في أول احتكاك له بالممارسة المهنية، وقف أحمد إسماعيل (24 عامًا) أمام تفاصيل هندسية لم يعرفها قبل ذلك إلا خطوطًا ومخططات على شاشة الحاسوب. حمل شهادة الهندسة المعمارية من الجامعة الإسلامية عام 2024، لكنه اكتشف أن الانتقال من الرسومات والمخططات التي اعتاد إعدادها خلال الدراسة إلى واقع العمل يكشف فجوة لم تكن تظهر داخل قاعة المحاضرات؛ فهناك أشياء يمكن فهمها نظريًا، لكن إتقانها يحتاج إلى ممارسة فعلية. وما واجهه أحمد يتجاوز حالته الفردية؛ فهو يعكس فجوة بين ما تمنحه الشهادة الجامعية وما يتطلبه سوق العمل، اتسعت في غزة حين تعطلت فرص التدريب العملي خلال الحرب.
ويقول إن تلك اللحظة أعادته إلى سنوات دراسته الأولى، حين التحق بقسم الهندسة المعمارية في الجامعة نفسها، متوقعًا أن تتدرج تجربته بين المحاضرات والمراسم والتطبيق العملي وزيارات المواقع. غير أن الحرب الإسرائيلية الحالية المندلعة منذ أكتوبر 2023 وجدته في منتصف الطريق، وتغيرت بعدها تفاصيل الدراسة كما عرفها.
ويضيف أن ما تبقى من سنواته الجامعية جرى في الغالب عبر التعليم الإلكتروني؛ فأصبحت المحاضرات خلف شاشة، والامتحانات إلكترونية، وتراجعت فرص التدريب والممارسة الميدانية. لم يعد متاحًا له بالقدر نفسه أن يقف في موقع بناء، أو يتابع كيف يتحول المخطط من خطوط ورسومات إلى تفاصيل تُنفَّذ على الأرض، أو يتعلم من الأخطاء والمواقف التي لا تظهر في النماذج النظرية.
ومع مرور الوقت، اعتاد إسماعيل نمطًا جديدًا من الدراسة، غير أنه لم يعد كافيًا مع اقتراب موعد التخرج؛ فقد كان ينجز متطلبات دراسته الأكاديمية، ويحصل على المعرفة التي يحتاجها لاجتياز مقرراته، إلا أن فرص اختبار تلك المعرفة في بيئة مهنية حقيقية لم تكن متاحة بالقدر نفسه.
وعندما أتيحت له أول فرصة بعد التخرج، دخلها شابًا يحمل شهادة جامعية ويحتاج في الوقت نفسه إلى استكمال جزء من التعلم الذي انقطع مع الحرب. هناك، بدأ يكتشف أن تفاصيل العمل الهندسي لا تُفهم كلها بالطريقة نفسها التي تُدرَّس بها داخل القاعة، وأن التعامل مع الواقع يحتاج إلى خبرة تتكون من الممارسة والملاحظة والتجربة.
ويضيف إسماعيل أن التجربة جعلته يدرك أن الفارق بين معرفة المعلومة ومعرفة كيفية استخدامها في الواقع كبير، وأن حاجته الأكبر كانت مساحة كافية للتجربة والممارسة قبل الوصول إلى سوق العمل، أكثر من حاجته إلى مزيد من المحاضرات.
فجوة الممارسة
أما سارة الأدهم (22 عامًا)، التي كانت تخشى ما ستفعله في نوبة الطوارئ الأولى بقدر ما كانت تخشى اللحظة التي ستضطر فيها إلى استخدام ما حفظته طوال سنوات دراستها أمام مريض حقيقي، فبعد حصولها على درجة البكالوريوس في التمريض العام من الجامعة الإسلامية عام 2025، وجدت أن الانتقال من المعرفة التي درستها إلى التعامل المباشر مع المرضى يحمل مسؤولية مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفتها في المحاضرات والتدريب النظري.
