تتأمل إسلام شمالي طفلها عبد الرحيم وهو يصرخ بأعلى صوته بعدما اجتاحته نوبة هلع إثر قصف قريب، فتضع يدها على قلبها وتتابع حالته تتدهور يومًا بعد يوم دون أي اهتمام. يجلس الفتى أمامها حبيس المكان، بعدما فقد مدرسته التي كانت تمنحه مساحة يفرّغ فيها طاقته، فتستعيد الأم أيام ما قبل الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، حين كان يتحسن تدريجيًا بفضل العلاج وجلسات التأهيل، قبل أن تهدم الحرب ما بنته خلال 13 عامًا وتعيده إلى الوراء.

يبلغ عبد الرحيم 15 عامًا، واكتشفت والدته إصابته بالتوحد حين كان في الثانية من عمره، فسجلته في جمعية الحق في الحياة المختصة بأطفال التوحد ليخضع للتأهيل وجلسات التخاطب. ومع مرور الأعوام ظهرت عليه نوبات صرع شديدة، فسافرت به إلى مصر حيث شخّصه الطبيب بالصرع إلى جانب تسمم معادن في الدماغ، وفق ما روته الأم.

تقول إسلام بعد صمت لثوان: "في الحرب عدنا لنقطة الصفر، دُمر جهد الأعوام الماضية ما بين علاج ومتابعة لتأهيله وتحسين سلوكياته، كان يتعلم ويبدع، لكن في الحرب توقف تمامًا، وساءت حالته مع كل نزوح إذ طفل التوحد معتاد على الروتين، فما بالك بتغيير مكان على مدار عامين لـ13 مرة، وساءت حالته أيضًا في المجاعة وعانى من سوء التغذية".

تضيف بأسى: "نحن مهمشون جدًا ولا يوجد أي مؤسسات أو جمعيات تتكفل بحالات التوحد بشكل كامل، وطفلي حالته تتراجع وكل ما تعلمه تلاشى واندثر، نحن نعانى أشد المعاناة فهل من مجيب؟!".

تختصر حكاية عبد الرحيم واقع أسر كثيرة في القطاع، أمضت سنوات طويلة في العلاج والتأهيل كي يندمج أبناؤها ويتعلموا، ثم جاءت الحرب فدمرت المراكز المتخصصة وقطعت جلسات التأهيل، فصارت هذه الفئة أكثر تهميشًا مما كانت عليه، بينما اتجه الاهتمام إلى أولويات فرضتها الحرب، هي الطعام والمسكن والماء.

أرقام غائبة ومراكز مدمّرة

حاولنا الوصول إلى عدد الأطفال المصابين بالتوحد في قطاع غزة، لكن لم نتمكن من الحصول على رقم دقيق يمكن الاستناد إليه. وبحسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قبيل 7 أكتوبر 2023، بلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة نحو 58 ألفًا، وهو رقم يشمل جميع أنواع الإعاقة ولا يحدد حجم فئة التوحد.

ويُعرّف موقع "مايو كلينك" اضطراب طيف التوحد بأنه "حالة مرتبطة بنمو الدماغ، تؤثر في طريقة إدراك الشخص للآخرين وتفاعله الاجتماعي معهم، ويؤدي ذلك إلى وجود صعوبات في التواصل والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين، ولا يوجد علاج نهائي لاضطراب طيف التوحد، لكن التدخل المبكر والحصول على علاج، قد يسهم في تحسن الحالة، وتظهر أعراض على الأطفال المصابين بهذا الاضطراب كالتأرجح والدوران ورفرفة اليدين، والقيام بسلوكيات قد تؤذيهم مثل ضرب الرأس والعض، والانزعاج من أي تغيير".

غير أن شروط الحفاظ على نفسية سليمة لأطفال التوحد وتأهيلهم لم تتوافر في غزة طوال 3 سنوات من الحرب، وهو ما تسبب، وفق تقييم مختصين، في انتكاسة نفسية وتراجع في السلوكيات وعودة إلى نقطة الصفر.

