يبدأ يوم الشاب أحمد جبر (27 عامًا) من مدينة غزة بمساعدةٍ لا غنى عنها. يقترب شقيقاه، يرفعانه بحذر من فراشٍ على الأرض، ويسندانه حتى يجلس على كرسيه المتحرك، في حركة تبدو بسيطة لكنها تختصر تحوّل حياته بالكامل. يقضي معظم ساعات يومه بين نومٍ وخمول وضجر، داخل خيمةٍ تفتقر لأدنى مقومات العيش.

قبل إصابته، كان يعمل في ورشة حدادة شرق مدينة غزة، يقضي ساعات طويلة واقفًا، لكن قصفًا إسرائيليًا أواخر عام 2024 على مركز إيواءٍ كان قد نزح إليه غيّر مسار حياته، بعد أن فقد ساقه اليمنى. منذ ذلك الحين، يحاول إعادة تعريف نفسه مهنيًا، في واقع يضيق فيه كل شيء حتى الفرص.

يقول: "أريد عملاً… لا شفقة"، ويوضح أنه بات قادرًا على العمل على الحاسوب، لكنه لم يجد جهة تمنحه فرصة. تختصر تجربته مفارقة قاسية ففي الوقت الذي تتراجع فيه الوظائف اليدوية، وهي الأكثر شيوعًا، لا تتوفر بدائل رقمية أو مكتبية كافية تستوعب من لم يعد بإمكانهم العمل جسديًا.

هذه الفجوة لا تتعلق بالأفراد فقط، بل ببيئة كاملة تتداعى. فبحسب تقارير أممية، أكثر من 83% من الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة فقدوا أجهزتهم المساعدة، ما يجعل الحركة والوصول إلى الخدمات، بما فيها العمل، شبه مستحيل. 

وفي ظل هذه الظروف، لا تنتهي الحرب عند توقف القصف، بل تبدأ طبقة أخرى من المعاناة، أقل صخبًا لكنها أطول أثرًا في الزمن. فآلاف الجرحى الذين نجوا من الموت يواجهون واقعًا جديدًا تتقاطع فيه الإصابة الجسدية مع هشاشة الاقتصاد، ليجدوا أنفسهم يوميًا أمام سؤال محوري: كيف يمكن العيش والعمل في سوق لم يعد يتسع لهم أصلًا؟

تشير تقديرات وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية إلى أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة تجاوز 70 ألفًا، من بينهم حدود 12,000 حالة جديدة ناجمة عن الإصابة تشمل ما بين 3,100 و4,050 حالة بتر نهائي، إضافة إلى آلاف الذين يعانون إصابات مغيرة للحياة تؤثر على الحركة والطبيعة اليومية. هذه الأرقام لا يعكس فقط حجم الخسارة البشرية، بل يكشف عن تحوّل ديمغرافي سريع، يتزامن مع انكماش حاد في سوق العمل لدى ذوي الإعاقة بدلًا من توسعه.

بالنسبة لمريم جادالله (34 عامًا)، التي أصيبت بإعاقة حركية جزئية وفقدت معدات الخياطة التي كانت تعتمد عليها خلال النزوح، تحوّل هذا الواقع إلى عزلة قسرية. تقول إن "البيت أصبح سجني"، ليس فقط بسبب الإصابة، بل لأن الطرق المدمرة ووسائل النقل غير المهيأة تجعل فكرة الخروج للعمل تحديًا بحد ذاته.

في الخلفية، يتشكّل ما يشبه "جيل جديد من الإعاقة" خارج حسابات السوق. فمنذ عام 2023، سُجلت عشرات آلاف الإصابات التي قد تتحول إلى إعاقات دائمة، بينها نحو 21 ألف طفل، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في حين قدمت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) دعمًا لأكثر من 24 ألف شخص من ذوي الإعاقة، في مؤشر إضافي على اتساع الفئة المحتاجة للتأهيل. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك سياسات اقتصادية موازية قادرة على استيعاب هذا التحول الديمغرافي السريع، ما يجعل الدمج في سوق العمل شبه مستحيل ويزيد من هشاشة واقعهم المعيشي.

سامر مهدي، (42 عامًا) وأب لخمسة أطفال، فقد بصره جزئيًا بعد إصابة في الرأس. كان يعمل محاسبًا، لكن بعد تدمير مكتبه وإصابته، حاول سدّ هذه الثغرة عبر العمل عن بُعد، وبدأ البحث عن فرص في إدخال البيانات. غير أن انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت جعلا الاستمرار شبه مستحيل، ولم يتمكن من توفير قوت يوم أسرته. يقول سامر: "أنا جاهز للعمل… السوق ليس جاهزًا"، لتختصر كلماته خللًا بنيويًا واضحًا: حتى الفرص التي يُفترض أن تكون مناسبة لذوي الإعاقة تصطدم ببنية تحتية منهارة.

ولا تقف العوائق عند حدود البنية التحتية، بل تمتد إلى نظرة المجتمع وسوق العمل. ليلى (29 عامًا)، خريجة إدارة أعمال وتعاني من إعاقة سمعية، أرسلت عشرات طلبات التوظيف دون رد. تقول إن "أصحاب العمل ينظرون إلى إعاقتها قبل شهادتها"، في إشارة إلى وصمة مستمرة تُقصي كثيرين قبل أن تتاح لهم فرصة إثبات قدراتهم.

