لم تكن مريم عبد الرحمن* (31 عامًا) تبحث عن الكثير حين لجأت إلى مندوب المخيم لتبلغه عن عنف زوجها المتكرر؛ أرادت أن تكف اليد التي تصبغ جسدها بالكدمات والوهن، وأن تضع حدًّا لتهديده المستمر بطردها من مكان نزوحهم. وبعد أيام من التفكير توجهت إليه آملةً بالحماية، قبل أن يتبدد الأمل.
تتكوّم مريم على نفسها وهي تختصر سنوات من العنف الجسدي واللفظي: ضرب مبرح وإهانات ونوبات غضب من قبل الحرب، زادت مع ضيق العيش وفقدان الدخل. تقول: "بعد نزوحنا استحالت حياتنا جحيمًا، صار يضربني أنا والطفلين على أسباب تافهة. وفي مرةٍ هاجمني وقال: سأقتلك".
بدل الحماية أو التدخل القانوني، وُضعت في مواجهة زوجها وأشقائه في "جلسة صلح" ترأسها المندوب برفقة رجال إصلاح لا تعرفهم، وبحضور شقيقها، دون علم مسبق بترتيبها. ورغم صدمتها كانت تنتظر إنصافًا. تستذكر بدموع خنقت حروفها: "للحظة شعرت أنّني المخطئة. قالوا لي: بلد كاملة تموت وأنتِ تشتكين من كفّيْن؟ وأنّ السّتر أوفق للجميع. ثم أجبروني على العودة مع زوجي الذي يُواصل تعنيفي. وحتى شقيقي لم يعترض".
بدا خوفها المختلط بالمرارة جليًا في رجفة صوتها واشتداد قبضتها على ثوبها: "حقي دُفِن، وكلّما أتذكر ذاك اليوم أختنق. لم يستمعوا إليّ، ولم يفحصني أحد، كانت الكدمات تغطّي جسدي وهم يضحكون ويتبادلون النكات عن ضرب الزوجة".
قصة مريم مرآة لشهادات متكررة من نساء يواجهن فرادى ضغوطًا عديدة لإجبارهن على الصمت والتنازل، بلا حماية. أمام هذا الواقع يبرز سؤال مهم: حين يتهاوى القانون وتتآكل السلطات، من يحمي النساء؟ يحاول التقرير الإجابة، بما يتجاوز توصيف الانتهاكات المتزايدة، ليضع بدائل هذه السلطات أمام المساءلة الأخلاقية والقانونية، ويختبر فاعلية تدخلاتها وقانونيتها وفق معايير محددة. فهل تحمي هذه البدائل الناجيات أم تقطع مسار العدالة؟
انهيار.. وبدائل
أفضت حرب 2023 إلى انهيار شبه كامل استهدف ركائز الحوكمة والعدالة في قطاع غزة. فعلى صعيد السلطة التنفيذية، أدى الدمار الذي لحق بالمقار الشرطية والحكومية، واستهداف الكوادر، إلى تقويض حماية المدنيين، عبر مساعي إقصاء ما تبقى من المنظومة وإحداث فراغ أمني يعمّق الفوضى، بحسب بيان حقوقي صادر في أغسطس عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، جاء فيه أن نتيجة هذا التقويض "تعطّلت الاستجابة الميدانية المباشرة، وتراجعت قدرة الأجهزة الأمنية على تقديم الحماية وإنفاذ القانون".
وامتد الانهيار إلى القضاء: إذ دمّر الاحتلال الإسرائيلي 90% من مرافقه، بحسب ورقة حقائق صادرة عن هيئة حشد (أكتوبر)، تشير إلى أن انهيار المنظومة يعني حرمان المواطنين من الوسيلة الأساسية لحماية حقوقهم. واستشهد 10% من القضاة الشرعيين ودُمّر نصف مقار المحاكم الشرعية، فيما تواصل الكوادر عملها في مراكز مؤقتة وبإمكانيات محدودة، وفق رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي حسن الجوجو.
كما يوثّق المركز الفلسطيني (ديسمبر 2025) أن هذا "عطّل قضايا النفقة وحق المشاهدة والتفريق بسبب العنف الأسري، فضلًا عن تزايد الانتهاكات دون وجود أدوات قانونية فاعلة للردع والإنصاف".
