الأعوام الدراسية الثلاثة التي مضَت في كفّة، وهذا العام وحدُه في كفّة، بالنسبة لميّ القمر مقاط (18 عامًا)، التي تُحرم للعام الرابع على التوالي من حقّها في التعليم. فهي نازحةٌ من محافظة الشمال، إلى حيّ النصر بمدينة غزة، بعيدةٌ عن منزلها الذي صار ركامًا، ومثله مدرستها، وبلا كرسيّها المُتحرك الذي كان يُعينها على الحركة ويُبدّد عُزلتها، وهي التي وُلدت بإعاقة حركية.
تقول أمُّها راوية: "لولا الحرب، لكانت ابنتي في الثانوية العامة هذه السنة، لكن منذ نزوحنا من بيت لاهيا وعلى مدار 3 سنوات سعينا بكلّ الطُّرق لتوفير كرسيّ مُتحرّك لها، لتتمكّن من مواصلة تعليمها، لكن لم نلقَ نتيجة ولم نجِد واحدًا حتى الآن، أين نذهب؟ ومن يُمكنه مُساعدتنا؟".
تشدّ الأمّ قبضتها على يد ابنتها، بينما تُتابع حديثها باستياء: "سجّلنا بيانات ميّ القمر لدى مندوب المخيم، لكن لم يتواصل معنا أحد. لم نسمع عن جهات أو روابط مساعدات لتسجيل الإعاقة؛ ولم نترك أحدًا لم نسأله عن مكان نُسجّل فيه، على الأقل لتوفير كرسي متحرك بدل الذي فقدناه بالحرب، أو لمنح ابنتنا فرصةً لاستكمال دراستها بأيّ شكل، لكن دون جدوى".
مع كل معلومةٍ تسردها رواية هُنا، تتّضح أكثر ملامحَ إشكاليةٍ هيكليةٍ في ملفّ الإعاقة، قد تكون السبب في ترك ميّ القمر، ومعها آخرين من ذوي الإعاقة بلا رعاية، ولا مُساعدة، فيما يبدو إقصاءً يحصرهم ضمن نقاطٍ عمياء لا تراها برامج الدعم والإغاثة. هؤلاء، تقطّعت بهم السُبل وتفاقمت معاناتهم بفعل الحرب المستمرة منذ 3 سنوات، ونزحوا وتشتّتوا وفقدوا منازلهم وأدواتهم المُساعِدة، وصاروا تائهين ومحرومين.
يدفعنا هذا لتجاوز السؤال التقليدي حول أسباب عدم وصول المُساعدات لمُستحقّيها، لنتقصّى أسئلةً أكثر عمقًا: كيف يسهم غياب الآليات الموحّدة والمُحدّثة لحصر الإعاقة في بقاء حالات خارج نطاق الرّعاية وحرمانهم من حقوقهم في ظلّ تصاعد الاحتياجات الإنسانية خلال الحرب؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ وما الحلول المُتاحة لوضع حدٍ لضياع الحقوق؟
قبل الحرب
بين طيّات حديثها، أخبرتنا راوية أنّ معاناتها لتحصيل أدنى الحقوق الأساسية لميّ القمر لم تبدأ مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023. فتقول: "قبل الحرب حصلنا على كرّوسة كهربائية فقط من المدرسة، لكن احتياجنا يتجاوز هذا، فقد كانت طفلتي بحاجة لعملية تطويل أوتار، ولم نستطِع تأمينها من أية جهة، في الوقت الذي كُنّا نرى فيه غيرنا يستفيدون من برامج دعم وعلاج وتأهيل باستمرار".
اقتصار المُساعدة على دعم المدرسة بينما يُحرم الشخص ذو الإعاقة من برامج دعم أساسية أخرى، يكشفُ- وفق مجموعة أدلّة وشهادات نورِدها في هذا التقرير- ثغرتين في واقع الإعاقة الذي كان قائمًا قبل الحرب: الأولى؛ غياب المنظومة الشاملة لرعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، والثانية؛ اللامركزية وتشتّت بيانات الإعاقة بين جهاتٍ عدّة.