ويشير تقييم حديث لليونيسف إلى أن الأطفال والشباب ذوي الإعاقة في غزة يواجهون تعطّلًا واسعًا في خدمات التعليم والصحة وإعادة التأهيل، في ظل تأثير الحرب والنزوح على قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وكانت مراكز تأهيل الأطفال ذوي التوحد موزعة في أنحاء غزة، ومنها مركز بيتنا وجمعية الحق في الحياة ومركز إرادة لأطفال طيف التوحد والجمعية الفلسطينية لأطفال طيف التوحد ومركز جسور الأمل. وبحسب ما أفاد به القائمون على مركزين من هذه الجهات، توقفت البرامج التأهيلية أثناء الحرب؛ فعادت جمعية الحق في الحياة على هيئة نقاط تعليمية موزعة على عدة أماكن، وفتح مركز الإرادة أبوابه قبل نحو شهر من إعداد هذا التقرير. أما المراكز الثلاثة الأخرى فلم نتمكن من الحصول على معلومات عن وضعها الحالي.

وحاولنا الوصول إلى بيانات رسمية تبيّن عدد المراكز والمقار التي دُمّرت وعدد العاملة منها حاليًا، فلم نجد مصدرًا رسميًا واضحًا، ولم تتعاون معنا وزارة التنمية الاجتماعية في ذلك.

أمهات يحملن العبء وحدهن

وتتكرر الصورة مع الأم سحر قداده، وهي أم لطفل في الرابعة عشرة من عمره مصاب بالتوحد. عملت قبل الحرب على دمجه مع أقرانه في المدارس الخاصة، فسجلته في مدرسة أزهار فلسطين الخاصة وتابعت حالته مع مركز للنطق وضبط السلوك، فتحسنت حالته كثيرًا حتى جاءت الانتكاسة الكبرى كما تصفها. 

وتقول إن ابنها يضع يديه على أذنيه ويصرخ بمجرد سماع أي انفجار. وتضيف: "بعد شهرين من الحرب اضطررنا لإعطائه مهدئ للسيطرة عليه"، فظهرت عليه حالة من التشتت وفرط الحركة ونوبات ضحك متواصلة، وصار يهاجمها بعنف. ومع تدهور حالته أجرت له تخطيطًا للدماغ أظهر، بحسب ما قالته، زيادة في نشاطه الكهربائي.

وتتذكر مشهدًا ما زال عالقًا في ذهنها: "يوم أن تحاصرنا 20 دبابة كانوا يطوقون المنطقة بالكامل". وفي تلك اللحظة أصابت زكي نوبة ضحك متواصلة وتوتر الجميع، ولم تستطع السيطرة عليه حتى خرجوا حاملين الرايات البيضاء، وخافت أن يُستهدف بسبب سلوكه في تلك اللحظة.

وبعد الحرب لاحت بارقة تحسن، غير أن كلفتها فاقت قدرة الأسرة، تكمل: "تواصلت مع اخصائية بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وأتت في بيتنا لتعطيه جلسات تعليمية، استجاب لها وتحسنت حالته خلال الثلاث شهور لكن قدرتي المادية لم تؤهلني لأن استمر لدفع 400 شيكل شهريًا، خصوصًا أنه يحتاج لعشر شواكل يوميًا لشراء عصير له ليأخذ الدواء به، صرت أرسله للفريق المبادر الذي يأتي في منطقتنا كل 10 أيام مرة، يا ليت أستطع توفير تعليم له أو يوجد مكان قريب منا مجاني".

ولم تختلف قصة الصغير إبراهيم، وعمره 11 عامًا، عن قصص أقرانه، فهو يعاني من نوبات صرع وتشنجات مستمرة. سجلته والدته في مدرسة خاصة بعد الحرب فتحسنت حالته خلال تلك الفترة، لكن الوضع المالي لم يسمح بالاستمرار عامًا آخر، فتوقف عن الذهاب إلى المدرسة. وتقول والدته نور حجازي: "تدهورت صحته جدًا، وهُدم جهد السنوات الماضية أمام عيني، خلال فترة للمجاعة كان الوضع كارثيًا، يرفض ما نقدم له من طعام متاح، هو لا يتكلم لكني أفهمه ماذا يريد بالضبط".

وتشير إلى أنها لا تتابع حالته مع أي جهة، وإلى أنه لم يتلق أي دعم سوى جلسة دعم نفسي واحدة من الهيئة الطبية الدولية، مؤكدة أن حق ابنها في المجتمع كان ضائعًا قبل الحرب وازداد وضعه سوءًا الآن.

مختصون: انتكاسات في كل النواحي

وتأتي هذه الانتكاسات في وقت تواجه فيه خدمات إعادة التأهيل في غزة صعوبات كبيرة في تلبية الاحتياجات المتزايدة، نتيجة تضرر المنشآت الصحية والنزوح ونقص الكوادر المتخصصة والقدرة المحدودة على تقديم الخدمات.