في هذا السياق، يرى مسؤول برنامج الإعاقة في منظمة العون الطبي للفلسطينيين، لؤي أبو سيف، أن التحديات التي يواجهها ذوو الإعاقة "ليست جديدة، لكنها تفاقمت بشكل غير مسبوق بعد الحرب"، مشيرًا إلى أن الحصار ونقص الخدمات والبنية التحتية غير المهيأة كانت أصلًا تعيق اندماجهم، قبل أن تتضاعف بفعل تدمير الطرق والمرافق وفقدان الأجهزة المساعدة. 

ويضيف أبو سيف أن كثيرين يواجهون صعوبة حتى في الوصول إلى أماكن العمل أو التدريب، ما يجعل فكرة البحث عن وظيفة بحدّ ذاتها تحديًا.

هذا الواقع يتقاطع مع فجوة قانونية واضحة. فبحسب مدير برنامج حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، محمد المدهون، ورغم وجود قانون فلسطيني يكفل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أنّ تطبيقه ما يزال محدودًا، ما ينعكس مباشرة على ضعف فرص التشغيل وغياب الدمج الحقيقي، خاصة في مجالات التعليم والتدريب والخدمات الأساسية.

وتتخذ الأزمة بعدًا أكثر تعقيدًا عند النظر إلى أوضاع النساء. إذ تشير مديرة برامج التمكين في مركز شؤون المرأة، هدى النجار إلى أن النساء ذوات الإعاقة يواجهن أشكالًا مركبة من التمييز، بوصفهن نساء وبسبب إعاقتهن في الوقت ذاته، ما يحدّ من فرص حصولهن على عمل لائق ويزيد من تعرضهن للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

في موازاة ذلك، يتواصل الانهيار الاقتصادي، فقد حذرت منظمة العمل الدولية من أن سوق العمل في غزة شهد "دمارًا غير مسبوق"، مع اقتراب البطالة من 80%، ما يدفع حتى الأطفال إلى العمل من أجل توفير قوت يومهم. وفي مثل هذا السياق، يصبح دمج ذوي الإعاقة أكثر صعوبة، إذ يتنافسون في سوق يعاني من عجزٍ حادّ.

تشير تقديرات كل من منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن نحو 42,000 شخص في قطاع غزة يعانون إصابات غيّرت مجرى حياتهم نتيجة النزاع، تشمل حالات بتر وإصابات في الحبل الشوكي والدماغ، ويشكل هؤلاء نحو ربع إجمالي الإصابات المبلغ عنها منذ أكتوبر 2023، أي ما يعادل حوالي 25% من المصابين الذين يحتاجون إلى رعاية وإعادة تأهيل مستمرة وطويلة الأمد. 

في الوقت نفسه، تراجعت خدمات التأهيل بشكل كبير نتيجة تدمير المرافق ونقص الكوادر الطبية، ما يخلق فجوة عميقة بين تزايد الحاجة وتراجع الاستجابة. هذه المعاناة تتفاقم أمام واقع صحي منهار، حيث يواجه الجرحى تحديًا مزدوجًا: التعامل مع آثار إصاباتهم الجسدية وإيجاد أي سبل للاندماج في مجتمع لم يعد قادرًا على استيعابهم أو تقديم الدعم اللازم لهم.

وفق قانون حقوق المعوقين رقم (4) لسنة 1999 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تلتزم الجهات الحكومية وغير الحكومية باستيعاب عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة لا يقل عن 5% من إجمالي العاملين لديها، مع ضمان جعل بيئة العمل مناسبة لاحتياجاتهم، في محاولة لتفعيل مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز في سوق العمل. 

لكن على الرغم من وجود هذه النصوص القانونية الصريحة، يشير مراقبون إلى أن التطبيق الفعلي للالتزام بهذه النسبة محدود جدًا، ولا ينعكس بشكل واضح في واقع سوق العمل الفلسطيني، مما يترك كثيرين من ذوي الإعاقة خارج فرص التوظيف رغم وجود إطار قانوني يُلزِم أصحاب العمل بذلك.

بهذا المعنى، لا تكون البطالة مجرد غياب وظيفة، بل شكلًا من أشكال الإقصاء. فكثير من ذوي الإعاقة يُدفعون خارج سوق العمل قبل أن يدخلوه، نتيجة مزيج من العوائق: بنية تحتية غير مهيأة، نقص وسائل النقل، غياب التكييفات الوظيفية، واستمرار الوصمة الاجتماعية. والنتيجة أن نسبة كبيرة منهم تخرج من قوة العمل بالكامل، لتصبح “غير مرئية” اقتصاديًا.

ورغم هذه الصورة القاتمة، تكشف البيانات مفارقة لافتة: المشكلة ليست في قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على العمل، بل في محدودية وصولهم إلى الفرص. ففي تجارب دولية، ساهم العمل عن بُعد في تحسين معدلات تشغيلهم، قبل أن تتراجع هذه الفرص مع انحسار نماذج العمل المرن، ما يشير إلى أن تصميم سوق العمل نفسه هو جوهر المشكلة.

في غزة، حيث تتزايد الإعاقات بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، لا يبدو أن هذا التصميم في طريقه إلى التغيير. فمع تسجيل آلاف الإصابات بين الأطفال، يتشكل جيل قد يجد نفسه خارج سوق العمل قبل أن يبلغه، في ظل غياب سياسات دمج فعالة.

في النهاية، لا تحكي الأرقام القصة كاملة. خلف كل رقم، شخص يحاول إعادة بناء حياته في ظروف لا تساعد على ذلك. وفي قطاع غزة، حيث تُنتج الحرب إعاقات بوتيرة متسارعة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لسوق عمل منهك أن يستوعب من نجوا من الحرب… أم أنهم سيُتركون لمواجهة شكل آخر من الإقصاء، أكثر هدوءًا وأطول أثرًا؟