مع تقدم السن يتجه الكبار تدريجيًا نحو نمط حياة أكثر هدوءًا وأقل مجهودًا؛ لكن الحياة داخل خيام النزوح تقوم على عكس ذلك تمامًا: عدم الاستقرار، الضجيج الدائم، النوم المتقطع على أرضٍ غير مستوية، نمط الحياة الخشن، والقدرة على التكيّف السريع. السيدة خلود عزام (60 عامًا) تقطن في خيمة في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة وتعيش هذه الظروف يوميًا وسط معاناة لا تنقطع.
تمسك عزام بمصحف صغير ويدها ترتجف بخفة، لكن صمتها ليس فراغًا، بل ثقل سنوات سُكبت دفعة واحدة في مكان لا يتسع حتى لأنفاسها. تقول بعد تنهيدة طويلة: "نحن متعبون. الحياة هنا ليست مجرد نزوح، بل صراع يومي. كل ما لدينا لمواجهة هذا الوضع هو الصبر على قسوة الظروف التي أثقلت أجسادنا وقلوبنا".
تتوقف قليلاً، ثم تنظر إلى الفوضى خارج الخيمة قبل أن تضيف: "كل صباح يبدأ بجهاد جديد لجسدي؛ الطوابير الطويلة التي لا تنتهي، الضجيج المستمر الذي يقطع هدوء حياتنا، وفقدان الخصوصية التي كانت ملاذنا. كل هذا حوّل الخيمة من ملجأ إلى عبء يومي نحمله بلا ذنب".
تردف والحزن يكسو ملامح وجهها: "المرض يمكن علاجه، لكن لا أحد يخفف عنا ثقل العجز الطبيعي، وتعب السنين، وآلام المفاصل في بيئةٍ لا تعرف الراحة لكبار السن. كل هذا الألم لا يُرى، ولا يُحتسب ضمن أولويات الإغاثة".

على بُعد أمتار قليلة، وفي زاوية أخرى يملؤها ضجيج النازحين، تجلس السيدة سامية إسماعيل (65 عامًا). تحاول ترتيب بعض الأواني البلاستيكية المبعثرة حولها، وتمسح الغبار عن غطاء قديم، كأنها تحاول استعادة "نظام" بيتها الذي دُمّر. لكن ملامح وجهها المتعبة تكشف أن المحاولة نفسها مرهقة.
تقول بنبرة يملؤها الحنين: "العمر ليس مجرد رقم. إنه روتين بنيناه طوال حياتنا. في بيتي كان روتيني المنظم، مكاني المفضل، وهدوئي الخاص، وسريري الذي يعرف كيف يريح عظامي. هنا في الخيمة انتهكت إنسانيتا، وأصبحنا مكشوفين أمام الغرباء وأمام التعب".
تصمت قليلاً وهي تنظر إلى الطوابير خارج خيمتها، ثم تضيف: "أصعب ما نمر به ليس الجوع، بل فقدان الخصوصية. الوقوف بانتظار دوري في الحمام أو في طابور الماء إهانة لجسد لم يعد يقوى على الوقوف لأكثر من دقائق. نحن لا نشكو من مرض بعينه، بل نشكو من حياة لم تُفصّل لمقاس أجسادنا المتعبة".
وتكمل وهي تحاول تعديل جلستها على الأرض الصلبة: "الخيمة رقيقة جدًا، تسمعنا كل شيء؛ صراخ الأطفال وغيرهم. نحن هنا ننتظر، لكن العمر لم يعد فيه الكثير للانتظار".
قرب خزان مياه كبير في أحد مخيمات النزوح، يقف أحمد المهادي (55 عامًا) متكئًا بظهره المتعب على جدار خشبي متهالك. يراقب الطوابير الطويلة بصمت، قبل أن يقول بنبرة مثقلة بالتعب: "في هذا السن يبدأ الجسد بطلب الهدوء، لكن الخيمة تطلب منك الركض والوقوف لساعات من أجل صفيحة ماء أو ربطة خبز. ليس مجرد تعب جسدي، بل استنزاف لما تبقى من كرامة الرجل المسن".
يمسح العرق عن جبينه ويضيف: "أحيانًا أشعر أن عظامي تصرخ من الوقوف، لكن لا بديل. الخيمة لا تعترف بوجع المفاصل".
ثم يتابع: "الخيمة صُممت لمن يملك طاقة الشباب للانتظار والتكيف. أما نحن فقد استهلكنا طاقتنا في إعمار بيوتنا التي ضاعت، والآن نجد أنفسنا في بيئة لا ترحم أجسادنا. الضجيج الذي لا ينقطع ليلاً ونهارًا يسلب منا حتى حقنا في نوم هادئ".

