كان من الصعب على حنان المدهون، ذات الواحد والأربعين عامًا والأم لثلاثة أطفال، الحفاظ على مشروعها القائم منذ عقدٍ من الزمن خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023. فقد كانت الضربة الأشد حين دمّرت الطائرات الحربية منزلها، لتقضي على مشغولاتها اليدوية.
وقبل تلك الضربة، حاولت الاحتفاظ ببعض القطع على أمل أن تسعفها في استئناف مشروعها إن بقيت على قيد الحياة، لكن العدوان كان أقسى من أن يُبقي على إرثها الفني الذي كرّست له سنوات من الجهد والعمل.
تقول حنان: "بدأ مشروعي قبل أحد عشر عامًا، حين صنعت لبناتي فوانيس من ورق الفوم والخشب استعدادًا لشهر رمضان، ثم نشرت صورها على حسابي عبر منصة فيسبوك، ولاقت ترحيبًا واسعًا من الجمهور، وتلقيت طلبات عديدة لتنفيذ فوانيس لأطفالهم". عندها لمعت فكرة الاستمرار، وبدأت بتطوير المشروع باستخدام مواد خام متنوعة، والتوسع في الأشغال اليدوية مثل الرسم على الزجاج، وإدخال الزينة بمختلف أشكالها في المناسبات، إضافة إلى المجسمات والمطرزات.
المدهون متخرجة قسم الإعلام من جامعة الأقصى، لكنها لم تمارس العمل الصحفي سوى في تجارب محدودة، توضح: "صحيح أنني خريجة إعلام، لكنني وجدت نفسي في الأشغال اليدوية. بدأت بها كهواية، ومع شغفي الكبير بها عملت على تطوير نفسي من خلال البحث عبر الإنترنت، والالتحاق بدورات تدريبية، والاطلاع على كل ما هو جديد في هذا المجال حول العالم."

جاءت نقطة التحول حين نشرت حنان صور أعمالها على فيسبوك؛ خلال وقت قصير، لاقت تفاعلًا لافتًا فاق توقعاتها، وتدفقت طلبات من خارج دائرتها القريبة، ما دفعها إلى تحويل موهبتها إلى مشروع يأخذ طريقه إلى الاتساع.
ومع تزايد الطلب، بدأت توسّع نطاق عملها بهدوء، مضيفةً أشكالًا جديدة من الأشغال اليدوية، من الرسم على الزجاج إلى المطرزات، في محاولة لمواكبة ذائقة زبائنها المتنامية. في تلك المرحلة، لعب زوجها دورًا محوريًا؛ لم يكتفِ بتأمين المواد الخام من الأسواق المحلية، بل سعى إلى طلبها وشحنها من الخارج، وساهم أيضًا في تصميم الدوائر الكهربائية لبعض القطع المضيئة، مثل الفوانيس، ما أضفى على منتجاتها طابعًا أكثر تنوعًا وجاذبية.
تقول: "كان مشروعي مصدر دخل مهم لي ولعائلتي، وكان زوجي من أبرز الداعمين لي في تلك الفترة."
بعد التسويق عبر منصاتها الشخصية، ومع توسّع أعمالها قررت الدهون إنشاء منصات عامة. توضح: "عندما استقبلت عددًا كبيرًا من الطلبيات، قررت إنشاء منصات خاصة بالمشغولات اليدوية، وكنت أستقبل من خلالها الطلبات من داخل قطاع غزة وخارجه، حتى امتدت إلى دول عربية وأوروبية".
تردف: "كنت أتنقّل بين هذه المنصات للتسويق لمنتجاتي، لكن للأسف لم أكن أستطيع الشحن للزبائن خارج فلسطين، نظرًا لإغلاق المعابر من قبل الاحتلال وعدم توفر خدمة الشحن الخارجي."

