لم يعد غريبا أن تجد شخصا يشكو من هجمات القوارض في قطاع غزة، والتي تتخذ من أكوام الركام والنفايات المحيطة بخيام النزوح مرتعاً لها.
هجمات القوارض لم تعد أمراً مثيراً للغرابة في غزة، لكنها تثير الكثير من المخاوف لدى المواطنين الذين يسكنون الخيام، لاسيما مع غياب أدوات المكافحة الفاعلة.
في خيمة بالية قوامها النايلون والقماش، اكتوى طفل حديث الولادة بأنياب عرسة نهشت وجهه وانتشرت صورته عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هذا المشهد الباعث على القلق يثير الكثير من الأسئلة حول الأدوات الفاعلة لمواجهة هذه الحالة، وسبل التعامل معها.
"دخلت عرسة إلى خيمتي وهاجمت طفلي حديث الولادة، وقامت بنهش وجهه"، هكذا كتب مواطن فلسطيني نازح على فيسبوك، ناشد فيه الجهات المختصة وأهل الخير توفير خيمة جديدة تحمي أطفاله من هذا الخطر الذي بات يتهدد العائلات في كل ليلة.
لم تكن حادثة هذا الطفل التي انتشرت هذه الأسبوع استثناءً؛ فصور طفل آخر تعرّض لعضة عرسة انتشرت عبر الإنترنت، لتكشف حجم الكارثة الصامتة التي تتسلل إلى الخيام مع تكدس النفايات واختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار.
محمد عبد الجليل (35 عاماً) قال إنه تعرض هو الأخر لعضة عرسة بعد ملاحقتها داخل المسكن الذي يسكنه وهو متردي و آيل للسقوط.
وقال عبد الجليل الذي يقيم شمال غرب مدينة غزة، إنه توجه لمشفى الشفاء للتداوي على ضوء الأثر الذي أحدثته أنياب العرسة في كفة قدمه اليمنى، حيث تسببت له بألم شديد ونزيف دم، معبراً عن استياءه نتيجة عدم قدرته على مواجهة القوارض لا بفعل المصائد ولا حتى باستخدام السموم.
وفي مخيمات النزوح حيث تُترك بقايا الطعام مكشوفة والمياه الراكدة تتجمع بين الخيام، وجدت القوارض والحشرات بيئة مثالية للتكاثر، فيما يعجز السكان عن استخدام وسائل فعالة للقضاء عليها سوى مصائد بدائية أو الدخان الناجم عن اشعال الحطب.
وتحذيرًا من تفاقم الوضع مع ارتفاع درجات الحرارة وبخاصة مع اقتراب دخول فصل الصيف، كتب أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، على فيسبوك: "في ظل انتشار النفايات والركام والصرف الصحي، ومع الارتفاع التدريجي لدرجات الحرارة، سنكون مع أزمة جديدة تتعلق بالقوارض والبعوض، مما يفاقم الوضع الصحي في قطاع غزة".
وأضاف الشوا أن منع دخول السموم الخاصة بالقوارض إلى القطاع يفاقم الأزمة، داعيًا إلى "تكاتف الجهود لمواجهة هذا الأمر، وأدعو الكفاءات والاخصائيين من أجل وضع الأفكار والمقترحات للتعامل مع هذا الأمر من خلال ما هو متوفر من مواد، والبدء في عمليات التوعية وحشد الجهود لمواجهة هذا الذي سيضيف مستوى جديد للكارثة التي نعيشها".
في الأثناء، أكدت الدكتورة سنابل أبو طويلة، المثقف الصحي في وزارة الصحة بغزة، أن انتشار القوارض والبراغيث في المخيمات بلغ مستويات خطيرة، تاركًا آثاره على الفئات الأكثر ضعفًا: "الأطفال وكبار السن يعانون من عدم القدرة على النوم وانتشار الحكة في الجلد، ونحن نواجه صعوبة بالغة في الوقاية نظرًا لطبيعة الإقامة في الخيام".
وتضيف أن الوزارة تشخص يوميًا أمراضًا جلدية ناجمة عن هذا الانتشار، وتقدم العلاجات اللازمة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ في غياب أدوات الحماية الأساسية، فـ"مكافحة القوارض تقع على مستوى الأفراد والمجتمع معًا، لكن مع انتشار الركام ننصح بعزل مصادر الغذاء في علب مغلقة، وإدارة النفايات في أكياس محكمة، وإبعادها عن أماكن النوم، واستخدام المصائد في ظل غياب البدائل".
وفي ظل هذه الظروف، أصدرت وزارة الصحة إرشادات توعوية للمواطنين، دعت فيها إلى تقليل مصادر الغذاء عبر حفظ الطعام في حاويات مغلقة وعدم ترك بقايا الطعام مكشوفة، وتنظيف مكان الأكل يوميًا. كما شددت على ضرورة إغلاق أماكن دخول القوارض عبر سد الفتحات بالمواد المتوفرة، ورفع الأغطية والفرش عن الأرض، وإدارة النفايات بشكل سليم عبر تجميعها في أكياس محكمة وإبعادها عن أماكن السكن.
أما عند وقوع العضة، فلدى أبو طويلة تعليمات واضحة: "على الأم التي تعرض طفلها للعضة أن تغسل مكان العضة بالماء والصابون لمدة 10-15 دقيقة، ثم تعقيم الجرح مباشرة، والتوجه فورًا إلى الطبيب حتى لو لم تظهر أعراض، لأن هناك تطعيمًا خاصًا (الكزاز) أو ما يعرف بـ"التيتانوس" ويحتاج المصاب لتقييم طبي لتحديد الحاجة إليه أو إلى المضاد الحيوي". وتحذر الوزارة في إرشاداتها من أن الأمراض قد تنتقل عبر ملامسة بول أو براز القوارض، أو تلوث المياه والغذاء بها.
وفي الوقت الذي تزداد فيه المخاوف من اقتراب فصل الصيف، الذي سيزيد من سرعة تكاثر الحشرات والقوارض في ظل تراكم النفايات وغياب الصرف الصحي السليم، بدأت تظهر بوادر استجابة محلية. فقد أعلنت مصادر محلية في خان يونس، حيث لا يزال أكثر من 900 ألف نازح يقيمون في مراكز إيواء ومناطق نزوح متفرقة، عن تنظيم حملة خلال أيام لمكافحة الحشرات والقوارض، مؤكدة تسخير كل الإمكانيات الفنية والبشرية لإنجاحها.
غير أن سكان الخيام يرون أن هذه الجهود — رغم أهميتها — تأخرت كثيرًا، وأن الخطر الأكبر لا يزال ينام إلى جوار أطفالهم كل ليلة. ففي غياب آليات جمع النفايات بشكل منتظم، وتكدس الركام والأنقاض القريبة من أماكن السكن، وتجمع مياه الصرف الصحي بين الخيام، ومع منع دخول المبيدات والسموم اللازمة لمكافحة القوارض، يبقى السؤال الذي يطرحه النازحون في كل منشور ومناشدة: كيف يمكن حماية الأطفال الصغار من أسنان القوارض، في ظل غياب المؤسسات الدولية والصحية التي تبدو، على الأرض، عاجزة عن وقف هذا الزحف الليلي؟