ويضاف إلى ما سبق تداعي السلطة التشريعية، بفعل تأثر عمل المجلس التشريعي الفلسطيني، وانقسام منظومة التشريع بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة منذ أحداث 2007.
وتفتقر كثير من مخيمات النزوح إلى جهة إدارية رسمية، ولا تزال النساء والفتيات في نحو 500 موقع نزوح يواجهن صعوبة في الوصول إلى مساحة آمنة، بحسب تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان في سبتمبر.
وعقب اندلاع الحرب أدارت القطاع لجنة طوارئ، ولجان إصلاح ولجان مجتمعية أخرى، منها مسؤولو مخيمات النزوح ومراكز الإيواء. بعض هذه الأجسام نشأ لإدارة شؤون النازحين لكن دورها اتسع للصلح العشائري، ما دفع جهات حقوقية إلى التحذير من افتقارها في حالات كثيرة لضمانات المحاكمة العادلة وسلطة الإنفاذ.
يقودنا هذا إلى التساؤل عن حدود صلاحيات هذه اللجان "بدائل السلطة" قانونيًا، ثم عما إن كانت تتخذ مسارات عادلة تحمي النساء، أم أنها أدوات تكرّس الوصمة الاجتماعية وتهدر حقوق الضحايا.
قبل الإجابة، يلزم فحص السند القانوني لتشكيل لجان الطوارئ والأجسام الموازية وأحكامها في قطاع غزة. فاستنادًا إلى قرار بقانون رقم (7) لسنة 2020م بشأن حالة الطوارئ، تتيح المادة (1 فقرة 7) تشكيل لجان مساعدة لجهات الاختصاص عند إعلان حالة الطوارئ. غير أن هذا السند يصطدم بمحدد دستوري تشترطه المادة (110) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003، فإعلان الطوارئ يتطلب مرسومًا رئاسيًا، وهو ما لم يصدر خلال الحرب.
يعني هذا أن لجان الطوارئ وإدارة المخيمات القائمة أجسام واقعية تدير الأزمة ميدانيًا، لكنها ليست قانونية، وتطالها الفجوة التشريعية وتبعات الانقسام السياسي الممتد، لذا هي أيضًا بلا صفة قضائية.
وبحسب مسؤول في لجنة طوارئ شمال غزة، تمتلك هذه اللجان نفوذًا اجتماعيًا تستقيه من نفوذ سياسي، فهي تشكلت في بداية الأزمة من أفراد هم في الغالب موظفون في مواقع متقدمة في الحكومة التي تديرها حركة حماس في قطاع غزة، ومتنفذون من تنظيمات سياسية، وتدير شؤون القطاع. وفرّقها عن اللجان المحلية التي قد تكون جهات مجتمعية أو مؤسساتية مستقلة.
وكان تقرير للمجلس النرويجي للاجئين (2012) قد ذكر أن 70-90% من النزاعات تُحل خارج القضاء الرسمي في غزة. وعلى قِدم تاريخه، يعطي التقرير مؤشرًا لعمق الأزمة؛ ففي واقع الحرب تتضاعف خطورة هذه المعطيات، خاصة أن التقرير حذّر مبكرًا من هدر الحقوق عبر هذه المسارات غير القانونية.
حدود الصلاحيات
على هذا الأساس، توضح المحامية الشرعية فاتن لولو حدود الصلاحيات وقانونية أحكام البدائل: "لا تكتسب لجان الإصلاح سلطة قضائية عامة بمجرد وجودها أو قبول الأطراف بالتوجه إليها، ولا تصبح قراراتها أحكامًا واجبة التنفيذ. ويجب أن تتحدّد صفة كل لجنة ومرجعياتها". وتحذر من تحول اللجان من وساطة اختيارية إلى بديل قسري عن القضاء، مؤكدةً أن الصلح يجب أن يقوم على الرضا الحقيقي لا الإكراه، فالعرف قد يكون وسيلة للتقريب بين الناس على مبدأ الرضا الحقيقي دون استغلال، لكنه ليس مبررًا لمخالفة نص قانوني أو هدر حقوق.