وهو ما يُقرّ به مسؤول اتحاد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة، ناجي ناجي، الذي يُوضّح أنّ: "معضلة تعدد قواعد البيانات وضعف الرّبط بينها موجودة من قبل الحرب، وعلى مدار سنوات الانقسام السياسي الفلسطيني والحصار الإسرائيلي، لكن وقوع الحرب كشفها وفاقم أثرها".
واتفق معه مُنسّق قطاع التأهيل في شبكة المنظمات الأهلية، إياد الكرنز، الذي يُفسّر تأثير الانقسام السياسي تحديدًا على واقع الإعاقة، موضحًا أنه أنتج انقسامًا هيكليًا ووظيفيًا، تسبّب بتشتت المسؤوليات والصلاحيات بين حكومتين- في غزة والضفة- ومؤسسات أهلية ودولية، وكل جهة تعمل وحدها منذ سنوات طويلة.
بموازاة هذا، توثّق ورقة حقائق من إعداد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تعود للعام 2018، وجود تضارب في إحصاءات الإعاقة بغزة بين الأرقام الحكومية والأهلية، لعدم وجود دائرة إحصاء مهنية موحّدة، وتذكر أنّ "حوالي 22 ألف شخصٍ كانوا خارج برامج الدعم المالي والعيني للأشخاص ذوي الإعاقة، من أصل 50 ألفًا مُسجلين لدى وزارة التنمية- في حينه- ولم تكن وزارتا الصحة والتنمية تُغطيان سوى 15% من الأدوات المُساعدة".
بجمع الشهادات مع ما يرد في ورقة الحقائق، نرجّح أنّ الإقصاء من الخدمات والحرمان من الحقوق قد يكونأحد نتائجَ غياب منظومة إحصاء موحّدة للإعاقة؛ فالمسح المُوحّد يرصد أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة واحتياجاتهم عبر تِعداد خصائص الإعاقة، وعلى أساسه تُبنى برامج الرعاية والدعم والإغاثة.
ويُنفِّذ المسح في فلسطين الجهاز المركزي للإحصاء، اعتمادًا على معايير مجموعة واشنطن لإحصاءات الإعاقة؛ وهي لجنة تابعة للأمم المتحدة، تهدف لتوحيد آليات المسح لتوفير بيانات أكثر دقة، تعتمد في منهجيّتها على قياس الصعوبات الوظيفية بدلًا من التصنيفات الطبية المحدودة، وتنسجم مع المنظور الحقوقي لتعريف الإعاقة الذي تورده الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مادتها الأولى.
وبذِكر الأرقام؛ تتبّعنا البيانات الرسمية المنشورة لدى مركز المعلومات الوطني- وفا، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، قبل الحرب، وكانت الأرقام متوافقة بينهما، إذ بلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة بغزة 58 ألفًا (2.6% من سكان غزة).
لكن خلال البحث، وجدنا رقمًا مُختلفًا، موثقًا في دراسة متخصصة، صدرت في يوليو 2026، وتذكر أن التعداد الرسمي قبل الحرب، الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء في العام 2017، بلغ 127,962 شخصًا من ذوي الإعاقة (6% من سكان غزة). وبعد مُراجعة أحد مُعدّي الدراسة، وهو مدير البرامج التأهيلية بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية في غزة، مصطفى عابد؛ فسّر الفارق باختلاف تعريف الإعاقة الذي يتم قياسه؛ بين المفهوم "الضيّق" الذي يحصرها في الصعوبات الوظيفة، و"المُوسّع" الذي يشمل الإعاقات بأنواعها.

أرقام متصاعدة
لا يقف الأمر عند اختلاف الأرقام أعلاه، فقد ارتفعت تقديرات أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة حادّة وغير مسبوقة خلال الحرب، كما يرد في الدراسة: "بفعل العدد الهائل من الإصابات الناجمة عن العمليات العسكرية، والتي تحوّلت لإعاقات دائمة نتيجة انهيار المنظومة الصحية وتأخير وصعوبة الحصول على العلاج والتأهيل".
