في ساعات الصباح الأولى، تتجمع عشرات الحوامل أمام عيادة الأونروا "البندر" في منطقة الصحابة بحي الدرج وسط مدينة غزة، بعضهن يصلن قبل بدء دوام الأطباء بوقت طويل أملاً في الحصول على رقم يضمن لهن الدخول إلى الفحص المجاني. ومع نفاد الأرقام، ينتهي انتظار بعضهن لساعات قبل أن تبدأ المعاينة، ويصبح الحصول على موعد جديد مرتبطًا بيوم آخر ومسافة أخرى وطابور جديد.

يأتي هذا المشهد في وقت تحتاج فيه نحو 50 ألف امرأة حامل في قطاع غزة إلى خدمات الرعاية والمتابعة، إذ تواجه هؤلاء النساء رحلة صحية معقدة تبدأ من الوصول إلى العيادة ولا تنتهي عند بابها. فالحمل يجري في ظروف نزوح واكتظاظ ونقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، بينما تعمل أجزاء واسعة من المنظومة الصحية بقدرات محدودة بعد سنوات من الاستهداف والدمار. وتشير أحدث بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القطاع يشهد نحو 180 ولادة يوميًا، ما يضع خدمات صحة الأم أمام احتياج يومي مرتفع.

وتزداد صعوبة المتابعة مع تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم خدماتها؛ إذ تشير البيانات الأممية إلى أن أقل من نصف المرافق الصحية في غزة تعمل بقدرات محدودة، فيما تواجه خدمات الأمومة نقصًا في الكوادر والمعدات والأدوية والوقود.

للوقوف على واقع متابعة الحمل، زارت مراسلة "آخر قصة" عيادة "البندر" وسط المدينة، ورصدت آلية استقبال الحوامل والانتظار للحصول على أرقام الحجز، والتقت مجموعة من النساء في مراحل مختلفة من الحمل، لتتبع عدد زياراتهن، والفترات بين المواعيد، وكلفة الوصول إلى العيادة، فيما تكشف شهاداتهن أن صعوبة الوصول إلى المتابعة تتكرر بأشكال مختلفة بين حالة وأخرى.

من هؤلاء، هبة التري (37 عامًا) كانت تحمل دفتر متابعة الحمل والتطعيمات، فيما تقترب من نهاية شهرها السادس في الحمل، لكنها لم تتمكن خلال حملها من الحصول على المتابعة التي كانت تتوقعها. فمنذ أن بدأت مراجعة عيادة الدرج أو ما يُطلق عليها محليًا "البندر" التابعة للأونروا في وسط مدينة غزة، لم تحصل، سوى على زيارتين خلال ستة أشهر.

تعيش هبة في حي النصر غرب مدينة غزة، وتحتاج إلى نحو نصف ساعة للوصول إلى العيادة، وسط صعوبة في التنقل وارتفاع تكلفته. بدأت متابعة حملها في نهاية الشهر الثالث، حين توجهت إلى العيادة لفتح ملف الحمل واستلام دفتر المتابعة.

وتقول إن الازدحام الشديد ومحدودية أعداد أرقام الحجز اليومية جعلا إنجاز الإجراءات يستغرق منها يومين؛ إذ تحضر الحوامل في وقتٍ مبكر جدًا للحصول على أرقام الدور قبل بدء دوام الأطباء، فيما يعني نفادها الانتظار حتى يوم آخر.

تضيف: "خلال ستة أشهر لم أدخل العيادة سوى مرتين؛ الأولى لفتح الملف واستلام الدفتر دون الدخول للطبيب للحصول على أي متابعة طبية، والثانية في منتصف الشهر السادس من الحمل. أما الموعد التالي مسجل لي في الشهر الثامن. أشعر بقلق دائم على الجنين، ولا أعرف إن كانت المتابعة التي أحصل عليها كافية".

في زيارة منتصف سبتمبر/أيلول 2026، حيث التقتها مراسلة "آخر قصة"، انتظرت هبة نحو أربع ساعات وسط عشرات النساء، قبل أن تحصل على فحص قصير. ومع حاجتها إلى الاطمئنان على حملها، لجأت إلى إجراء فحص بالموجات فوق الصوتية في مركز خاص على نفقتها، بعد شعورها بآلام متكررة.