ويكفل القانون الأساسي حقوق المواطنين وحرياتهم دون تمييز، بنص المادتين 9 و10، ويحظر الاعتداء عليها بموجب المادة 32 التي تعدّه جريمة لا تسقط بالتقادم. كما تلزم اتفاقية سيداو، التي انضمت إليها فلسطين (2014)، بحظر التمييز ضد النساء باتخاذ تدابير حماية فعالة. وتعتبر التوصية العامة 19 للجنة العنف ضد المرأة شكلًا من أشكال التمييز، فيما تطالب التوصية 35 للجنة بحماية الناجيات جسديًا ونفسيًا، وتمكين وصولهن إلى القضاء. وتشترط عدم إحالة قضايا العنف إلزاميًا إلى وساطات وإجراءات بديلة لتسوية المنازعات، محددةً لذلك شروط تنظيم صارمة.
لكن هذه النصوص تتناقض مع ما عاشته مريم عبد الرحمن؛ إذ تحولت "جلسة الصلح" في خيمة المندوب إلى أداة سلبتها حقها بدل حمايتها. فبينما يحفظ القانون للناجية المطالبة بالحماية ويكفل إنصافها، صادر العرف العشائري هذه الحقوق وافتقر إلى أدنى المقومات الإجرائية: غياب التوثيق المستقل، وغياب المشورة القانونية للضحية، وضياع النوافذ الطبية الحرجة لتقييم الإصابات، حسبما أوضحت المحامية.
وتعلّق المحامية لولو على التناقض بين التشريع والتطبيق: "توقيع المرأة على وثيقة صلح لا يعني أنها وافقت عليها بإرادة حرة، وإذا ظهرت مؤشرات على الإكراه، فإن التنازل لا يُسقط الحق، والعدالة لا تتحقق بمجرد إنهاء النزاع، إنما عندما تتوقف الانتهاكات وتُصان حقوق الناجيات".
وتستعرض ورقة "حشد" عقبات تحد قدرة الوساطة المجتمعية على حماية الحقوق: افتقارها إلى سلطة إلزامية، وغياب التخصص، وعدم وجود إجراءات ومعايير موحدة، واحتمال الانحياز.

فوضى فاقمت الانتهاكات
سارة مصطفى* (22 عامًا) تعيش كابوسًا من نوع آخر. وهي نازحة مع والدتها وشقيقها المتزوج في مدرسة تحولت خلال الحرب إلى مركز إيواء. وتتعرض منذ شهور لابتزاز إلكتروني وميداني من شاب يقطن في المركز ذاته. وترفض إبلاغ عائلتها خوفًا من التبعات. وتقول: "لو علموا بما يجري سيتعاملون مع الوضع كجريمة شرف ولن أسلم، وأخشى الشكوى ضد من يبتزني كي لا يصل الأمر لأهلي".
وما تخشاه سارة حدث لأسماء إبراهيم* (38 عامًا)؛ فبعد تعرضها للتحرش الجسدي من صاحب أرض مخيم النزوح الذي تقيم فيه، لجأت مباشرة إلى عائلتها تخبرهم بما جرى لردع المعتدي، لكن ما حدث كان خارج حساباتها. ألقى الأهل اللوم عليها فورًا، وحين اعترضت صفعها شقيقها الأكبر.
الحروف المتلعثمة وتسارع نبرتها خلال الحديث يكشفان شيئًا من حجم الصدمة التي لا تزال تعيشها رغم مرور عام تقريبًا على الواقعة. وتصف السيدة شعورها: "تحدثوا يومها بنبرةٍ مختلفة لم أعتدها من أهلي قبل الحرب، عن كوني مطلقة وبلا أطفال وأن الشكوى ستكون فضيحة لنا، ومنعوني من التوجه لأية جهة".
تتقاطع هذه القصص الحية مع معطيات مجموعة تقارير نشرها صندوق الأمم المتحدة للسكان في سبتمبر، ترصد تصاعد الانتهاكات ضد النساء في قطاع غزة، في ظل تآكل شبكات الحماية الاجتماعية وانهيار البنى التحتية وفقدان الدخل والنزوح. منها تقرير يتضمن روايات لتجارب 230 سيدة جُمعت بين ديسمبر 2025 ويناير 2026، من مدينتي غزة وخانيونس اللتين تضمان 1.1 نازحًا، منهم 580 ألف فتاة وسيدة. وذكر التقرير أن 37% من مواقع النزوح في المدينتين بلا جهة إدارة رسمية. وتحدثت النساء فيه عن محدودية الوصول إلى العدالة، ووصفن نمطًا يحمل فيه الإبلاغ عن الانتهاك خطر اللوم أو مزيدًا من القيود أو الانتقام. ولم يقدم التقرير إحصاءات دقيقة للانتهاكات.
