع إفادته مع أرقام وزارة التربية واليونسكو التي تشير إلى تضرر نحو 95% من مؤسسات التعليم العالي في القطاع، إذ دُمر 22 حرمًا جامعيًا كليًا من أصل 38 وتضرر 14 حرمًا جزئيًا، وفق ما نقلته الجزيرة نت في أبريل 2026.
وعند سؤاله عن البدائل التي توفرها الوزارة للطلبة الذين لم يحالفهم الحظ في القبول، خصوصًا من خسروا فرصة الالتحاق بالتخصص الذي يرغبون فيه رغم معدلاتهم المرتفعة، أجاب: "لم تقف الوزارة عند حدود القبول التنافسي الاعتيادي، بل عملت على إيجاد مسارات استيعابية مرنة تُحافظ على المسار العلمي للطلبة وذلك من خلال التوسيع الاستثنائي للسعة الاستيعابية تقديرًا للظروف وعدم قدرة الطلبة على السفر للخارج، وذلك لمعالجة أكبر قدر ممكن من طلبات الطلبة المتميزين، وتم فتح المجال وتحويل الطلبة المؤهلين ممن لم تحالفهم السعة الاستيعابية في الطب البشري نحو تخصصات حيوية أخرى تشمل طب الأسنان والصيدلة."
وبذلك تعني "المسارات الاستيعابية المرنة" عمليًا أن يُعرض على الطالب مقعد في طب الأسنان أو الصيدلة بدلًا من الطب البشري، وهو ما واجهته علياء وكريم.
وشدد شتيوي على أن إدارة العملية تمت بالكامل عبر لجنة عليا مشتركة شُكلت بقرار من وزير التربية والتعليم العالي، وضمت الوزارة وممثلين عن الجامعات الشريكة (الأزهر والإسلامية وفلسطين والإسراء) إلى جانب لجنة المشرفين الميدانيين. ولضمان الالتزام المطلق بالأعداد ومنع أي تجاوزات، أُقر نظام حوكمة يلزم الجامعات برفع القوائم المعتمدة نهائيًا إلى دائرة المعادلة والامتحانات في الوزارة، ولن تُصدق شهادة أي طالب يُقبل خارج هذه القوائم الرسمية.
لكن السؤال الأهم: إذا أقرت الوزارة بانقطاع الكهرباء والإنترنت أثناء الامتحان، فلماذا لم تعمم آلية معلنة تتيح لكل متضرر معرفة حقه في الإعادة؟
رأي الخبراء
ومن ناحية تربوية، تقول المختصة التربوية حكمت المصري إن اختبار القدرات في هذه الحالة يتجاوز كونه اختبارًا معرفيًا، إذ يحمل الطالب معنى أكبر بكثير: "مستقبلي كله يتوقف على هذه الساعات." وهنا يتحول الاختبار إلى موقف عالي الضغط. وقد يعرف الطالب الإجابة لكنه لا يستطيع استدعاءها بسبب القلق والتوتر، أو يتراجع أداؤه عن مستواه الحقيقي، وتزداد المشكلة عندما تكون المقاعد محدودة جدًا، لأن الطالب لا ينافس فقط لتحقيق درجة معينة، ويشعر أنه ينافس زملاءه على عدد محدود من الفرص.
وأوضحت أنه يوجد لدى طلبة قطاع غزة فاقد تعليمي واضح؛ فالطالب الذي أمضى سنوات دراسته في ظروف الحرب لم يحصل على البيئة التعليمية نفسها التي حصل عليها طالب في ظروف مستقرة، وهذه التجارب يمكن أن تؤثر في التركيز والذاكرة وسرعة معالجة المعلومات والقدرة على تنظيم الوقت وتحمل الضغط، ولذلك فإن نتيجة اختبار واحد قد لا تعكس بالضرورة القدرة الأكاديمية الحقيقية للطالب.
وتؤكد المصري أن المطلوب من المنظور التربوي هو التفكير في "العدالة السياقية" مع الإبقاء على الاختبارات والمعايير كما هي: هل نقيس الطلبة جميعًا بالمعيار نفسه دون النظر إلى الفروق الكبيرة في الظروف التي تعلموا فيها؟ ومن الآليات الأكثر إنصافًا، بحسب المصري، احتساب السجل الأكاديمي بوزن أعلى وإتاحة أكثر من فرصة للاختبار.
وتشير إلى أن الطالب قد يفسر عدم قبوله حكمًا على قدرته، فيصاب بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس والشعور بالظلم، وربما رفض أي تخصص بديل لأنه يخالف حلمه الأول. وترى أن دور الأسرة هو مساعدته على الفصل بين قيمته الشخصية ونتيجة القبول، بعيدًا عن التهوين بعبارة مثل "لا بأس، اختر أي تخصص وانتهى الأمر" أو تضخيم الخيبة. أما الجامعة، فعليها أن توفر إرشادًا أكاديميًا حقيقيًا وتشرح للطالب البدائل والمسارات الممكنة.
ومن ناحية اقتصادية، يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن امتحان القدرات الذي أجري مؤخرًا أداة يراها معمولًا بها في معظم دول العالم، وخيارًا ناجعًا لضبط التضخم العددي في الإقبال على كليات تُخرج أعدادًا ضخمة في مقابل فرص عمل شحيحة، إذ يُسهم هذا الامتحان في حماية سوق العمل من تفاقم البطالة ومنع الخلل في التوازن بين العرض والطلب.
فيما يشرح المختص الاقتصادي عمر صلوحة أن الحاجة إلى بعض التخصصات الطبية قد تبدو مستمرة بسبب النمو السكاني، ما يجعل التوسع فيها خيارًا عقلانيًا، على عكس تخصصات أخرى كالهندسة. لكنه يلفت إلى أن سوق العمل في غزة عاجز تمامًا في الوقت الحالي وخلال السنوات المقبلة عن استيعاب أعداد الخريجين من هذه التخصصات بسبب التدمير الحاصل. ويوضح أنه لا بد من الارتكاز على معايير توازن بين الندرة والكفاءة واحتياجات سوق العمل والتنمية، وأولها تحليل الحاجة الفعلية لسوق العمل وربط أعداد المقبولين بحجم الطلب الحقيقي في القطاعين العام والخاص لمنع حدوث بطالة هيكلية.
وبين أحلام كبرت في الحروب وواقع تحكمه معايير الطاقة الاستيعابية والضرورات الأكاديمية، تظل قصة "امتحان القدرات" في غزة شائكة ومتعددة الأبعاد. فبينما تبحث وزارة التربية والتعليم العالي عن حوكمة القبول وحماية جودة التأهيل الطبي وسط بنية تحتية مدمرة، يقف مئات المتفوقين أمام حسرة ضياع حلم الطفولة الماثل في كلية الطب البشري. وفي ظل عجز كثيرين منهم عن مغادرة القطاع للدراسة في الخارج، كما تقر الوزارة نفسها، يصبح بلوغ الحلم أشد صعوبة.
وتتجدد دعواتهم بألا يُتركوا تحت رحمة شاشات سيرفرات تعطلت وامتحان في وقت زمني ضيق، ويبقى سؤالهم معلقًا: هل تُطوى سنوات طويلة من التفوق مقابل امتحان واحد؟ وإن كان كذلك، فليمنحوهم فرصة أخرى ليثبتوا أنفسهم.