في ممر ضيق يفصل بين خيمتين متلاصقتين، يجلس نايف أبو شعبان (75 عامًا). يسند ظهره المقوس إلى وتد الخيمة الحديدي، ويمسك عكازه الخشبي بقوة، كأنه يتمسك بآخر خيوط استقلاليته التي بدأت تتآكل.
يقول بصوت متهدج: "في بيتي كان كل شيء قريبًا. المرحاض بجانب غرفتي، والماء تحت يدي. هنا، المسافة إلى دورة المياه المشتركة رحلة شاقة، خاصة في الليل. أحيانًا أشرب أقل مما أحتاج، فقط لتجنب تلك الرحلة المتعبة في هذا العمر".
ويضيف وقد تحشرج صوته: "الخيمة لا تحترم شيبتنا. الوضوء يحتاج جهدًا، والجلوس للصلاة على الأرض الصلبة يكسر المفاصل. نحن هنا لا نملك حتى رفاهية الوجع الخاص؛ وجعنا مشاع للجميع، وصوتنا في الليل يسمعه الجيران. لا توجد خصوصية".
هذه المعاناة اليومية يعيشها آلاف كبار السن في غزة، بعيدًا عن الأضواء والإحصاءات الرسمية، فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2025، يبلغ عدد كبار السن (60 عامًا فأكثر) في قطاع غزة نحو 108 آلاف مسن، أي ما يقارب 5% من إجمالي السكان. ومع موجات النزوح الواسعة، يعيش عدد كبير منهم اليوم في الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة.
وتشير تقارير صادرة عن منظمةHelpAge International إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع كبار السن في غزة يقيمون حاليًا في خيام أو ملاجئ مؤقتة، فيما يؤكد 84% منهم أن ظروف السكن الحالية تؤثر سلباً على صحتهم وخصوصيتهم، بينما يواجه كثيرون صعوبات في الوصول إلى الأدوية والخدمات الصحية الأساسية.
وفي هذا السياق، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مما وصفه بـ "موجة موت صامتة" بين الفئات الأكثر هشاشة، وبينهم كبار السن، نتيجة الجوع وانهيار الخدمات الصحية وظروف النزوح القاسية.

وفي تفسير لهذا الواقع، توضح المختصة النفسية والاجتماعية أنوار أبو زايدة أن حياة الخيام تفرض على كبار السن "استنزافًا نفسيًا" يتجاوز المرض العضوي. فخسارة الخصوصية والضجيج المستمر يقودان إلى قلق حاد وأرق مزمن، ينعكس سريعاً في شكل آلام جسدية وتفاقم في أمراض السكري والضغط.
وتضيف: "هناك فرق كبير بين تعب العمر الطبيعي وتعب النزوح. الأخير تعب مستمر لا يزول بالراحة، بل يصاحبه شعور بالعجز وفقدان القيمة. الوقوف في الطوابير ليس مجرد إجهاد للمفاصل، بل كسر لكرامة المسن".
وترى أن الحل يبدأ بمنح كبار السن أولوية واضحة داخل المخيمات، وتوفير "زوايا هادئة" تحترم إيقاع أجسادهم البطيء، مضيفة: "استعادة الروتين البسيط هي أولى خطوات الحفاظ على ما تبقى من إرادة الحياة لديهم".
وبينما تنشغل المنظمات الدولية بإحصاء الخيام وتوزيع الطرود الإغاثية، يتردد صدى صوت معلق في المخيمات: متى ستُراعي أماكن النزوح بما يرحم أجساد من تقدّم بهم العمر؟ ومتى سيحسن المسؤولين ظروف الخيام لتتوقف عن أن تكون عقوبة يومية لمن تجاوزوا الستين؟