فيما يشير تقرير ثانٍ إلى أن نحو 78% من مقدمي الخدمة أفادوا بأن وصول الفتيات والنساء إلى الخدمات متوسط وضعيف، ما يعني أن وجود خدمة أو قناة شكوى لا يضمن بالضرورة استخدامها. ويوثق التقرير أن الجناة كانوا أزواجًا وأفرادًا من الأسرة في 64% من بلاغات العنف. ويوثق تقرير ثالث ارتفاع بلاغات العنف بنسبة 60% للنصف الأول من 2026 (31% منها اعتداء جسدي)، وقفزة بنسبة 123% في الزواج القسري والمبكر، وفق الحالات المبلغ عنها.
وتقرأ الأخصائية النفسية ومشرفة مدراء الحالة في مركز شؤون المرأة سلمى السويركي التقارير بمفارقة تتضمن ارتفاع المخاطر والانتهاكات ضد النساء في الحروب، مقابل تراجع قدرتهن على الإبلاغ والوصول إلى الخدمات. ومع وجود عقبات أمام التوثيق والحصر، توفر هذه التقارير مؤشرات عامة لا تعكس بالضرورة الأرقام الدقيقة.
أما عن حماية النساء، فتبدأ السويركي من سؤال تراه الأهم: "قبل البحث عن سبب تراجع النساء عن التبليغ، أو صمتها؛ هل وفرنا لهنّ الحماية التي تجعل الكلام ممكنًا وآمنًا، دون أن تدفع ثمنه وحدها؟". وترى أن غياب القانون وتفكك السلطات التقليدية رسّخ لدى الجناة انطباعًا بسهولة الإفلات من العقاب، لافتةً إلى توثيق المركز شهادات لنساء هُددن صراحةً بالقتل دون حسيب. ومع إقرارها بأن وجود اللجان المحلية ضرورة فرضها واقع الحرب، حذرت من "مساراتها غير العادلة".
وتوضح أن البدائل تضغط على الناجيات للتنازل أو لقبول تسوية قسرية، وتحوّل حتى الجرائم الخطيرة إلى تفاهمات عشائرية بذريعة الستر وصون سمعة العائلة؛ وحين تميل موازين القوى لصالح المعتدي، تعجز النساء عن اتخاذ قرار سليم، كأن توافق السيدة على التنازل عن كل حقوقها. لذا يجب وضع حدود لأي وساطة مجتمعية، بمعايير توفر مشورة مستقلة وتصون سلامة المرأة وحقوقها دون ابتزاز، وتؤكد أن "التنازل القسري وإن أنهى خلافًا ظاهريًا، لن يوقف العنف ولن يضمن المساءلة".
وترجع المختصة تعثر النساء في استعادة حقوقهن وإفلات المعتدين إلى ثلاثة عوامل: الدمار والنزوح ونقص الموارد والكوادر، واختلال موازين القوى مع ظهور أصحاب "نفوذ طارئ" اجتماعي أو اقتصادي أو إغاثي، وخوف النساء من تبعات الشكوى وفقدانهن الثقة بجدواها في ظل تفشي لوم الضحية والوصمة الاجتماعية.
وفي دراسة لمركز "مساواة" (مارس 2025)، أظهرت النساء، وهن عينة الدراسة، نسبة رضا عام تراوحت بين (14 و25)% عن أداء رجال الإصلاح والمخاتير، و7% عن أداء الشرطة.
بدائل السلطة قيد المساءلة
يقول رئيس لجنة إصلاح في غزة والمستشار القانوني زياد غنيم إن اكتظاظ المخيمات وانعدام الخصوصية فيها فاقما الابتزاز والتحرش بحق النساء. واتفق معه مسؤول في لجنة طوارئ شمال غزة فضّل إخفاء هويته لارتباط اللجنة بجهة سياسية. وبوصف الجهتين بديلًا مؤقتًا للسلطة، سألناهما: هل تحمي تدخلاتهما الناجيات أم تقطع مسار العدالة؟ وقسنا ذلك بمعايير: السرية، وسلامة المشتكية، والتوثيق، والإحالة إلى الخدمات (الصحية والنفسية والقانونية)، والردع دون مقايضة بحقوق النساء.