مواعيد متباعدة

تقارن التري بين حملها الحالي وحملها السابق قبل نحو أربع سنوات، أي قبل الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023؛ إذ كانت تراجع عيادة سويدي النصر التابعة للأونروا غرب غزة، بالقرب من منزلها بصورة شهرية.

بالقرب منها، تتقاطع تجربة سوسن بريكة (24 عامًا) مع معاناة سابقتها، لكن من زاوية الحمل الأول وكلفة الوصول إلى خدمات المتابعة. تقطن سوسن بالقرب من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، وهي في منتصف شهرها السادس، ولم تحظَ سوى بزيارتين للنقطة الطبية التابعة للأونروا منذ بداية حملها.

تصف سوسن رحلة الوصول إلى منطقة الصحابة وسط مدينة غزة بأنها مرهقة، إذ تتكبد ما بين 20 و30 شيكلًا في كل زيارة، وسط شح وسائل النقل، وتضطر أحيانًا إلى قطع مسافات سيرًا على الأقدام رغم مشقة الحمل.

وفي شهرها الرابع، حصلت بريكة على دفتر متابعة الحمل والتطعيمات بعد محاولتين، وفق روايتها، بسبب نفاد السجلات. لكن الحصول على الدفتر لم يحل مشكلة الوصول إلى المتابعة؛ فعندما تعرضت في الشهر الخامس لنوبات إغماء وإرهاق شديد، توجهت إلى العيادة طلبًا للفحص، لتقول إنها لم تتمكن من الحصول على الخدمة لعدم وجود موعد مسبق.

تقول: "عدت إلى البيت دون أن يفحصني أحد. اضطررت إلى دفع تكلفة فحص دم في مختبر خاص، وتبين أن نسبة التحليل لدي منخفضة بشكل كبير. كنت في حملي الأول ولا أعرف ماذا أفعل عندما تظهر عليّ أعراض مفاجئة".

وبحسب روايتي هبة وسوسن، فإن نقاط الخدمة الأقرب إلى أماكن سكنهما لا توفر خدمات متابعة الحمل التي تحتاجانها بالقدر الكافي، فيما تستقبل بعض المرافق أعدادًا من النازحين، ما دفعهما إلى متابعة الحمل في "البندر" رغم بُعدها عن مكان سكنهما.

أعراض بلا فحص

في حي الشيخ رضوان شمالي من مدينة غزة، تعيش ندى مقاط (29 عامًا) حملها الأول بعد انتظار تجاوز ثلاثة أعوام. ومع دخولها بداية الشهر الثامن، لم تتجاوز زياراتها لمتابعة الحمل في النقطة الطبية التابعة للأونروا في منطقة الصحابة زيارتين.

كانت زيارتها الأولى في نهاية الشهر الرابع، حين استغرقت إجراءات التسجيل والانتظار وقتًا طويلًا قبل أن تتمكن من استلام دفتر متابعة الحمل والتطعيمات. أما الزيارة الثانية فجاءت في منتصف الشهر السادس، لتنتهي بموعد جديد بعد شهرين، في وقت كانت فيه قد اقتربت من الثلث الأخير من الحمل.

لكن الفجوة بين المواعيد أصبحت أكثر خطورة بالنسبة إلى ندى عندما ظهرت لديها أعراض جديدة. ففي أواخر الشهر السابع، بدأت تعاني صداعًا شديدًا ومتواصلًا، إلى جانب زغللة في الرؤية وتورم في القدمين.

بسبب قلقها من الأعراض، حاولت التوجه إلى العيادة خارج موعدها المحدد. تقول إن طابور الانتظار كان يضم أكثر من 150 سيدة، وإن الأرقام نفدت قبل أن تتمكن من الوصول إلى الفحص، فعادت إلى منزلها دون قياس ضغط الدم.

في اليوم التالي، ومع استمرار الأعراض، توجهت إلى نقطة إسعاف خاصة، لتبدأ متابعة طبية خارج العيادة التي كانت تراجع فيها حملها.

وتختصر تجربتها بالقول: "هذا حملي الأول بعد سنوات من الانتظار، وكل حركة للجنين أحسب لها حساب. أن تنتظري من الصباح حتى الظهر وأنتِ متعبة، ثم يقال لكِ: انتهى الدوام، تعالي في موعدك بعد شهرين، هو إحساس بالعجز التام كأن صحتنا وصحة أطفالنا مرهونة بطابور لا ينتهي".

