يُنظر إلى القلق غالبًا بوصفه نتيجةً للتفكير المفرط، أو تضخّمًا للمخاوف الذاتية والأفكار عن المستقبل، لكن في البيئات غير المستقرة، يتحدّث المختصون عن القلق بوصفه استجابةً تكيّفيةً لمحيطٍ قاهر. وهنا يتحوّل القلق من اجترارٍ لخوفٍ زائد في ظروفٍ عادية وآمنة، إلى انشغالٍ مزمن بالبقاء في بيئةٍ تفتقر إلى أدنى مقومات الاستقرار.

إنّ ما يختبره الإنسان في مناطق النزاع – وواقع غزة اليوم نموذجٌ حيّ لذلك – لا يندرج تحت تصنيفات القلق التقليدي، بل هو إجهادٌ مزمن نابع من تأزّم الواقع المعاش؛ أي حالة من التحفّز العصبي والنفسي الدائم، تفرضها بيئةٌ سُلبت منها مقومات الأمان.

تُظهر الإحصائيات التي ترصد واقع الصحة النفسية في بيئات النزاع حول العالم أنّ اضطرابات القلق أصابت 301 مليون شخص في عام 2021، وتتأثر بها بدرجةٍ أكبر الفئاتُ الأكثر هشاشة، كالنساء والأطفال. وتشير دراسةٌ أُجريت على مواطنين في قطاع غزة خلال عام 2025 إلى أنّ 83.5% من البالغين لديهم مؤشرات اضطراب ما بعد الصدمة، فيما يُصارع أكثر من ثلثي المجتمع (65–72%) أعراضًا تتراوح بين القلق والاكتئاب الحاد. وبحسب إحصاءاتٍ أممية، تصل النسبة بين النساء تحديدًا إلى 75%.

وجاء في الدراسة أنّ "هذه الأرقام لا تعني وجود مشكلة في الأفراد أنفسهم، بل تعكس صمودًا قسريًا لجهازٍ عصبي وُضع في حالة استنفارٍ قصوى لا تتوقف ولا تنتهي. وهذا هو القلق الجمعي". وربطت الدراسة بشكل مباشر بين هذه الحالة النفسية وما تعرّض له الأشخاص من خسائر فادحة نتيجة وجودهم في منطقة نزاع، منها: فقدان أشخاصٍ مقرّبين، والتهجير القسري، ومشاهد العنف المباشر، لتتحول هذه الخسائر إلى وقودٍ يومي يُغذّي الانهيار النفسي.

تأثيرات القلق المزمن على الحياة

يؤدي هذا الاستنفار العصبي الدائم إلى ما يسمّيه المختصون شلل الإيقاع اليومي. فالدماغ، حين يُجبر على البقاء في حالة يقظةٍ مفرطة بحثًا عن تهديداتٍ وجودية، يستهلك معظم موارده المعرفية والبيولوجية في عملية الترقّب المستمر. وهذه الطاقة، التي كان من المفترض أن تتوجّه إلى الإبداع، والتخطيط للمستقبل، وبناء الروابط الاجتماعية، تُستنزف في محاولات حماية الحاضر من الانكسار.

وتفرض هذه الحالة انسداد أفق التفكير؛ فيعجز الشخص عن تصوّر غدٍ مختلف، فلا يعود قادرًا على الالتزام بمهامٍ يومية تتطلب استقرارًا ذهنيًا، مثل الدراسة أو العمل، فكلاهما يتطلب تركيزًا وتخطيطًا. وتغدو هذه الممارسات اليومية الروتينية أفعالًا ثقيلةً ومجهدة. كما تربط الدراسات بين هذه الحالة من العجز ومراوحة المكان، والوقت، الذي لا يعود أداةً للتطور أو الإنتاج، بل يتحول إلى فجوةٍ زمنية لا يهمّ فيها سوى العبور بأقل قدرٍ ممكن من الخسائر.