في أكتوبر 2023، قلبت الحرب الإسرائيلية على غزة حياة حنان رأسًا على عقب؛ إذ شكّل تدمير منزلها خسارة فادحة أفقدتها موادها الخام وأدوات عملها. وفي خضم هذا الدمار، جاء استشهاد زوجها في بداية الحرب ليضاعف معاناتها، فوجدت نفسها مسؤولة عن أبنائها وحدها. وبين هذين الحدثين القاسيين في الشهر ذاته، ازداد إصرارها على استئناف عملها ومحاولة البدء من جديد بمشروعها الخاص.
بعد فقد زوجها وخسارة مشروعها، تقول: "لم تؤثر الحرب على مشروعي فحسب، بل نسفته من الأساس. كنت أعمل من منزلي، وكانت جميع المواد الخام موجودة فيه، لكن مع قصف البيت بشكلٍ كامل فقدت كل شيء، ولم يتبقَّ شيء يُذكر، ما اضطرني إلى التوقف عن العمل لفترة طويلة. كانت الأوضاع قاسية لا تُحتمل؛ خسرت زوجي وبيتي في الشهر ذاته، وكان ذلك بالغ القسوة عليّ."
ازدادت الحياة صعوبة على حنان وأطفالها، بعدما وجدت نفسها المسؤولة الوحيدة عن جميع تفاصيل حياتهم، في ظلّ عراقيل يومية تتعلق بالمواصلات وارتفاع تكاليف المعيشة خلال فترات النزوح المتكررة، لتعلق: "ليس من السهل العيش في خيمة".

بعد وقف إطلاق نار مؤقت في يناير 2025، ولا سيما عقب عودتها من النزوح الثاني إلى جنوب قطاع غزة، قررت حنان استئناف مشروعها رغم الصعوبات الكبيرة في الحصول على المواد الخام. وفي ظلّ غياب الخشب والقماش، اتجهت إلى ابتكار تصميمات جديدة باستخدام الألوان الزجاجية، فتمكّنت من استعادة بعض الطلبات من زبائنها، وبدأت بإنتاج أكواب وأطباق مرسوم عليها كجزء من إعادة بناء مشروعها، مركّزةً على هذا النوع من الأشغال اليدوية الذي كانت تعمل به قبل العدوان.
تشير حنان إلى أنها ركّزت على ما استطاعت توفير مواده، موضحةً: "الجزء الذي استطعت توفير بعض مواده والبدء به من جديد هو الرسم على الزجاج، من أطباق وأكواب بمختلف أحجامها وأنواعها، وأصبح ذلك مصدر الدخل الأساسي لعائلتي"، وذلك في واقعٍ لا تتجاوز فيه مشاركة النساء في سوق العمل في غزة نحو 17% فقط، ما يدفع كثيرات إلى اللجوء للعمل الخاص والمشاريع الصغيرة كخيار للبقاء.
وتلفت إلى أن التحديات ما تزال مستمرة، لا سيما صعوبة الشحن وشح المواد الخام نتيجة إغلاق المعابر، وهي عراقيل رافقت عملها منذ بداية الحرب، مضيفة: "أعاني من إغلاق المعابر وعدم توفر المواد الخام، وهي من أهم الصعوبات التي تواجهني حاليًا، لكنها لا تثنيني عن الاستمرار. حاولت بكل جهد لم أدخره توفير أي مواد خام أستطيع من خلالها تنفيذ طلبات الزبائن الذين كانوا يسألون باستمرار عن هدايا للمناسبات."
تعتمد المدهون اليوم على مشروعها كمصدر دخل أساسي لإعالة أسرتها، رغم محدودية العائد وعدم استقراره في ظل التحديات المستمرة. تتابع: "قررت بإصرار مواصلة العمل في مشروعي، وبالفعل نجحت في استقطاب عدد كبير من الزبائن لتنفيذ طلباتهم، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، حيث نفذت العديد من الطلبيات، إلى جانب أكواب وأطباق مرسوم عليها كهدايا لأعياد الميلاد."
في تجربة حنان، يتجسّد معنى الصمود اليومي؛ امرأة تؤدي دور الأم والأب معًا، وتمضي بإصرار رغم الخسارة. لا تخفي حزنها، لكنها تتمسّك بأن الحياة لا تتوقف، وتوجّه رسالة لكل امرأة فقدت شريكها: "كوني قوية، فأنتِ السند الذي يحتاجه أطفالك، وواصلي الكفاح؛ فالحياة، رغم قسوتها، ما تزال تحمل بصيص أمل".