من الناحية الطبية، يقول استشاري طب الأطفال والمخ والأعصاب محمد أبو ندى إن التوحد لا يعني بالضرورة الإصابة بالصرع، لكنه قد يترافق معه، وتصل نسبة حدوث الصرع إلى نحو 30–40%. وقد تشترك الحالتان في بعض العوامل الجينية والعصبية، فيما قد تزيد بعض الحالات العصبية أو الإعاقة الذهنية من احتمالية حدوث النوبات.

ويوضح أبو ندى أن تشخيص الصرع لا يعتمد على حركة غير معتادة أو فقدان انتباه فقط، وقد يحتاج إلى تقييم طبي وتخطيط للدماغ، مؤكدًا أن هذه الأعراض لا تعني بالضرورة وجود نوبة صرع. وفيما يتعلق بما يُتداول عن «تسمم المعادن» وعلاقته بالتوحد، يؤكد عدم وجود أدلة علمية تثبت أن إزالة المعادن (Chelation) علاج للتوحد، داعيًا الأهالي إلى تجنب العلاجات غير المثبتة والاعتماد على الدعم النمائي والسلوكي والتأهيلي، مع علاج الحالات الطبية المصاحبة عند وجودها.

من الناحية التربوية، تقول أخصائية النطق والتربية الخاصة لينا الحلو إن أطفال التوحد الذين انقطعوا عن جلسات التأهيل والتعلم يواجهون انتكاسات كبيرة، في ظل غياب الأدوية والطعام المخصص لهم. وهذا ما لاحظته عند عودتها إلى العمل بعد أكثر من عامين ونصف من الانقطاع، إذ تراجعت جميع الحالات التي تتابعها من كل النواحي.

وتشرح أن لدى أطفال التوحد سلوكيات تكرارية وصعوبات في الفهم والإدراك والتواصل اللفظي، وأن الحركات التكرارية زادت خلال الحرب وصارت أسوأ مما كانت عليه بسبب غياب التأهيل وانشغال الأهل بالنزوح والمجاعة. وعن احتياجات هذه الفئة تقول الحلو: "إن أطفال التوحد يحتاجون إلى بيئة حاضنة ومدارس تقبل الدمج، ومراكز توفر لهم أماكن خاصة وتؤمن المواصلات لتخفيف العبء عن الأهل، لكن الصعوبات التي تواجه الأهالي أنهم لا يجدون مؤسسات أو مدارس تستقبلهم وتوفر المواصلات، لذلك يضطرون لجلب اخصائي خاص ودفع مبالغ طائلة وغالبية الأهالي تتعاقد لفترة مع المختص ثم تنقطع بسبب سوء الوضع المالي".

أما من الناحية النفسية، فتقول المختصة النفسية نورا أبو عيطة إن أطفال اضطراب طيف التوحد يتأثرون بالحرب أكثر من غيرهم من الأطفال، إذ يُعد فقدان الروتين والاستقرار من أبرز العوامل التي تزيد من معاناتهم، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة القلق ونوبات الغضب والبكاء واضطرابات النوم والسلوكيات النمطية والحساسية تجاه الأصوات والمثيرات المختلفة.

جمعيات بإمكانات محدودة

وتواصلنا مع جمعية الحق في الحياة ومركز الإرادة لأطفال طيف التوحد، وأجرينا مقابلة مع مدير البرامج التأهيلية في جمعية الحق في الحياة نبيل جنيد، الذي قال إن الجمعية قدمت خدماتها إلى ما يقارب 200 طفل موزعين على محافظات قطاع غزة، منهم أكثر من 50 مستفيدًا يتلقون خدمات تعليمية وتأهيلية مباشرة، فيما يحصل البقية على برامج إغاثية ودعم نفسي وترفيهي، ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها ضيق المكان وقلّة الموارد.

ويوضح جنيد أن عدد المستفيدين من أطفال التوحد قبل الحرب تجاوز 100 مستفيد كانوا يتلقون الخدمات التأهيلية والتعليمية اليومية من خلال مركز فلسطين التوحد، قبل أن تتوقف البرامج التأهيلية وتعود الجمعية في صورة نقاط تعليمية موزعة في عدة أماكن. وأكد أن الجمعية حافظت على تواصلها مع مستفيديها طوال الحرب، وأن أعداد المسجلين لديها في ازدياد بفضل الخدمة المجانية والبرامج الإغاثية التي تقدمها. غير أن هذه الزيادة في التسجيل لا تقابلها زيادة في الخدمة المباشرة، إذ تراجع عدد من يتلقون الخدمات التأهيلية والتعليمية اليومية من أكثر من 100 مستفيد قبل الحرب إلى أكثر من 50 حاليًا.