وتقول إن دراستها خلال الحرب حرمتها، لفترات طويلة، من جزء أساسي من التدريب الذي يحتاجه طالب التمريض، وهو الاحتكاك المباشر بالمرضى والتدرب على الحالات السريرية. فبدلًا من أن تتدرج في التعامل مع الحالات تحت إشراف متخصصين، أصبحت أجزاء من المساقات العملية تُقدَّم عبر المحاضرات والشروحات الإلكترونية، في وقت تعطلت فيه فرص الوصول المنتظم إلى المستشفيات ومواقع التدريب.
وبالنسبة للأدهم، كان الفرق واضحًا بين معرفة خطوات إجراء طبي وبين تنفيذها أمام مريض يحتاج إلى استجابة فعلية. ففي الجامعة كان بإمكانها أن تتعلم الإجراء وتراجعه أكثر من مرة، أما في الميدان فأصبحت أمام مسؤولية حقيقية لا تشبه الاختبار الورقي، إذ يتعين عليها أن تتذكر الخطوات، وأن تعرف كيف تطبقها في الوقت المناسب، وأن تتعامل مع تفاصيل الحالة التي قد لا تكون موجودة في المثال النظري.
وتضيف الأدهم أن أول احتكاك فعلي بالمرضى جعلها تدرك أن بعض المهارات تتطلب أكثر من الحفظ، وأن التعامل مع المريض يحتاج إلى تدريب متكرر حتى يصبح الطالب قادرًا على التصرف بثبات عندما يواجه حالة حقيقية.
وتقول: "حفظت كل بروتوكولات الإسعاف والمصطلحات، لكن أول مريض حقيقي كان صدمتي الكبرى؛ الجسد الإنساني ليس شاشة، والخطأ هنا لا يُلغى بزر رجوع".
وخلال الأشهر الأولى من تطوعها، اضطرت الأدهم إلى التراجع خطوة إلى الوراء والعمل كمساعدة مبتدئة تكتفي بالمراقبة والتعلم، فيما تلقت جزءًا من تدريبها الأساسي من الممرضين المناوبين الذين أصبحوا، في تلك المرحلة، مصدرًا عمليًا للتعلم. وكان عليها أن تعوض من خلال هذه الخبرة جزءًا من التدريب الذي لم تحصل عليه بصورة منتظمة خلال سنوات دراستها، لتجد نفسها أمام مرحلة جديدة من التعلم بدأت بعد التخرج بدلًا من أن تكون قد اكتملت قبله.

وتمتد الفجوة من التخصصات الطبية والهندسية إلى تخصصات تبدو أكثر ارتباطًا بالعمل المكتبي، كما في حالة الشاب محمود البطران، خريج المحاسبة من جامعة الأزهر، الذي كان يعرف جيدًا الفرق بين المصطلحات المهنية أبسطها "مدين" و"دائن"، غير أنه حين ظهرت أمامه أول فاتورة حقيقية لم يعرف ماذا يفعل.
في أول يوم له داخل مكتب للتدقيق والمحاسبة، جلس أمام مجموعة من الفواتير وسندات القبض والصرف وكشوف الحسابات البنكية. كانت مهمته إدخال البيانات على البرنامج المحاسبي، ومطابقة القيود، وإعداد ميزان المراجعة.
كان قد تخرج في تخصص المحاسبة من جامعة الأزهر بتقدير جيد جدًا، ويحفظ أساسيات القوائم المالية والقيود كما درسها في الجامعة، لكن واقع العمل بدا مختلفًا عن المسائل التي اعتاد حلها في قاعات الدراسة.
ويقول إن القاعدة المحاسبية نفسها كانت معروفة له، وإن الصعوبة تركزت في تفاصيل لا تظهر عادةً في الأمثلة الجامعية المنظمة: فاتورة ناقصة، أو حركة بنكية لا تتطابق مع السجلات، أو معاملة تحتاج إلى معالجة على برنامج محاسبي لم تتح له فرصة التدريب عليه بالشكل الكافي.