مع الوقت، قد يتجاوز الشخص هذه الحالة، لكن قرابة نصف الذين يمرّون بها لا يعودون إلى طبيعتهم، بحسب إحاطةٍ تُبيّن أنّ الأعراض قد تتفاقم "وتشكّل المزيد من الضيق العاطفي والنفسي، وتؤثر في الأداء العام للشخص في ممارسة حياته، وعادةً ما تكون هذه الحالة انعكاسًا لتشخيص اضطراب ما بعد الصدمة". حينها يغدو الإنهاك المزمن مقوّضًا للمهارات، ومعطّلًا للطموح، ويشعر معه الشخص بأنه مقيّدٌ بقيودٍ حديدية، مهما حاول الخلاص منها لا يستطيع. وتصبح الحياة كلها عبارةً عن استنزاف، ويغدو مجرد الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن اليومي فعلًا بطوليًا بحد ذاته.

وإن كنت من قطاع غزة، أو من أي جغرافيا أخرى مزّقتها الحروب والنزاعات، فلعلّك أصبحت أقرب إلى فهم ما نتحدّث عنه.

ونعلم أنّ واقع الحرب يضغط بكل ثقله لسلخ الإنسان عن توازنه، إلا أنّ الاستسلام للعدم يظل الخسارة الكبرى. لذلك، يبقى التمسّك بفعل المواجهة اليومي، مهما بدا بسيطًا، هو الخط الفاصل بين أن تظل إنسانًا فاعلًا في حياتك، وبين أن تتحول إلى ظلٍّ باهت على هامش الحياة والإحصائيات. والمواجهة هنا ليست بحثًا عن خلاصٍ مستحيل، بل هي إصرارٌ واعٍ على حماية ما تبقى من الكينونة، ورفضٌ للذوبان والتلاشي في فوضى الصدمات المتلاحقة وما تتركه من آثارٍ في النفس.

يقول الأخصائي النفسي علاء الخرّوب: "إنّ التعرّض المتكرر للحروب وحالات الطوارئ، والعيش في بيئات يغلب عليها التوتر الأمني والسياسي، يُراكم هشاشةً نفسيةً لدى الأشخاص، ويستوجب تقبّلها والتعامل السليم معها". ويضيف في حديثه خلال لقاءٍ تلفزيوني، أنّ التعايش السلبي مع صحةٍ نفسية متردية، والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، سلوكٌ خاطئ وضار، يُفاقم الحالة النفسية في الحاضر والمستقبل. كما تحدّث عن "أدواتٍ للتكيّف الإيجابي تُسهم في تعزيز الحصانة النفسية، منها: تقبّل الواقع، والتأقلم والتفاعل مع المحيط، وتعلّم إدارة الانفعالات والمشاعر السلبية، لحصر الخوف والقلق في أماكن ومساحات محددة دون أن تؤثر في حياتنا اليومية".

وفي خضم هذا الاستنزاف، ينصح مختصون بعدم الاستسلام للعدم. ونعلم أنّها كلماتٌ مألوفة، ربما قرأتها أو استمعت إليها مئات المرات، لكن امنح هذا المقال فرصةً ليقدّم لك طرقًا عملية للمواجهة، تتجاوز الوصفات الجاهزة وتخاطب العقل المُنهك مباشرة. فالمواجهة لا تعني تجاهل ما يحدث داخلنا، ولا إنكار الألم، ولا العيش الأبدي في تساؤلاتٍ لن تجد لها إجابة، بل تعني إعادة ترتيب الأولويات، والبحث عمّا يمكن فعله داخل واقعٍ لا يمكن السيطرة عليه بالكامل.

ثلاث خطوات للتعامل مع القلق المزمن

يمكن تحقيق ذلك بالحفاظ على طقوسٍ صغيرة تُبقي عقلك مشغولًا بالمعنى، لا بالنجاة فقط، إلى جانب عادات الرعاية الذاتية المعروفة التي توصي بها الجهات المختصة والموثوقة. والأهم من ذلك، إدراك آليات الدفاع النفسية التي تمتلكها، مهما بلغت درجة القسوة والوحشة في البيئة المحيطة.

