تتعاظم التحديدات في وجه الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، ومع ذلك لايزال يشكل التطريز عنصر فني بارز في مختلف المحافل ورغم كل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويبدو واضحا أن في كل غرزة من غرز التطريز الفلسطيني، لا تنسج المرأة خيوطًا ملونة في القماش فحسب، بل تروي قصة قرية، وتوثق انتماءً، وترسم هوية لا تقبل التجزئة، ولا تقبل منحها وقتا للراحة، فعجلة الإنتاج لا تزال مستمرة.
لكن مع دخول التكنولوجيا عالم الموضة وانتشار التطريز بالماكينات، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحفاظ على الأصالة في ظل مواكبة التطور؟
ترى مصممة الثوب الفلسطيني، سامية إسماعيل مغنم، في هذه الحرفة فنًا تراثيًا عريقًا "يعكس التراث والحضارة الفلسطينية منذ الأزل إلى هذه اللحظة". وتضيف أن الإجابة عن سؤال الحفاظ على الأصالة "تكمن في التوازن بين الحفاظ على العناصر الأساسية للثوب وابتكار تصاميم معاصرة لا تمس جوهر الهوية".
هذا التوازن، كما تراه مغنم، يبدأ بفهم عميق لجغرافيا التطريز الفلسطيني، الذي ليس نمطًا موحدًا بل أشبه بخرائط اجتماعية. ففي الخليل، مسقط رأسها، تتميز الأثواب بالألوان الداكنة والنقوش الكثيفة المنظمة، بينما تغلب الألوان الزاهية على أثواب رام الله، ويُعرف ثوب بيت لحم بنقوشه الكبيرة المترفة التي تعكس المكانة الاجتماعية، فيما تحمل أثواب يافا طابعًا ساحليًا مميزًا.
لكن هذه الخصوصية الجغرافية تتجاوز الألوان إلى العروق نفسها. فلكل مدينة عرقها الذي اشتهرت به: في الخليل "الكرمة" أو "الدالية"، وفي بيت لحم "التاج والريشة والقباب"، وفي غزة "السمك والمنشار والأمواج"، أما القدس فاشتهرت بـ"السيرو والقنديل والنجمة الثمانية"، في حين تميزت نابلس بـ"الحناء والسنابل". تؤكد مغنم أن هذه العروق لم تأت صدفة، بل كانت "وليد اللحظة وليد المنطقة وليد الحالة الاجتماعية"، إذ كانت النساء يبتكرنها ليصبح كل إرث لاحق مرتبطًا ببلدة بعينها.

إلى جانب البعد الجمالي والهوياتي، يشكل التطريز الفلسطيني شريان حياة اقتصاديًا لآلاف النساء. قبل الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، كان مركز سلافة للتطريز، التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) في غزة، يوفر فرص عمل لحوالي 472 امرأة من خلال شبكة من تسعة مراكز مجتمعية في جميع أنحاء القطاع. لكن الحرب تسببت في تدمير أجزاء من مبنى المركز وأجبرت العديد من النساء على النزوح.
هذا الكسب الاقتصادي، مع ذلك، لا يأتي دون ثمن. فالتطريز اليدوي التقليدي، كما توضح مغنم، "يحمل جودة أعلى" لأنه يُنفذ بالإبرة والخيط يدويًا، ويستغرق إنجاز ثوب واحد ما بين 6 إلى 8 أشهر. الهدف منه هو "الحفاظ على التراث والهوية"، حيث تبقى العروق معروفة ومحفوظة، "فأي شخص يرى عرق الكرمة أو الريشة أو شجرة الحياة يعرف أنه تطريز فلسطيني تقليدي".
هذا الجهد الكبير ينعكس على التكلفة. في مركز التراث الفلسطيني في بيت لحم، تشرح المديرة مها سقا أن الأثواب اليدوية عالية الجودة قد يتراوح سعرها بين 1500 و2000 دولار أمريكي، وهو مبلغ يعكس ساعات العمل الطويلة وتكاليف المواد الخام، لكنه في الوقت نفسه يجعلها بعيدة المنال عن الكثيرين.

