في خيمة بمواصي القرارة جنوب قطاع غزة، تجلس براءة أبو نصر صامتة، تحدّق في أرض الخيمة الرملية وتتذكر رمضان ما قبل الحرب، حين كانت في بيتها تعمل كالنحلة الدؤوب، تتنقل بين تزيين الغرف لاستقبال الشهر الكريم وإعداد قائمة الطعام لكل يوم من أيامه. 

كانت تعلق الفوانيس الصغيرة على الطاولات، وتنسق حبال الزينة لتضيء المساء بضوء خافت، وتجلب لباس الصلاة الجديد لها ولأطفالها، بينما تمسح الأرضيات وتلمع الأثاث بعناية، تحرص على أن تمتزج رائحة الطعام مع بهجة التحضيرات، لتصنع أجواءً رمضانية دافئة تعكس طقوس الشهر وميزانيته الخاصة.

تبتسم ابتسامة عابرة، ثم تعود إلى واقع لا يحتمل الزينة. لم تعد قادرة حتى على شراء فانوس لابنتها الصغيرة. تقول: "كنت في السوق مع صغيرتي، استفسرت عن سعر فانوس صغير الحجم فإذ به بـ 40 شيكلا! وفورًا عدلت عن الفكرة، انه مبلغ يكفيني لإعداد وجبة سحور وإفطار ليوم رمضاني، هذه الأيام الغذاء بالكادّ يكفي، وكل ما عدا ذلك بات ترفًا خارج الحساب".

بأسى، تتحدث أبو نصر عن وضعها المعيشي قبل الحرب، الذي كان صعبًا لكنها وعائلتها كانوا يتدبرون أمورهم. أما الآن، بعدما فقدَ زوجها عمله، فأصبح واحدًا من بين أكثر من 80% من العاطلين عن العمل، ويعيشون في فقر دائم يشترك فيه الجميع، إذ وصلت نسبة الفقر إلى 100% في غزة، وهو ما جعل الكثير من العائلات أمام تحدي شراء متطلبات رمضان هذا العام كما كانوا يفعلون سابقًا في ظلّ الغلاء المستشري.

لم يعد رمضان في غزة شهر الإنفاق الموسمي، بل أصبح مرآةً لانهيار اقتصادي واسع، إذ تعكس تجربة أبو نصر ما تعيشه آلاف العائلات في رمضان الثالث على التوالي من تراجع حاد في القدرة الشرائية وفقدان مصادر الرزق، وسط توقف الأعمال وارتفاع الأسعار الذي يجعل حتى الموظفين عاجزين عن تغطية المصروفات اليومية.

الأرملة سعدية عبد الهادي، أم لسبعة أبناء، أربعة منهم متزوجون، فقدَت زوجها في كانون الماضي جرّاء الحرب. وحاليًا تتقاضى راتبه البالغ 1000 شيكل. تقول إنها لم تقم هذا العام بأي تحضيرات لاستقبال شهر رمضان. فالحزن ما زال طاغيًا على قلبها، والإمكانات المالية بالكادّ تكفي للمقومات الأساسية.

تردف بصوتٍ مثقل: "كان رمضان شهرًا جميلًا، نتجمع حول ما لذ وطاب. اليوم غاب الأحبة وبقينا وحدنا. وقدرتنا الشرائية انعدمت. لا نهتم بماهية الطعام يكفي فقط أن يتوفر. أحاول أن أقضي الشهر براتب الألف شيكل، بينما لا يكفي للتسوق كما قبل، فما يتبقى للطعام 500 شيكل فقط، والنصف الآخر لإيجار الأرض التي ننصب خيمتنا عليها".

الأزمة لم تقتصر على الفئات المهمشة المعروفة بل طالت عموم الأسر تقريبًا، لا سيما شريحة الموظفين العمومين.  ناصر عليان، أحد موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية، يُعيل خمسة أفراد، ويتقاضى 60% فقط من راتبه بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة بعد احتجاز إسرائيل لعائدات الضرائب. فقد منزله بمدينة غزة في القصف، واستأجر بيتًا جديدًا، ويتحمل تكاليف الإيجار والمياه والكهرباء والإنترنت. 

من أصل 2000 شيكل (بعد الخصم)، لا يتبقى للعليان سوى نحو 1000 شيكل لمصروفات المعيشة والطعام، وهو مبلغ لا يغطي نصف الحدّ الأدنى من متطلبات أسرته، ليصل حجم النقص في الميزانية إلى حد يجعل الحياة اليومية صعبة للغاية.

يمسك بهاتفه، يستعرض صور زينة البيت وسفرة رمضان قبل الحرب، ويقول: "كنا نعيش في رفاهية. اختلف كل شيء، حتى نوعية الطعام. الطعام موجود في الأسواق، لكن الأسعار مضاعفة. وضعت ميزانية تقشف – وهذا لم يحدث في رمضان من قبل. كان شهرًا لزيادة المصروفات. اعترض أبنائي على جدول الطعام والميزانية، لكن هذا المتاح".

كان معتادًا على إعداد وتناول أصناف الحلوى يوميًا، لتكون جزءًا من أجواء السهرة الرمضانية بعد التراويح. لكن منذ ثلاثة أعوام، توقفت هذه العادة تحت وقع القصف والجوع والنزوح والدمار، وتبدّل الحال تمامًا.