ويبيّن جنيد أن الجمعية تواصل خطة إعادة التأهيل وتطبقها حاليًا على جزء من المستفيدين بسبب عدم توفر أماكن مهيأة بشكل سليم وضيق المتاح منها وقلة الموارد المالية اللازمة لتوسيعه. أما الجدول الزمني للخطة فغير محدد، وهو مفتوح بحسب ما تقتضيه الأوضاع الأمنية وحالات النزوح.

أما مدير مركز الإرادة لأطفال طيف التوحد إسلام بركات فقال إن فريق المركز كان يذهب إلى مراكز الإيواء خلال الحرب لتقديم جلسات لأطفال التوحد، لكن العمل لم يكن بالقدر المطلوب بسبب النزوح وصعوبة الوصول إلى الحالات والتنقل. وفتح المركز أبوابه قبل نحو شهر من إعداد هذا التقرير ليقدم خدماته لأطفال التوحد كما قبل الحرب.

يضمّ المركز حتى اللحظة 15 طالبًا فقط، وفقًا لبركات، بعدما كان يضم قبل الحرب 100 طفل، ويسعى إلى ضم أطفال جدد عبر توفير مواصلات تسهّل وصولهم في ظل صعوبة التنقل، غير أنه لم يجد جهة داعمة توفر ذلك. وأكد أن المركز يعمل بشكل فردي مع كل طفل ويضع الخطط وفق استجابته، وصولًا إلى دمجه في المدارس العادية، وهو ما نجح المركز في تحقيقه مع عدد منهم قبل الحرب، مشددًا على أنه يواصل البحث عن مؤسسات داعمة تغطي التكاليف وتقدم خدمات إغاثية للأطفال.

أسئلة بلا إجابات

توجهنا بسؤال إلى وزارة التنمية الاجتماعية منتصف سبتمبر/ أيلول المنصرم، عمّا قدمته للأطفال المصابين بالتوحد، وعمّا إذا كانت لديها بيانات محدثة وشاملة عنهم، وكم يبلغ عددهم حاليًا، وما حجم المساعدات المالية المباشرة التي خُصصت لهذه الفئة خلال الحرب وبعدها، وهل وضعت خطة خاصة لإعادة تأهيلهم بعد الحرب، وما جدولها الزمني. وبعد قرابة أسبوعين من الانتظار لم يصلنا أي رد حتى نشر التقرير.

لكن السؤال الأهم: من يتحمل مسؤولية أطفال يعجز ذووهم عن دفع كلفة جلسات تأهيلهم، في وقت لا تجيب فيه الجهة الرسمية عن سؤال بسيط حول عددهم وما قُدّم لهم؟

وبذلك يتحول الصمت الرسمي إلى واقع يومي تلمسه الأسر: أم تقطع جلسات ابنها لأنها لا تملك كلفتها، وطفل يغادر مدرسته بعد أشهر من التحسن لأن المصاريف تفوق قدرة أهله، وأسرة تنتظر فريقًا يزور منطقتها مرة كل 10 أيام.

وبينما تحاول أسر أطفال طيف التوحد في غزة استعادة ما فقدته خلال سنوات الحرب، تبدو المهمة أثقل من قدرة كثير منها، في ظل تضرر المراكز المتخصصة وانقطاع التعليم والتأهيل. وتكشف شهادات الأسر والمراكز أن الحاجة قائمة إلى أربعة أمور: إحصاء رسمي محدّث لأعداد الأطفال لم نجد له أثرًا، وتمويل جلسات التأهيل التي تنقطع حين تعجز الأسر عن دفع نحو 400 شيكل شهريًا، وتأمين مواصلات لا يجد مركز الإرادة، الذي لا يضم اليوم سوى 15 طفلًا بعدما كان يضم 100 قبل الحرب، جهة تموّلها، وخطة معلنة بجدول زمني بعدما بقيت خطة إعادة التأهيل لدى جمعية الحق في الحياة بلا موعد، ولم ترد الوزارة على سؤالنا عن خطتها. وإلى حين الاستجابة، تبقى الأسر وحدها في مواجهة كلفة الرعاية، ويبقى حق أطفال التوحد في التأهيل والاندماج معلّقًا.