للحزن في الأراضي الفلسطينية عموما وقطاع غزة خصوصا أوجه عدة، أسبابها الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023 والتوترات الأمنية والعسكرية وتعكير الصفو السياسي، إلا أن للفرح وجه واحد، يعبر عنه بـ"الدبكة الشعبية".
إيقاع الأقدام وهي تضرب الأرض كموروث فلكلوري، لا يشكل مرجعية للهوية الفلسطينية فقط، وإنا يعد وجها من أوجه الفرح رغم الحزن الذي يخيم على الأرجاء.
وعلى مر الزمن كانت الدبكة هي الطقس الذي يرافق حفلات الأعراس، غير أنه صار طقسا يرافق كل المراسم والاحتفالات، بما فيها افتتاح المعارض والفعاليات المؤسساتية.
ورغم ما تعيشه غزة اليوم من حصار وظروف اقتصادية في غاية التعقيد، إلا أن شادي صبح الذي يدير فرقة "أصايل للفنون" يقول إن الفلسطينيون يحيون الدبكة ليس كجزء من الهوية الفلكلورية الفلسطينية أو كموروث وإنما كبصمة فرح.
وأوضح صبح (33 عاماً)، "نحن نواصل صناعة الفرح، وما زالت الفرقة تبتكر طرقا لنشر البهجة بين الركام"، ورغم تراجع الطلب على عروضها إلى حد ما، فلم يتوقف شادي كما بين، عن تحويل التراث الفلسطيني إلى شكل من أشكال مقاومة اليأس والاحباط بطريقته الخاصة.
وقال: "نقوم بنشر البهجة في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء والمدارس، لنصنع أجواء من الفرح وننقل في الوقت نفسه جزءا من الموروث الثقافي الفلسطيني إلى الأجيال الجديدة. نحن نتحمل مسؤولية الحفاظ على الفنون الشعبية مثل الدبكة والدحية والأغاني التراثية، وفي الوقت ذاته نخفف الضغوط النفسية عن مختلف فئات المجتمع من خلال عروضنا الفنية التي يحضرها الجميع، كبارا وصغارا.

وبالعودة إلى أصل الدبكة الفلسطينية وسبب تسميتها، استمعنا إلى عزة جبر، وهي حكواتيه مختصة بالحكاية الشعبية الفلسطينية ومهتمة بالتراث والموروث الشعبي الفلسطيني، والتي قالت: "إن الدبكة اشتق اسمها من الفعل "دبك" أو "درب" بالأرض بالقدمين بإيقاع معين، فمعنى الاسم مرتبط بالحركة الأساسية نفسها وهي الطرق الإيقاعي على الأرض".
وأضافت جبر "في المعاجم الحديثة، تُعرف الدبكة بأنها رقصة جماعية تقوم على قرع الأرض بالأرجل قرعاً إيقاعياً، أي أن اسمها جاء لغوياً من طبيعة الحركة ذاتها".
وأوضحت أن أصول الدبكة ترجع إلى بلاد الشام (سوريا، الأردن، فلسطين، لبنان) التي كانت بلداً واحداً، فكانت الدبكة واحدة من الرقصات الشعبية الراسخة (القوية) في المنطقة، وهي مرتبطة بالمجتمع الريفي أكثر وبالاحتفال الجماعي. وبالرجوع إلى التاريخ، لا يوجد إجماع علمي واحد حول بدايتها، لكن هناك تفسيرات متداولة.

وذكرت أن هناك تفسيرين رئيسيين لنشأة الدبكة: التفسير الاجتماعي: يرى أن أصل الدبكة جاء من ضرب الأرض بأقدام جماعية، حيث كان العمال يشتغلون على أسطح البيوت الطينية ليثبتوا الأرض فيخبطون بأرجلهم، فجاءت الدبكة بشكل جماعي من هنا.
التفسير الفلكلوري: يربط حركات الدبكة بطقوس زراعية قديمة في تلك المناطق.
وحول تطور الدبكة عبر العصور، أوضحت عزة جبر: انتقلت الدبكة من جيل إلى آخر. في البداية كانت كالدبك على الأسطح أو في الزراعة كعمل جماعي للتماسك وخبط الأرض، ثم تطورت وتغير شكلها بأشكال مختلفة لكنها حافظت على جوهرها. قديماً كانت أقرب إلى ممارسة جماعية عفوية داخل القرية، مرتبطة بالأهازيج الشعبية واليرغول والشبابة، أما اليوم فلا تزال تؤدى في الأفراح والمناسبات لكنها دخلت أيضاً إلى الفرق الفنية المنظمة، وأصبح لها توزيع وتصميم حركي وملابس معينة، أي أنها أصبحت أكثر تنظيماً من قبل.
وبخصوص اختلاف أساليب الدبكة حسب المناطق الفلسطينية، قالت: في فلسطين بشكل عام، هناك نوعان رئيسيان: الدبكة الشمالية: تؤدى غالباً بصف أو نصف دائرة مع قائد واضح في المقدمة، وتتميز بتناغم الخطوات الجماعية وخفة الحركة نسبياً، وهي الأكثر شهرة في الأفراح والمناسبات العائلية.
الدبكة الجنوبية بحسب الحكواتية جبر: ترتبط أكثر بأشكال السامر والدحية والسحجة، وتختلف بوجود صفين متقابلين أحياناً، وفيها محاورة شعرية وإيقاع بدوي أكثر، وتتميز بخشونة وقوة أكبر في الأداء مقارنة بالشمالية.

وعن كيفية تجسيد الدبكة لروح الجماعة والانتماء، أوضحت جبر: الترابط الجسدي بين الأيدي أو الأكتاف يؤكد فكرة الترابط في الوطن كله، سواء في الريف أو المدينة. وفكرة وجود قائد للدبكة يتبعه الجميع حسب إشاراته تؤكد روح العمل الجماعي. كما أن الناس كانت تتطوع للمشاركة في الدبكة بالأعراس والمناسبات الاجتماعية، مما يعكس مدى المشاركة في الفرح وتكاتف القرية الفلسطينية والأسرة الفلسطينية بأكملها.
وفي الختام، حول الرسالة التي تود توجيهها للحفاظ على التراث الشعبي الفلسطيني من خلال الدبكة، قالت الحكواتية عزة جبر: نحاول قدر الإمكان نقل موروثنا الثقافي والشعبي للأجيال جيلاً بعد جيل، وأعتقد أن الشعب الفلسطيني كان ناجحاً بامتياز في ذلك.
وتابعت قولها: "الدبكة عمرها مئات السنين، وهي نوع من أنواع الهوية الفلسطينية. إن خطوة القدم على الأرض تثبت روحك الفلسطينية ووجودك في هذه الأرض، وتؤكد أن هذه الأرض لنا وستبقى لنا. وهذا ما نثبته للعالم كله من خلال موروثنا الثقافي والاجتماعي؛ هذا تراثنا الموجود منذ مئات السنين وسيستمر للأجيال القادمة".