هذا العام ومع توافر السكر والحلويات، ظنّ أن التقليد سيعود، لكنه اصطدم بالواقع القاسي. يقول: "بعد وقف إطلاق النار توقعت أن نعود لطقوسنا القديمة، فلا أتصور رمضان دون حلوى يومية وبأصناف متعددة. لكن يبدو أن هذا أصبح صعب المنال مع ارتفاع الأسعار، حتى عزائم رمضان اختفت".

التقديرات الدولية والمحلية تشير إلى تضخم تجاوز 108% في أسعار السلع الأساسية منتصف 2025. كما ارتفع مؤشر الأسعار بمعدل 53.67%، فيما انخفضت القدرة الشرائية بنسبة 70.41%. مقابل ذلك انكمش الاقتصاد بمعدل 82.5%، في انعكاس مباشر لحجم الانهيار وتراجع الإنتاج المحلي الإجمالي في قطاع غزة إلى مستويات عام 2010، وكذلك وتراجع نصيب الفرد إلى ما كان عليه عام 2003.

الأرقام تؤكد ما تقوله القصص الفردية، ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، فإن الأزمة الحالية محت نحو 22 عامًا من التنمية الاقتصادية، وتُعد واحدة من أسوأ عشر أزمات اقتصادية عالميًا منذ عام 1960 تعصف بقطاع غزة.

أمام هذا المشهد، حاولت "آخر قصة" التواصل مع وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية للاستفسار عن خطتها خلال شهر رمضان لدعم النازحين والأسر الأكثر هشاشة، سواء عبر الطرود الغذائية أو المساعدات النقدية. جاء رد أولي بأن الاستفسار سيُحال إلى اللجنة المختصة، مع وعد بالتواصل لاحقًا. لكن محاولات المتابعة والحصول على إجابة واضحة باءت بالفشل.

كيف يُدار موسمٌ كان يحتاج إلى ميزانية مضاعفة، في اقتصادٍ فقدَ قدرته على الوقوف؟ على مستوى وزارة التنمية الاجتماعية، أعلنت منذ بداية 2026 عن مشاريع دعم نقدي للأسر الأكثر تضررًا في غزة، ضمن برامج مستمرة تشمل الدعم الغذائي والنقدي طوال العام، بما في ذلك رمضان، رغم غياب برنامج رسمي مخصص للشهر الكريم، ما يترك التساؤل مفتوحًا حول مدى كفاية هذه المساعدات لمواجهة الضغوط اليومية للأسر.

في غزة اليوم، صار الاهتمام منصبًا على تأمين الحد الأدنى من الغذاء، بينما تفتح بعض المولات والمتاجر القليلة أبوابها للزبائن القادرين على الشراء، ما يعكس فجوة اقتصادية واسعة وانكماش السوق، حيث الأولويات تغطي على أي طقوس رمضانية أو رفاهيات.

يصف المختص الاقتصادي عمر صلوحة هذا التحول بأنه انتقال من اقتصاد استهلاكي موسمي قائم على التوسع في الإنفاق إلى "اقتصاد التقشف القسري"، تحكمه أولوية تأمين الحد الأدنى من الغذاء. ويشير إلى أنّ الأسر التي كانت تخصص ميزانيات إضافية لرمضان واجهت قفزات سعرية تجاوزت 100% في العديد من السلع الأساسية، ما أدى إلى تضاعف الضغوط المالية عليها.

ويشير صلوحة إلى أنّ تدمير القطاع الزراعي أسهم بشكلٍ مباشر في شُح المنتجات المحلية، وفتح المجال أمام بدائل مستوردة بتكاليف مرتفعة جرى تحميلها بالكامل على المستهلك النهائي. يقول: "ومع اقتصاد منهك وغياب دور رقابي فاعل، تفاقمت مظاهر الاحتكار والاستغلال، ما زاد من تآكل القوة الشرائية للأسر وقلص قدرتها على الالتزام بعاداتها الرمضانية التقليدية".

نتيجة لذلك، اختفت الاستعدادات الموسمية المعتادة، وحلت محلها ما يسميه صلوحة "فلسفة الانتظار": انتظار المساعدات أو انخفاض الأسعار. إذ كانت سلة رمضان، التي كانت تتراوح تكلفتها بين 150 و200 دولار، باتت اليوم تتطلب ما بين 800 و1000 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر بكثير، ويعكس حجم التحديات الاقتصادية التي يفرضها الواقع بعد الحرب.

هكذا، تحول رمضان من موسم للوفرة والمصروفات الزائدة إلى موسم تقشف يعكس التآكل الاقتصادي الذي خلفته الحرب. اختفت التحضيرات الزاهية، تراجع الطعام المتنوع، توقفت الحلوى اليومية، واستُبدل البيت لدى كثيرين بخيمة. أصبحت الأيام تُقاس بما يتوافر من أساسيات لا بما يُضاف من كماليات، وغدت موائد الشهر مرآةً لاختلالٍ اقتصادي عميق، تتآكل فيه الدخول أمام أسعارٍ منفلتة، بينما تبقى الإجابات الرسمية غائبة عن سؤال المسؤولية والحماية، لتتحول الطقوس الرمضانية إلى تحدٍ يومي لقدرة الأسر على الاستمرار.