أولًا: أنت لست ضعيفًا ولا مريضًا

الخطوة الأولى هي الاعتراف بوجود القلق المزمن، والتوقف عن لوم الذات. فعندما تُدرك أنّ شعورك بالخوف، أو التشتّت، أو فقدان القدرة على الإنتاج، ليس دليلًا على ضعفك، بل هو استجابةٌ ذكية من جهازك العصبي لحمايتك، ستبدأ بالتخفّف من عبء هذا القلق وآثاره. وتذكّر أيضًا أنّك لست مريضًا، بل إنسانٌ طبيعي يعيش في ظروفٍ غير طبيعية، فرضتها بيئةٌ استثنائية سُلبت منها مقومات الأمان والاستقرار.

ثانيًا: ابحث عن مساحاتٍ صغيرة تستعيد فيها إحساسك بالسيطرة

في بيئةٍ يغيب فيها التحكم بالواقع الكبير، كالقصف، والنزوح، والظروف المعيشية العامة، والأفق السياسي، ابحث عن مساحاتٍ يمكنك التحكّم فيها بالكامل، مهما كانت ضئيلة. قد يكون ذلك بترتيب زاويةٍ صغيرة، أو قراءة صفحةٍ واحدة، أو الحفاظ على عادةٍ يومية ثابتة، كالمشي نصف ساعة، أو ممارسة عادةٍ إيمانية تُفضلها. وسيتعامل عقلك مع هذه العادة بوصفها "مساحة سيطرة"، تمنحه شعورًا بأن ليس كل شيء خارج إرادته، وتحدّ من الانزلاق إلى فوضى اليأس، والفراغ، والتفكير المفرط المُنهِك في انعدام الجدوى.

ثالثًا: ركّز على الاستمرارية لا الإنتاجية

في الحروب، تتغيّر معايير النجاح. توقّف عن قياس قيمتك بناءً على مستوى إنتاجيتك المعتاد، سواء في الدراسة، أو التطور المهني، أو إنجاز المهام، أو بناء العلاقات. إنّ إنجازك الحقيقي في هذه المرحلة الصعبة لا يقاس بحجم ما تُنتجه، بل بقدرتك على الحفاظ على استمرارية حياتك، ومنع وعيك وعقلك من الانهيار تحت وطأة الضغوط المستمرة. قِس نجاحك اليوم بقدرتك على أن تظل حاضرًا ومتمسّكًا بمعناك الخاص، لا بما تفرضه عليك متطلبات الحياة المستقرة، لأن حياتك، ببساطة، ليست مستقرة.

هذه النصائح ليست علاجًا للقلق المزمن، بل أدواتٌ مُساعدة لتعزيز الحصانة النفسية، والتعامل الإيجابي معه، خاصةً في ظل شحّ خدمات الدعم النفسي الفردي في مناطق النزاع، وغيابها التام في كثيرٍ من الأحيان. لكن، متى أمكن، فلا تتردد في استشارة طبيبٍ أو أخصائي نفسي؛ فالتشخيص الدقيق والعلاج وفق البروتوكولات المعتمدة يظلان السبيل الأمثل للتعامل مع اضطرابات الصحة النفسية.

ويبقى التأكيد على أنّ الرعاية النفسية ليست رفاهية، بل ضرورةٌ إنسانية لا تقل أهمية عن الرعاية الصحية الجسدية، ولا ينبغي أن تُعامل باعتبارها خدمةً ثانوية في الاستجابات الإنسانية. فالحروب لا تُخلّف دمارًا في المباني والبنية التحتية فحسب، بل تترك آثارًا عميقة في الإنسان نفسه، وقد تمتد هذه الآثار سنواتٍ طويلة بعد توقف أصوات القصف. لذلك، فإنّ ضمان مساراتٍ حقيقية للتعافي النفسي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي استجابة إنسانية، بما يحفظ كرامة الإنسان، ويُعينه على استعادة قدرته على مواصلة الحياة.