ورغم تضارب البيانات، تمكّنّا من الوصول إلى تقديرٍ للعدد الحالي للأشخاص ذوي الإعاقة في غزة، بناءً على ما يتوافر من أرقامٍ رسمية وذلك بجمع الرقم المُعلن قبل الحرب وهو 58 ألفًا عام 2023، مع 43 ألف إصابة مُغيِّرة للحياة قدّرتها منظمة الصحة العالمية منذ بدء الحرب، ليبلغ العدد الإجمالي نحو 100 ألف شخص من ذوي الإعاقة في قطاع غزة، وهو حساب تقريبي من إعدادنا يجمع رقمين مختلفي المنهجية، ولا يعني بالضرورة أن كل إصابة مغيِّرة للحياة حالة إعاقة محصاة وفق التعريف الإحصائي.
أمّا تقدير الخبراء والعاملين في مؤسسات الإعاقة، بحسب الدراسة، فاعتمد زيادةً بأكثر من ضِعف الزيادة المُعتمدة في الأرقام الرسمية لعدد الأشخاص ذوي الإعاقة الجُدد؛ إذ خلّفت الحرب حوالي 93,069 شخصًا، ما يرفع التعداد الكلّي إلى 151,069 شخصًا من ذوي الإعاقة في غزة، حتى يوليو 2026.
بقراءة سريعة للأرقام يتّضح الفارق الشاسع بين البيانات الرسمية والأهلية، وهو فارق يرجع إلى المُعضلة البنيوية والمنهجية التي أشرنا إليها في البداية.
عرضنا هذا التباين على الجهاز المركزي للإحصاء، بعد تواصلنا معه بالبريد الإلكتروني، وسألناه عن سبب الفارق، فأرجعه إلى عدة عوامل، وهي: طبيعة التسجيل، فالبيانات الإحصائية تعتمد المسوح الشاملة والمسوح بالعيّنة، بينما بيانات المؤسسات تعتمد التسجيل الطوعي للأفراد الباحثين عن خدمات. فضلًا عن اعتماد تعاريف ومنهجيات حصر متباينة، فبينما يتبع الجهاز تعاريف علميّة محددة، مثل معايير مجموعة واشنطن التي تقيس مستوى الصعوبات الوظيفية، بما ينسجم مع المنظور الحقوقي للإعاقة، تُسجّل بعض المؤسسات الإعاقات الطبية الظاهرة فقط، أو الإعاقات المُسجَّلة للحصول على خدمات.
واتّفق معه كلٌ من ناجي والكرنز، اللذان أرجعا اختلاف الأرقام إلى تباين آليات الحصر ومعايير قياس الإعاقة، دون أن يعني هذا بالضرورة وجود رقم صحيح وآخر خاطئ.
ويُفسر ناجي القفزة الاستثنائية في أرقام الإعاقة بالتدفق اليومي المُرعب للمُصابين منذ أكتوبر 2023، وتحوُّل أعداد كبيرة من هذه الإصابات لإعاقات دائمة، ممّا ضاعف تعداد الأشخاص ذوي الإعاقة.
أحد هؤلاء الأشخاص، محمود سكيك (46 عامًا)، الذي أُصيب بغارةٍ إسرائيلية، في يوليو 2024، أسفرت عن بتر قدميه، وتسبّبت له بإعاقة حركية دائمة.
من خيمة نزوحه، وعلى فراشٍ مُهترئ يجلس عليه دون رعاية ولا أجهزة مُساعدة، يقول لنا والد الأطفال الستّة: "الإصابة قلبت حياتي رأسًا على عقب، وأقعدتني عن العمل. كُنت عاملًا باليومية بالكاد أستطيع توفير قوت يومي وعائلتي والآن لا مصدر دخل لديّ، ولا تصلني أية خدمات، ولا أحصل على ما أحتاجه من رعاية وعلاج".