في رده على الأسئلة، يقر غنيم بأن بعض الحلول العرفية تسقط حلقات من المساءلة الجزائية: "في قضايا الابتزاز والمساس بالبكريّة، تتراوح مخرجات التدخّل بين التزويج، والتعهد المالي من المُعتدي ومسح الصور، وكفالة من كبير العائلة بعدم التعرّض". وفي العنف الأسري يُعتمد الصلح بدل التفريق القضائي، مع "سند مالي على الزوج لإلزامه، ويُحفَظ لدى اللجنة". وهي إجراءات تتجاوز معايير الحماية والتوثيق، وتضغط أحيانًا باتجاه التنازل.
يبرر غنيم ذلك بأولوية جمع شمل الأسرة وتجنب الطلاق والستر. لكن ماذا إن أهدرت هذه الأولويات حقوق النساء في حلقات من الابتزاز والضغط النفسي وتكرار العنف؟
وبموازاة ذلك، يعكس كلام لجنة الطوارئ نمطًا أمنيًا بسلطة تبدو نافذة؛ إذ يقول: "تمر الشكاوى بقنواتٍ خاصة عبر الشرطة المجتمعية، وتُتيح احتجاز الجاني- وأحيانًا والده للرّدع والإحضار- مع اشتراط 4 كفلاء لإطلاق سراحه". وفي قضايا التحرش والحمل خارج الزواج يتحدث عن "استصدار أدوية إجهاض بتنسيق مباشر وخاص مع أطبّاء ومعالجة القضية بدون علم الأهل"، حمايةً للمرأة من تبعات إبلاغهم. ورغم تأكيده توفير الأمان والسرية للمشتكيات، لا يرد في إفادته ما يشير إلى إحالة قانونية مستقلة.
وتتقاطع إفادتا الجهتين عند الإقرار بضعف الأمن والقضاء، وبإحجام النساء عن التبليغ خشية الوصم أو الانتقام، وبتسوية قضايا قتل عشائريًا خارج القضاء. وتخلو إفاداتهما من إحالة إلى الدعم النفسي أو الخدمات الطبية الرسمية، ومن توثيق قانوني.
وطرحنا على وزارة الداخلية في قطاع غزة، عبر مكتبها الإعلامي في 11 أكتوبر، أسئلة عن عدد شكاوى النساء وآليات معالجتها ونسبة ما يحوّل منها إلى القضاء، وتأكد تسلّمها. لكن الرد جاء بعد خمسة أيام بالاعتذار عن المقابلة بسبب تعقيدات الوضع الأمني.
قانونيًا، ترى المحامية لولو أن الظروف الاستثنائية "قد تفسر تعطّل بعض الإجراءات، لكن لا تجعل حقوق النساء أقل قيمة، ولا تبرّر التخلي عن ضمانات العدالة والحماية والمساءلة". وتبيّن الحد الأدنى الواجب في أية تسوية: التحقق من صحة التنازل: هل قرار المرأة حر؟ هل تعرضت لتهديد؟ هل علمت بآثاره القانونية؟ وهل حصلت على مشورة قانونية مستقلة قبل التوقيع؟ ولا يُعد الملف منتهيًا بمجرد إعلان اللجنة اتفاقًا، بل يُعاد تقييم الخطر وتُحال الحالة إلى المسار القانوني والحمائي.
بهذا اختبرت المساءلة بدائل السلطة بمعايير السرية وسلامة المشتكية والتوثيق والإحالة والردع؛ فتبين أنها، رغم ضرورتها الميدانية، تعمل بلا صفة قضائية ولا رقابة، وتقدّم الستر وسرعة إنهاء النزاع والوصمة على سلامة الناجيات، وتسقط حلقات من المساءلة وضمانات الحماية الشاملة.
وبين أم أُعيدت إلى معنِّفها، وأخرى أجبرتها عائلتها على الصمت، تبقى النساء وحدهن في مواجهة الانتهاكات. فمن يحميهن في غياب القانون؟ وكيف تُضمن الحماية دون إهدار حقوقهن؟
* حُذفت الأسماء صونًا لخصوصية الحالات وحمايتهن من أية تبعات.