حجم الطلب

ويزداد الضغط على عيادة الأونروا "البندر" في منطقة الصحابة، مع اعتماد برنامج الأغذية العالمي على البيانات التي تصله من النقطة بشأن أسماء الحوامل المستفيدات من المساعدات النقدية. ووفق ما رصدته "آخر قصة"، يجعل ذلك "البندر" نقطة تجمع لعدد كبير من الحوامل، إلى جانب كونها مقصدًا للمتابعة الطبية، ما يرفع حجم الإقبال عليها ويزيد الضغط على أعداد الحجز اليومية. 

تأتي هذه التجارب في وقت تعمل فيه خدمات صحة الأم داخل غزة تحت ضغط مرتفع. فبحسب تقارير الأونروا، قدمت فرقها الصحية بين 8 و14 يونيو/حزيران 2026، نحو 7,356 استشارة للنساء بعد الولادة والحوامل المصنفات عاليـات الخطورة. وارتفع العدد إلى 7,554 استشارة في الأسبوع التالي، بين 15 و21 يونيو، ثم بلغ 7,470 استشارة بين 22 و28 يونيو.

وفي الفترة بين 22 و28 يونيو، كان يعمل في مرافق الأونروا الصحية في قطاع غزة، في المتوسط، 1,043 موظفًا صحيًا يوميًا، وقدموا 68,822 استشارة طبية.

وتشير الأونروا إلى أن عدد مرافقها الصحية والنقاط الطبية يتغير باستمرار بحسب الطلب وإمكانية الوصول والوضع الأمني.

تكشف هذه الأرقام حجم الطلب على خدمات صحة الأم على مستوى قطاع غزة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال مختلف وأكثر ارتباطًا بتجارب النساء الثلاث: كم من الوقت تنتظر الحامل بين موعد وآخر؟ وكم امرأة تستطيع كل نقطة طبية استقبالها يوميًا؟ وماذا يحدث للحامل التي تحتاج إلى فحص عاجل خارج موعدها؟

فخلال أشهر الحمل التسعة، تشير الحالات التي رصدتها "آخر قصة" إلى أن الحامل قد لا تحصل، في ظل تباعد المواعيد والضغط على نقاط الخدمة، سوى على زيارتين أو ثلاث للمتابعة الطبية طوال فترة الحمل. وهذا استنتاج مستند إلى الحالات التي وثقتها المادة، وليس إحصاءً يمثل جميع حوامل غزة.

ما الذي تكشفه الفجوة؟

تضع أخصائية النساء والتوليد، الطبيبة إسلام أبو عمشة، متابعة الحمل في إطار يتجاوز التسجيل وتحديد المواعيد؛ فهي، وفق شرحها، عملية تهدف إلى اكتشاف المضاعفات ومراقبة صحة الأم والجنين عبر مراحل الحمل.

وتوضح أبو عمشة أن متابعة الحمل يفترض أن تتم عبر زيارات دورية يتزايد تقاربها مع تقدم الحمل، مشيرة إلى أن الاكتفاء بزيارتين أو ثلاث خلال فترة الحمل قد لا يتيح، في كثير من الحالات، مراقبة التغيرات الصحية التي تظهر بين زيارة وأخرى.

كما تشير إلى أن الفجوات الطويلة بين المواعيد قد تؤخر اكتشاف بعض المضاعفات، ومنها ارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل وفقر الدم ومشكلات نمو الجنين أو المشيمة، وهي حالات تحتاج إلى تقييم ومتابعة بحسب وضع كل حامل.

وهنا تظهر المفارقة في الحالات الثلاث: كل واحدة منهن استطاعت الوصول إلى الخدمة في مرحلة ما، لكن الوصول المتقطع إلى الخدمة يترك مساحات زمنية واسعة لا تخضع خلالها صحة الأم والجنين للمتابعة الطبية.

وفي حالة ظهور أعراض مثل الصداع الشديد والمستمر، وزغللة الرؤية، والتورم، تؤكد أبو عمشة ضرورة عدم تأجيل التقييم إلى الموعد المحدد مسبقًا، إذ تستدعي هذه الأعراض تقييمًا طبيًا يشمل، بحسب الحالة، قياس ضغط الدم وإجراء الفحوص اللازمة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ارتفاع ضغط الدم المصحوب بوجود بروتين في البول، وفقًا لأبو عمشة، قد يكون من المؤشرات المرتبطة بتسمم الحمل، ما يجعل التقييم والمتابعة الطبية مهمين لتحديد درجة الخطورة وخطة التعامل المناسبة.