ومحمود واحدٌ من حوالي 175 ألف مُصابٍ، سُجِّلوا خلال الحرب المستمرة منذ 3 سنوات- وفق أحدث إحصائية لوزارة الصحة- منهم 5 آلاف أُصيبوا بعد توقيع اتفاق وقف النار في أكتوبر 2025.

تحديات الحصر
وفي ظل انهيار منظومتيْ العلاج والتأهيل، يتشظّى واقع الإعاقة بين: منظومة صحية متهالكة، بمستشفيات مدمّرة، وعجز دوائي حاد، ونقص في الأطباء، ونقص الكوادر، ومراكز تأهيل مُتداعية، بانخفاض في خدمات إعادة التأهيل بنسبة 62% نتيجة الدمار ونقص المعدات.
ويثير هذا التباين تساؤلين: من يتحمّل المسؤولية؟ وكيف جُمِعت الأرقام المنشورة؟
للإجابة على جُملة هذه الأسئلة، بدأنا بتحديد جهات المُساءلة، بفحص قانون الإحصاءات العامة رقم (4) لسنة 2000، ليظهر أنّ الجهة الرسمية الأولى المسؤولة عن الإحصاء في فلسطين، هي الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي يتعذّر عليه تنفيذ المسوح الميدانية التقليدية في غزة، بسبب الحرب. فكيف يحصر الإعاقة دون أيّ تواجدٍ ميدانيّ له على الأرض؟ علمًا أنّ سجلّات الإعاقة وخدماتها تتوزّع على جهات أخرى، كوزارتيْ التنمية الاجتماعية والصحة، لا على جهاز الإحصاء وحده.
يردّ جهاز الإحصاء بأنّه: "اعتمد خلال الحرب آليات مسح مختلفة، ومُتّبعة دوليًا، لجمع بيانات الإعاقة في غزة؛ لاستحالة تنفيذ المسوح الميدانية التقليدية (كالزيارات الميدانية والمقابلات المباشرة)، وذلك بالاعتماد على بيانات سجلات المؤسسات الحكومية، مثل وزارتيْ التنمية الاجتماعية والصحة، وسجلات المؤسسات الأهلية والدولية.
في المقابل، تُوجد جهات أخرى تُشارك بحصر الإعاقة، منها قِطاع التأهيل، وبهذا الصدد يقول الكرنز: "نُحاول عمل خرائط لأماكن تواجد الأشخاص ذوي الإعاقة، ونقوم بإجراءات التسجيل بصورة مستمرة من خلال الشركاء".
ويكشف رقمًا جديدًا صادمًا لحجم الانهيار المؤسّسي الذي طال قِطاع الإعاقة بالقول: "كان لدينا قبل الحرب 55 مؤسسة إعاقة وتأهيل، أمّا اليوم لا يتجاوز العدد 7 مؤسسات. في الوقت الذي لا توجد فيه أيّة وزارات فاعلة ميدانيًا في مسألة الحصر".
ينسجم هذا مع ما تذكره الدراسة حول تأثير الحرب على واقع حصر الإعاقة، إذ أدّت إلى "انهيار أنظمة التسجيل والإحصاء بسبب تداعي المؤسسات، وصعوبة الوصول للسكان مع النزوح المستمر وفقدان الوثائق"، إضافةً إلى تعدّد جهات الجمع وتباين أدوات القياس وانقطاع الكهرباء والاتصالات. وتشير كذلك إلى "اقتصار الحصر خلال الحرب على الإصابات المرتبطة بالعمليات العسكرية، لصعوبة حصر ومتابعة غيرها من الإعاقات الجديدة والقديمة".