ويضيف أن فترة التعليم الإلكتروني وانقطاع الوصول إلى مختبرات الحاسوب أثرت في الجانب التطبيقي من دراسته، خصوصًا في المساقات التي يفترض أن يتعلم فيها الطالب المحاسبة المحوسبة من خلال الممارسة. فمع انتقال جزء كبير من العملية التعليمية إلى الشاشة، أصبح الوصول إلى التدريب المباشر على البرامج والبيئة التي تشبه مكان العمل أكثر صعوبة.
ويستذكر البطران الفرق بين المسألة التي كان يتلقاها في الجامعة والعملية التي واجهها في مكان العمل، موضحًا: "في قاعة المحاضرات كانت الأرقام واضحة وكل شيء مرتبًا، أما في العمل فوجدت معاملات ناقصة وفروقات وحسابات تحتاج إلى مراجعة".
ومع بداية عمله، وجد نفسه مضطرًا إلى إعادة تعلم جانب من المهارات التي كان يفترض أن تكون جزءًا من انتقاله الطبيعي من الجامعة إلى سوق العمل. فبدلًا من أن تكون مرحلة ما بعد التخرج امتدادًا لما اكتسبه خلال سنوات الدراسة، أصبحت بالنسبة إليه مرحلة أخرى من التدريب، يتعلم فيها كيفية التعامل مع الحالات الواقعية، ومراجعة الأخطاء، واستخدام الأدوات التي يحتاجها المحاسب في بيئة العمل اليومية.

تعلم متعثر
تنسجم هذه الشهادات مع واقع التعليم العالي في غزة منذ بدء النزاع؛ فقد تعرضت المؤسسات التعليمية لأضرار واسعة، وأُغلقت جامعات ومبانٍ ومرافق تعليمية، وتعذر على الطلبة الوصول بصورة منتظمة إلى القاعات والمختبرات وأماكن التدريب. وامتد الأثر من توقف الدراسة أو تغيير طريقة تقديم المحاضرات إلى البيئة التي يحتاجها الطالب لاكتساب المعرفة وتطبيقها عمليًا.
وبحسب اليونسكو، تضرر أو دُمّر أكثر من 80% من حُرم التعليم العالي في غزة، فيما قُدّرت الأضرار التي لحقت بمرافق التعليم العالي والتعليم والتدريب التقني والمهني بنحو 379 مليون دولار. وتذهب أحدث تقييمات المنظمة إلى مدى أبعد؛ إذ خلص تقييم ميداني اكتمل بنهاية عام 2025 إلى أن 95% من حُرم التعليم العالي و100% من مراكز التدريب المهني تضررت أو دُمّرت.
وتأتي هذه الأرقام في سياق أوسع من الانقطاع الذي أصاب التعليم العالي؛ إذ أشارت اليونسكو في تقييم سابق إلى أن نحو 88 ألف طالب في قطاع غزة في التعليم العالي أُجبروا على تعليق دراستهم منذ أكتوبر 2023.
وفي محاولة للحفاظ على استمرارية التعليم، أُطلقت بدائل رقمية ومؤقتة؛ إذ تستهدف "جامعة غزة الافتراضية" في مرحلتها الأولى 20 ألف طالب جامعي لاستئناف دراستهم عبر الإنترنت، وتصل حاليًا، بحسب اليونسكو, إلى ما يصل إلى 20% من طلبة التعليم العالي، فيما وفرت فضاءات تعلم مؤقتة خدماتها لأكثر من 10 آلاف طالب، بما يشمل الاتصال بالإنترنت والأجهزة والدعم الأكاديمي والنفسي والاجتماعي.
من داخل الجامعة، تبدو الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاج إلى ممارسته في عمله أكثر وضوحًا. فالدكتورة دينا حيدر (30 عامًا)، عضو هيئة تدريس في جامعة الأزهر في غزة، ترى أن استمرار الدراسة خلال الحرب حافظ على الجانب الأكاديمي إلى حد كبير، لكنه لم يتمكن دائمًا من توفير المساحة نفسها للتدريب العملي، خصوصًا في التخصصات التي تقوم على الممارسة المباشرة.
