"تم إيداع راتبك بقيمة 2000 شيكل، يوجد لديك رصيد 400 شيكل في حسابك". بهذه الرسالة الهاتفية استُهلّ شهر جديد مثقل بالقلق لدى أحمد قاسم (55 عامًا)، أب لأربعة أطفال، كان قد حصل على قرض عام 2020 لشراء منزله في مدينة غزة، قبل أن يُدمَّر خلال الحرب.

يقول قاسم إن خصم القسط الشهري لقرضه توقّف منذ بداية الحرب في عام 2023، بالتزامن مع صرف السلطة ما نسبته 60% فقط من الراتب فقط. "لكن الصدمة هذه المرة كانت مضاعفة، فبعد سنوات من توقف الخصم، جرى سحب قسط قرض البيت دفعة واحدة، في وقتٍ أصبحت فيه الظروف المعيشية قاسية إلى حدٍ لا يُحتمل".

بدا أن عبئَين ماليين تزامنا عليه في لحظة واحدة، يقول: "فتحت الرسالة ولم أعد أعرف كيف أحسب ما تبقى من الراتب. هو لا يصل كاملًا، ومع خصم القسط شعرت أن وجود الراتب وعدمه سيّان؛ كله يذهب إلى البنك، ولا يبقى لنا شيء".

كان قاسم يأمل أن يعتمد البنك آلية أكثر مرونة للسداد بعد الحرب للتخفيف عن العملاء في قطاع غزة في ظلّ الظروف الصعبة التي تعصف بهم؛ لكنّه فوجئ بخصم القسط من دون أي إشعار مسبق. يقول: "الأعباء تثقلنا والأسعار في الأسواق، حتى لو بدت رخيصة، فهي غالية، والراتب بالكاد يكفي".

في غزة، يواجه الموظفون العموميون أزمة مزدوجة: رواتب منقوصة من السلطة، وخصومات مفاجئة على أقساط القروض من البنوك، في ظل احتجاز أموال المقاصة وارتفاع الأسعار. الرواتب بالكاد تكفي لتغطية الإيجار والفواتير الأساسية، ما يضع الأسر تحت ضغط مستمر. وتثير هذه الخصومات المفاجئة، إلى جانب التأخير في صرف المستحقات، تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مسؤولية الجهات الرسمية في حماية حقوق الموظفين وضمان قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

لا يختلف المشهد كثيرًا لدى أم سامي الكرنز (37 عامًا)، الموظفة في وزارة المالية وأم لثلاثة أطفال. تبدأ حديثها بسؤالٍ مثقل بالقلق: "إلى أين أذهب إذا لم أدفع قسط المنزل والإيجار، بينما لا يصلني من راتبي كاملًا سوى 600 شيكل؟".

توضح الكرنز أن راتبها الأصلي يبلغ 2000 شيكل، يذهب معظمه للإيجار، ولا يتبقى لها سوى 600 شيكل، تعتمد فيها على المساعدات والتكيات لتأمين احتياجات أسرتها. لكن هذا الشهر حمل صدمة إضافية. 

وتقول: "عندما وصلتني رسالة البنك بالمبلغ المتبقي بعد خصم قسط القرض الذي حصلت عليه لترميم منزلي وتجهيزه، شعرت بأن كل شيء قد ضاع منذ بداية الشهر، وكأن كابوسًا يلاحقني أنا وزوجي".

كان زوج الكرنز قد فقد عمله منذ أشهر، وهو مصاب في الحرب ويحتاج إلى علاج مستمر. تضيف: "علاج زوجي وحده يحتاج إلى 500 شيكل". ثم تمسك بورقة وتبدأ في الحساب: "إيجار المنزل 1400 شيكل، ودواء زوجي 300 شيكل، ولا يتبقى لي سوى 100 شيكل أُدبّر بها أموري، فغالبًا ما ينتهي الحساب برصيد سلبي".

أما علي الملاحي (52 عامًا)، فيتوقف لحظة قبل أن يتحدث، وقد خفَتَ صوته قليلًا. يقول: "منذ عامين أُدبّر شؤوني بالراتب الذي أتقاضاه من السلطة، لكنني هذا الشهر فوجئت بخصم 500 شيكل دفعة واحدة، وهو قسط جامعي عن ابنتي التي أتكفّل بتعليمها".

الملاحي موظف في وزارة الصحة وأب لستة أبناء، ولم يتبقَّ له بعد خصم السلطة على الرواتب سوى 1500 شيكل، رغم أنه يعيش حاليًا في خيمة بعد تدمير منزله، ولديه ثلاثة أبناء جامعيين. ويضيف: "الإيجار وحده يستنزف 1500 شيكل، ولا يتبقى شيء للطعام، أو للكهرباء والمياه والمواصلات، ولا حتى لأدوية المنزل، فضلًا عن مصاريف الجامعة".

ويرفع هاتفه المحمول متسائلًا: "وزارة المالية لا ترى أن ابنتي الكبرى تدرس الطب البشري، هي لا تنظر إلا إلى الرقم المستحق في الدفاتر. نحن ندفع ثمن المستقبل، لكننا نخسر الحاضر".

هذه الشهادات لا تأتي بمعزل عن الواقع المالي المعقد الذي تعيشه رواتب الموظفين العموميين منذ أكثر من عام. فبحسب بيانات وتصريحات وزارة المالية الفلسطينية في رام الله، جرى صرف رواتب الموظفين خلال العامين الماضيين بنسبة تراوحت بين 50% و60% فقط من الراتب الأساسي، وبحد أدنى 2000 شيكل، على أن تُسجَّل النسبة المتبقية كذمة مالية مؤجلة لتُدفع لاحقًا. 