هنا يبرز دور التطريز العصري، الذي يتم عبر الماكينات المستوردة. ترى مغنم فيه "تجديدًا" وتركيزًا على "الستايل والشكل"، مما أتاح تنوعًا في التصاميم وإدخال عناصر جديدة مثل الخرز والاستاس (الرسوم الحرارية). وتشير إلى أن الماكينات بدأت مؤخرًا تستوعب النقوش القديمة وتعيد إحياءها "بطريقة عصرية"، مع اختلاف بسيط في الألوان للحفاظ على شكل العرق الأصلي. وتضيف أن التصنيع الآلي يتطلب جهدًا أقل بكثير ويتميز بإنتاجية أعلى، مما يجعله بديلاً اقتصاديًا يخفض التكلفة بشكل كبير ويسهل تلبية احتياجات السوق المتزايدة.
وتعلق سقا على هذا التحول بموقف عملي، مؤكدة في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) أن إدخال الزخارف الفلسطينية على الأزياء العصرية أمر بالغ الأهمية: "إضافة الزخارف الفلسطينية إلى الأزياء العصرية أمر مهم للغاية. فهذا يعني أننا نستطيع ارتداء فستان عصري يحمل تطريزًا فلسطينيًا عليه. نحن ندعم ذلك بنسبة 100 بالمئة." وتضيف أن التطريز، سواء كان يدويًا أم آليًا، يظل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية: “التطريز جزء من هويتنا ودليل على وجودنا في كل مدينة وقرية فلسطينية. إنه يُظهر جمال وغنى تراثنا الفلسطيني”.

على الرغم من إقرارها بأن التطريز العصري "يحافظ على الهوية الفلسطينية"، إلا أن مغنم تشدد على أنه لا يفعل ذلك "بوضوح كبير مثل التطريز اليدوي". وترى أن الحفاظ الحقيقي يتحقق عندما تلتزم القطعة العصرية "بالعنصر الأساسي من اللون والشكل والتصميم"، وأن ترتبط بالتراث حتى وإن نُفذت على الماكينة، فتبدو للوهلة الأولى كما لو كانت تقليدية.
لكنها تبدي تحفظها على بعض التطورات الحديثة، فتقول إنه في السنوات الثلاث الأخيرة (منذ حوالي 2020-2022) ظهرت في الأسواق قطع "لا تتناسب كليًا مع تراثنا الفلسطيني"، واصفة إياها بأنها "بدون أكمام"، مما يجعلها "تبتعد بعيدًا عن الثوب الفلسطيني الذي يحافظ على الهيبة والجمالية والعفة والحياء". ولا تلقي مغنم باللوم كله على المصممين، فتستدرك: "الجيل أحيانًا يخرج عن النص من الكثير من النواحي"، مضيفة أن الأسواق أصبحت تستجيب لأذواق جيل الشباب في العشرينات الذي يميل إلى هذه القطع "الخارجة شيئًا عن نطاق الثوب الفلسطيني القديم".
في غزة، ومع وجود هدنة هشة سارية منذ أكتوبر 2025، تعود سمية، المشرفة على الإنتاج في مركز سلافة والتي أمضت أكثر من ثلاثة عقود في هذه الحرفة، لتشرف على جهود إعادة الإحياء التدريجي. تقول سمية، التي تحدثت إلى الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس 2026: "التطريز هو هوية. كل غرزة تحمل قصة. كل نقش يحمل ذاكرة." لكنها تضيف بُعدًا آخر للحرفة: "عندما تكسب المرأة من يديها، تقف بشكل مختلف. تشعر بأنها قادرة. تشعر بأنها محترمة. تعلم أنها تساهم في بقاء أسرتها." وتتذكر كيف واصلت النساء العمل في أصعب الظروف: "كنا لا نحمي القماش فقط. كنا نحمي أشهرًا من العمل. كنا نحمي الطعام لأطفالنا. كنا نحمي كرامتنا."
تختتم سمية رسالتها إلى النساء الفلسطينيات بعبارة تعكس صمودًا لا ينكسر: “أنتن أقوى من ظروفكن. حتى في أحلك الأوقات، يمكن لأيديكن أن يبنين مستقبلًا”.
في النهاية، تظل سامية مغنم متمسكة بفكرة أن الثوب الفلسطيني، في جوهره، هو "الأغلى لدى المرأة"، وهو "الجمال والتراث والفداء"، فكل غرزة فيه، سواء نُفذت يدويًا أم بالماكينة، تبقى حكاية أمل في بقاء الهوية رغم كل المتغيرات.