وتشير أبو عمشة إلى أن الحامل التي تظهر لديها أعراض جديدة أو مقلقة بين المواعيد تحتاج إلى مسار واضح للتقييم الطبي، حتى لا يتحول نظام المواعيد المسبقة إلى عائق أمام الحالات التي تستدعي فحصًا قبل موعدها المحدد.

وترى أن تخفيف الضغط عن نقاط الخدمة يمكن أن يشمل زيادة القدرة الاستيعابية، وتوسيع نقاط تقديم خدمات صحة الأم، أو استخدام العيادات المتنقلة في المناطق التي تواجه صعوبة في الوصول إلى الخدمات.

أين تقع المسؤولية؟

تُظهر البيانات الرسمية أن الأونروا تقدم آلاف الاستشارات أسبوعيًا للحوامل والنساء بعد الولادة، وتعمل عبر مراكز صحية ونقاط طبية وفرق متنقلة. وفي الوقت نفسه، تُظهِر شهادات النساء اللواتي تحدثن إلى "آخر قصة" فجوة بين وجود الخدمة على مستوى الأرقام العامة وبين قدرة الحامل على الوصول إليها في الوقت الذي تحتاجها فيه.

ومن هنا توجهنا بسؤال إلى وزارة الصحة الفلسطينية، وإلى الجهات المعنية بخدمات الأونروا، حول آلية تحديد أعداد الحوامل التي تستطيع كل نقطة صحية استقبالها، ومعايير تحديد الفواصل الزمنية بين مواعيد المتابعة، والإجراءات المتبعة لاستقبال الحالات التي تظهر لديها أعراض صحية خارج موعدها المحدد.

وحملنا أيضًا أسئلة عن حجم الطاقة الاستيعابية الحالية لخدمات متابعة الحمل في مدينة غزة، وعن البدائل المتاحة للنساء اللواتي يتعذر عليهن الحصول على فحص في موعده أو يحتجن إلى تقييم عاجل، وما إذا كانت الجهات الصحية تراقب الفترات الفعلية بين زيارات الحوامل وتقارنها بالبروتوكولات الطبية المعتمدة.

وخلال نحو عشرة أيام من المحاولات، زارت مراسلة "آخر قصة" عيادة "البندر" في منطقة الصحابة في 17 سبتمبر، وطلبت مقابلة مسؤول مختص، فأُحيلت إلى وزارة الصحة. وفي 21 سبتمبر، وجّهتها الوزارة إلى د. خلود حمد، مدير دائرة الطفل والمرأة، لكن بعد تنقلها بين عدة مسؤولين ومحاولات تواصل متكررة، لم يُحدَّد موعد للمقابلة حتى وقت نشر التقرير.

وبالتوازي، حاولت المراسلة الاتصال بالأونروا عبر رقمها المجاني المخصص للتواصل (08 288 7127)، للوصول إلى مكتب الإعلام أو جهة مختصة، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى من يقدم المعلومات أو يحيلها إلى مسؤول.

غير أن الأسئلة الموجهة إلى الجهتين لم تتلقَّ إجابات، سواء من وزارة الصحة الفلسطينية أو من وكالة "أونروا".

لكن السؤال الأهم: إذا كانت الحامل قد تدخل الثلث الأخير من حملها بعد زيارتين فقط، ثم تواجه أعراضًا تستدعي الفحص ولا تجد مسارًا واضحًا للوصول إلى الطبيب، فهل تكفي الأرقام الإجمالية للاستشارات لقياس جودة المتابعة التي تحصل عليها كل امرأة؟

وبذلك، تتحول مشكلة المواعيد والطوابير من مسألة تنظيمية داخل العيادة إلى فجوة فعلية في الرعاية: حوامل ينتظرن ساعات للحصول على رقم، ونساء يقطعن مسافات ويدفعن تكاليف إضافية للوصول إلى فحوص خاصة، وحالات تظهر لديها أعراض بين موعد وآخر ولا تعرف إلى أي مسار تتجه للحصول على تقييم طبي في الوقت المناسب.

وتبقى مسؤولية الجهات الصحية والأونروا مرتبطة بسؤال قابل للقياس: كم زيارة متابعة تحصل عليها الحامل فعليًا خلال حملها، وكم من الوقت يفصل بين الزيارات، وماذا يحدث عندما تحتاج إلى فحص قبل الموعد المحدد؟