فاقد البيانات
طرحنا السؤال أمام الجهاز المركزي للإحصاء، فأقرّ بأنّ: "غياب البيانات، أو تعذّر تحديثها، يتركا آثارًا كارثية على المشهد الإنساني لارتباط البيانات بصُنع القرار ورسم السياسات، وتصميم برامج الإغاثة والتدخلات (مثل: عدد الأطراف الصناعية، الكراسي المتحركة، المستلزمات الطبية الخاصة، والأدوية ذات الأولوية)".
لكن، إلى أي حدٍّ وصل الفاقد في البيانات؟ يُجيب الكرنز بأنّ غياب الإحصاء الشامل المُوحّد، خلال الحرب، أفقدَ ما تبقّى من المؤسسات قدرًا كبيرًا من المعلومات، يشمل: "العدد الدقيق للأشخاص ذوي الإعاقة، وتصنيفاتهم وخصائصهم وتوزيعهم، ومَن توفى منهم، ومن غادر القطاع، والعدد الدقيق لإصابات الحرب التي تحوّلت لإعاقات".
فاقد البيانات هذا يُؤثر بصورة أكبر على الفئات الهشّة، كالأطفال؛ فحتى سبتمبر 2025، سُجّل أكثر من 10,000 طفلٍ بحاجة لخدمات تأهيل عاجلة ومستمرة، لمعاناتهم من إصابات جسيمة مسبّبة لإعاقات.
أحد هؤلاء الأطفال هو الصغير كرم ريحان (6 سنوات)، الذي أصيب بانفجارٍ في طبلة أذنه، بفعل قصف إسرائيلي قريب أدّى لخسارته 50% من حاسة السمع، وبات بحاجةٍ إلى رعاية وعلاج وتأهيلٍ مُستمرّ، وسماعة طبية.
تقول والدته: "نخشى أن يفقد كرم ما تبقّى من حاسة السمع، وهو لا يتلقّى حاليًا سوى علاج تنشيطيّ، على نفقتنا نحن، ندفع ثمنه 120 شيكلًا أسبوعيًا. ابني بحاجة إلى سماعة طبية متخصصة، لم نتمكّن من توفيرها من أيّة جهة".
ومن الأشخاص الذين أسفرت إصاباتهم عن إعاقات، الشاب أحمد أبو الريش (32 عامًا)، وهو أبٌ لثلاثة أطفال، أُصيب بطلقٍ ناري متفجّر في قدمه قبل أشهر، وبسبب تأخّر العلاج والتأهيل تحوّلت إصابته لإعاقة.
تروي لنا زوجته: "تسببت إصابة أحمد بقطع العصب الرئيسي في القدم، ومؤخرًا تفاقمت حالته فأصيب بقرحة عصبية وجلطة". مُضيفةً أن وضعه الصحي يتراجع يومًا بعد يوم في غياب العلاج المُتخصص، مُناشِدة كل الجهات المعنية بمُساعدة زوجها قبل فوات الأوان.
ومعاناة الصغير كرم والشاب أحمد أعمق من صعوبة توفير العلاج أو التأهيل؛ فقد يكونان بالنسبة للجهات المسؤولة غير موجودَين، ولم يُحتسبا أصلًا ضمن الأعداد والاحتياجات، وهو بالضبط ما نعنيه حين نستعرض تباين أرقام الإعاقة، وفاقد البيانات، وتأثيره على الحقوق الغائبة.
ويُقرّ بهذا ناجي ناجي، الذي أفصح عن أنّ غياب المنظومة الموحّدة للإعاقة أفضى أحيانًا إلى: حرمانٍ من الحقوق، وازدواجية بالاستفادة، وهدر للموارد. وهو ما يستدعي برأيه "الإسراع في تأسيس قاعدة بيانات مشتركة وآمنة، تعتمد آليات واضحة لتسجيل المستفيدين والخدمات، ومعايير معلنة لتوزيع المساعدات، بنظام شكاوى فاعل، ورقابة مستقلة".