يظهر هذا النمط بشكل أكثر حدة في قطاع غزة، حيث تُفاقم القيود الإسرائيلية على أموال المقاصة الأزمة، مقارنة بالضفة الغربية التي تصرف الرواتب غالبًا بشكل كامل، رغم بعض التأخيرات المؤقتة.

وأكدت الوزارة في أكثر من تصريح رسمي أن هذا الصرف الجزئي يعود بشكل رئيسي إلى الاقتطاعات الإسرائيلية المستمرة من أموال المقاصة، المصدر الأساسي لإيرادات الخزينة العامة. 

وتوضح هذه الخصومات أحادية الجانب مدى هشاشة قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين، في وقت لا تتراجع فيه تكاليف المعيشة، بل واصلت ارتفاعها بشكل ملحوظ، مما يضع الأسر تحت ضغوط مالية يومية متصاعدة.

حاولت "آخر قصة" التواصل مع سلطة النقد الفلسطينية للحصول على توضيح رسمي بشأن آليات الخصم، إلا أنه لم يصل أي رد حتى الآن، لتظل علامات الاستفهام حول شفافية الإجراءات وحقوق الموظفين قائمة وسط هذا الواقع المالي المضطرب.

اقتصاديًا، يوضح أحمد أبو قمر أن صرف أنصاف الرواتب في ظلّ ارتفاع هائل في أسعار السلع الأساسية، التي أصبحت أعلى بنحو 7 إلى 8 أضعاف ما كانت عليه قبل النزاع، يضع الأسر تحت ضغط مستمر ويقوّض قدرتها على تلبية احتياجاتها اليومية والأساسية. ويشير إلى أن هذه الضغوط لا تقتصر على الطعام فقط، بل تمتد لتشمل الكهرباء والمياه والمواصلات، ما يجعل أي راتب جزئي يكاد يذهب لتغطية الحد الأدنى من النفقات.

ويضيف أن المستحقات المتراكمة للموظفين، والتي تُقدَّر بنحو 2.5 مليار دولار، تعكس اعتماد الحكومة على تأجيل الرواتب كأداة لإدارة الأزمة المالية، لكنها في الوقت نفسه تضع الأسر أمام حالة من عدم اليقين المالي، خصوصًا الأسر التي فقدت مصادر دخل أخرى أو تعرضت لمخاطر الحرب بشكل مباشر.

كما يشير أبو قمر إلى أن احتجاز إسرائيل نحو 4 مليارات دولار من أموال المقاصة -الضرائب والجمارك التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية وتشكل المصدر الأساسي لتمويل الرواتب والخدمات- يزيد من تعقيد الأزمة المالية، ويحدّ من قدرة الحكومة على دعم الموظفين والأسواق المحلية، ويقوّض الإنفاق على القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، ما يعمّق الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية ويجعل تعافي الاقتصاد المحلي صعبًا في المستقبل المنظور.

من منظور شامل، يواجه الموظفون في غزة ضغطًا مضاعفًا ليس فقط بسبب الرواتب المنقوصة وتأجيل المستحقات، بل أيضًا نتيجة استئناف البنوك خصم أقساط القروض القديمة، التي توقف خصمها أثناء الحرب مراعاة للظروف الصعبة. ويشرح أبو قمر أن هذا الجمع بين الرواتب الجزئية وخصم الأقساط يجعل الأسر تحت ضغط دائم ويقوّض قدرتها على تغطية النفقات الأساسية مثل الإيجار والغذاء والدواء والمواصلات، فضلًا عن مصاريف التعليم.

من الناحية القانونية، يشير المحامي أمير مسلم إلى أن خصم الأقساط من الرواتب دون ترتيب واضح يُعدّ انتهاكًا للمادة (83) من قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000، التي تضع ضوابط صارمة لأي اقتطاع من الأجر، بما في ذلك ضرورة إشعار الموظف والحصول على موافقة محددة أو الاقتطاع في حالات قانونية نصّ عليها القانون. ويضيف مسلم أن الخصومات الجماعية أو المفاجئة خارج هذا الإطار قد تُشكّل مخالفة قانونية صريحة، وتزيد الضغوط المالية على الأسر في وقت غياب أي بدائل واضحة.

على صعيد أخلاقي، يثير هذا النهج تساؤلات حول مسؤولية البنوك تجاه عملائها، وشفافية تعاملها مع الموظفين في ظروف استثنائية كهذه. فاقتطاع الأقساط المفاجئ، خصوصًا بعد سنوات من توقفها أثناء الحرب، يُظهر ضعف التقدير للظروف الإنسانية للمستفيدين، ويضعف قدرة الموظفين على إدارة ميزانيتهم، ما يضاعف وقع الأزمة على حياتهم اليومية.

في المحصلة، يجد موظفو غزة وأسرهم أنفسهم، في أعقاب الحرب، أمام واقع مالي خانق: رواتب منقوصة، أسعار متصاعدة، وخصومات غير منظمة، بالتوازي مع تأجيل المستحقات واحتجاز أموال المقاصة. أزمة مركّبة تكشف تداخل الأبعاد الاقتصادية والقانونية والإدارية، وتعيد طرح السؤال الأوسع: كيف يمكن حماية حقوق الموظفين وضمان قدرتهم على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم في قطاع لا يزال يرزح تحت وطأة الحرب وتداعياتها المستمرة؟