وتوضح حيدر أن الأساتذة والطلبة وجدوا أنفسهم أمام ظروف لم تكن مألوفة؛ كان لا بد من مواصلة التعليم حتى لا تتوقف سنوات الطلبة بالكامل، لكن في المقابل، لم تعد المختبرات والمراسم ومواقع التدريب متاحة بالشكل المعتاد. وبحسب حيدر، يمكن للمحاضرة الإلكترونية أن تنقل المعلومة وتشرحها، لكنها لا تستطيع أن تمنح الطالب التجربة نفسها التي يحصل عليها عندما يقف داخل مختبر، أو يذهب إلى موقع عمل، أو يتدرب تحت إشراف شخص أكثر خبرة منه.
وتقول إن أثر ذلك يختلف من تخصص إلى آخر. فطالب الهندسة يحتاج إلى أن يرى الموقع ويتعامل مع تفاصيله على أرض الواقع، وطالب التمريض يحتاج إلى التعامل المباشر مع المرضى، فيما يحتاج طالب المحاسبة إلى استخدام البرامج والأنظمة التي سيعمل عليها بعد التخرج. لذلك، فإن متابعة المحاضرات وإنجاز الامتحانات لا تعني بالضرورة أن الطالب حصل على التدريب نفسه الذي كان سيحصل عليه في الظروف الطبيعية.
وترى حيدر أن جزءًا من العبء انتقل بذلك إلى مرحلة ما بعد التخرج؛ إذ أصبح الخريج مطالبًا بتعويض ما فاته من التدريب من خلال العمل أو التطوع أو المبادرات التدريبية، في وقت يواجه فيه أصلًا سوق عمل محدودًا وفرصًا أقل للتدريب المهني. وتكشف أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم هذا الضيق؛ إذ بلغت البطالة بين الشباب (15–29 عامًا) المشاركين في قوة العمل في قطاع غزة نحو 85.5% في عام 2025، مقابل 37.3% في الضفة الغربية.
مسؤولية غائبة
ولإكمال الصورة من جانب الجهات الرسمية، توجهنا مراسلة "آخر قصة" بسؤال إلى وزارة التربية والتعليم، إلى جانب أكثر من جهة ذات صلة بالتعليم العالي والتدريب، عن واقع التعليم العملي خلال الحرب، والإجراءات التي اتُّخذت للتعامل مع تعطل المختبرات ومواقع التدريب، وما إذا كانت هناك برامج أو بدائل لمساعدة الطلبة والخريجين على تعويض ما فاتهم من خبرات عملية.
كما راسلت الجامعة الإسلامية للوصول إلى الجهة المسؤولة عن التدريب المهني فيها، ولم نتلقَّ ردًا من أي جهة حتى وقت نشر هذه المادة.
وبذلك يواصل الخريجون تعويض ما فاتهم في مواقع العمل والتطوع، بلا إجابة رسمية عن سؤال جوهري: من يتحمل مسؤولية سد هذه الفجوة، وأي برامج تتيح لهم ذلك؟
ورغم الأحداث الأمنية المعقدة، واصل آلاف الطلبة تعليمهم بطرق مختلفة، وتمكنوا من إكمال دراستهم والحصول على شهاداتهم. لكن الدراسة عبر الشاشات والامتحانات لم تكن كافية لتعويض كل ما يحتاجه الطالب داخل الجامعة، خصوصًا في التخصصات التي تعتمد على التدريب والممارسة. فالمختبر، والمستشفى، وموقع العمل، لا يمكن استبدالها بالكامل بمحاضرة إلكترونية.
وهكذا، يجد بعض خريجي غزة أنفسهم أمام مرحلة جديدة تبدأ بعد الشهادة؛ مرحلة عليهم فيها أن يتعلموا من جديد كيف يمارسون ما درسوه لسنوات. وبينما يحاول كل واحد منهم أن يجد طريقه في سوق العمل، يبقى السؤال الأهم: من يعوض هؤلاء الخريجين عن الخبرة التي فقدوها خلال سنوات الحرب؟