التعافي
هذا السؤال بات الهاجس الأكبر الذي يُؤرّق الأشخاص ذوي الإعاقة، ممّن يفتقرون للحد الأدنى من حقوقهم التي كفلها القانون رقم (4) للعام 1999، الذي نظّم مسؤولية الدولة تجاههم بما يضمن لهم الحياة الكريمة وتوفير ما يحتاجونه من خدمات وتأهيل، وكذلك الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ولأن حصر الإعاقة يُعد الخطوة الأولى لضمان الحقوق، سألنا الجهاز المركزي للإحصاء، في ضوء مسؤولياته: لماذا لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات موحّدة للإعاقة؟ فأجاب بأنّ "هذا ينطبق على دول كثيرة، وفلسطين ليست استثناء، وظروف الحرب والحصار عرقلت الجهود الوطنية الرامية لتطوير قواعد بيانات شاملة ومحدثة"، لافتًا لوجود جهود تبذلها وزارة التنمية في هذا الاتجاه، مع شركاء محليين ودوليين.
ويُتابع أنّه يُخطط لتنفيذ التعداد العام للسكان والمساكن 2027، الذي "سيكون النواة الأساسية لقاعدة بيانات مركزية للإعاقة، بمعايير دولية ومنهجية ثابتة وموحّدة".
لكن، هذا التخطيط الذي نشر عنه جهاز الإحصاء بيانًا، منذ يونيو الماضي، لا يزال قيد "التخطيط والمشاورات". وقبله، في إبريل، عقد لقاءً موسّع، جمع جهات رسمية وأهلية ودولية، وتضمّن توصياتٍ مهمّة دعت تحديدًا لتأسيس "نظام إحصائي وطني متكامل، لحماية الحقوق وتوجيه الموارد ورسم السياسات"، لكن وحتى إعداد هذا التقرير- في سبتمبر- لم يتحقق شيء من هذه التوصيات، ولم يطرأ تحسنٌ على ملف الإعاقة أو واقع حصرها.
يُجيب الكرنز، بتفاؤلٍ ضعيف: "لا يبدو أنّ واقع الإعاقة وحصرها سيتعافى قريبًا، لكن لا نستطيع تحميل القطاع المدني المسؤولية، فهذه مسؤولية دول وحكومات، ويُحدده ما إن كُنا سنشهد وجود وزارة فلسطينية واحدة لإدارة ملف الإعاقة في غزة والضفة؟ أو تولّي الجهات الدولية تعداد الإعاقة؟". مُضيفًا أنّ ما يُبذل من الجهات المختلفة لا يُوصل للحدّ الأدنى من المطلوب، لكنه يبقى "جيدًا"، في ظلّ الفوضى واستمرار الحرب وغياب الحكومة وعدم وضوح الرؤية السياسية ولا رؤية التمويل الدولي.
وعليه، يبقى غيابُ المنظومة الموحّدة لبيانات الإعاقة العقبة الأبرز أمام برامج الاستجابة والإغاثة الإنسانية للأشخاص ذوي الإعاقة، ويستدعي تجاوزها اعتماد منهجية قياس موحّدة وإنشاء قاعدة بيانات مركزية محدّثة، تُغذيها مختلف المؤسسات الفاعلة.
وكما أوصت الجهات جميعها، يتطلّب نجاح خطط التعافي "تعزيز إمكانيات وبناء قدرات مؤسسات الإعاقة والتأهيل، ومعها المنظومة الصحية، وزيادة واستدامة تمويلها، لتحسين الاستجابة والخدمات".
وعلى وقع التخبّط في حصر الإعاقة، بين ما كان قائمًا من عقبات وما أفرزته الحرب من تحديات، يدفع المُهمّشون الذين لا تراهم برامج الإغاثة- مثل ميّ القمر وكرم وأحمد- الثمن من أجسادهم وأعمارهم؛ فحين تتأخر خُطط التعافي وتغيب البيانات، تبقى الحلول حبيسةً في سجلّ التوصيات، لا في سجلّ الإنقاذ الفعلي، لتُمسي كل ساعة تأخير فصلًا جديدًا من المعاناة للأشخاص ذوي الإعاقة.